وللأستاذ أبحاث قيمة فى اللغة والنحو ، نشر بعضها فى مجلة المجمع العلمى العربى . وقد أرسل إلينا هذا البحث المختصر الذى ننشره اليوم شاكرين له ، راجين أن تتوالى علينا مقالاته ] .
لا نريد فى هذا المقام أن نمعن فى الاستقراء والاستقصاء . وكل ما نرمى إليه أن نلقى نظرة عجلى على جمهرة الكتب التى اتخذ منها المعاصرون مناهج لدراسة النحو فى المدرسة القديمة أو الحديثة ، ونشير إلى بعض العاهات التى منيت بها ، وغضت من شأنها فى أنظار أبناء العصر ، بل قللت الانتفاع بها إلا بعد الجد والكد والاسراف فى الوقت . ويمكن إجمال البارز من تلك العاهات فى النقاط التالية :
١ - الإيجاز الشحيح إلى حد الاخلال بالمقصود ولا سيما فى المتون التى وضعها المتأخرون ، وفى مقدمتهم الإمامان أبو عمر عثمان بن الحاجب ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك . وقد تبارى المؤلفون فى هذا الشأن ولا تبارى الفرسان فى مضمار الرهان يشبعون المعانى ويجيمون الألفاظ حتى تصاب بالهزال والبهر ، فلا تقوى على حمل ما أثقلث به من المعانى ، فتحور إلى طلاسم ومعميات يتعذر على الطلبة الاستقلال بحل رموزها إلا بعد الفزع إلى المشايخ ، ويتعسر على هؤلاء الكشف عن غوامضها إلا بعد الرجوع إلى الشروح والحواشى والتعاليق . وقد نعى العلامة ابن خلدون على القوم طريقتهم هذه ، وأفرد لذلك
فصلا خاصا فى مقدمة تاريخه قال فيه : (( وهو فساد فى التعليم ، وفيه إخلال فى التحصيل )) وقال : (( قصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا بقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها )) .
ومسألة الحفظ هذه كانت أولى الغايات وآخرها فى هذه المعضلة ، يجورون على العبارة كل الجور فى التقتير والتقدير ليسهل على الحافظة ازدرادها ، وفاتهم أن العلوم إنما تطلب لتفهم وترسخ ملكاتها فى العقول : وأما الحفظ المجرد عن الفهم بل الهضم فإثمه أكبر من نفعه ، وضرره فى الذهن لا يقل عن الاضرار التى تصيب المعدة من جراء الأطعمة التى تدهدى فيها من غير مضغ وتحليل . وإن استظهار الألفاظ قبل تحديد معانيها الصحيحة فى الذهن تحديدا واضحا يلجىء الذهن - بعد الحيرة - إلى خلق معانى لها قد تكون قصية عن المقصود ، ولكنها تأخذ فى الذهن مكانها وتستعصى فيه ، ويعسر بعد ذلك على المعانى الصحيحة زحزحتها واحتلال مكانها ، فيحصل من هذا التدافع فوضى ذهنية يستمعى على أطبة النفوس استئصالها .
ولهذا نرى علماء النفس يشددون النكير على من يعلم الطفل لفظا قبل تحديد معناه فى ذهنه تحديدا واضحا ، وبستعينون على ذلك بالمحسوسات أو ما يقرب منها . ومن ثم ذهب بعض الأعلام من أولينا إلى أنه لا ينبغى أن يؤخذ الاحداث بحفظ القرآن الكريم إلا بعد أن يستعدوا لفهمه بتقديم دراسات أخرى . قال أبو بكر بن العربي : ((يا غفلة أهل بلادنا فى أن يؤخذ الصبي بكتاب الله فى أول أمره ، يقرأ ما لا يفهم )) وقد استحسن العلامة ابن خلدون هذا المذهب وإن اعتذر لتطبيقه بحكم العادة .
٢ - عدم التدرج فى ترتيب المسائل ورصف
القواعد ، فنراهم كثيرا يستعينون بالمجهول لايضاح مجهول مثله ، فيقولون - مثلا - (( المعرب هو المركب الذى لم يشبه مبنى الأصل )) مع أن الطالب لم يعرف المبنى المطلق فضلا عن مبنى الأصل . وإذا سال عن المبنى قيل له : ((هو المركب الذى أشبه مبنى الأصل)) . ويقولون - مثلا - (( الرفع علم الفاعلية ، والنصب علم المفعولية ، والجر علم الاضافة . . . )) مع أن الطالب لم يعرف شيئا بعد من أمر الفاعلية والمفعولية والاضافة ، ومعرفة ذلك كله تتوقف على ذكر الكثير من الفصول والأبواب .
وهكذا يجد الطالب نفسه تجاه مجهولات تتكاثر وتتكاثف ، وغوامض تتراص وتتراكب ، فلا يقوى على تقليلها إلا إذا رزق صبرا رصينا ، وقيض الله له شيخا بارعا يعرض أمامه سلسلة من المقدمات كثيرة الحلقات ، ثم لا يصل إلى المقصود إلا بعد جهد جهيد .
ولا ينكر أن بعض المؤلفين انتبه لهذا الأمر وحاول التسهيل على المبتدئين ، فلا ينتقل إلى مجهول - غالبا - إلا بعد أن يمهد له بمعلومات أو يوضحه عن قرب ليصل بالطالب إلى غرضه من أقصر الطرق وأسهلها ؛ ويذكر فى مقدمة هؤلاء الأفذاذ أبو عبد الله محمد بن محمد الصنهاجى صاحب المقدمة المعروفة بالآجرومية ، فانه اقتصر فيها على اللباب وقلل من استعمال المجهولات فى إيضاح المجهولات ، ذكر بعض الأبحاث بأكثر من أسلوب لترسيخها فى الفهم ، ومشى فى كثير من المسائل على مذهب الكوفية - مع أنه مرجوح عند المغارية والمشارقة من نحاة عصره - تسهيلا على المبتدئين من المتعلمين ، لأن مذهب الكوفية فى هذه المسائل أقرب تناولا إلى أذهانهم من مذهب البصرية .
ولكن الشراح والمحشين لم يأبهوا لهذه المزايا ولا حسبوا لها حسابا ، فأحاطوها بما ذهب بفوائدها وعفى
على آثارها من غوامض المسائل وغريب المباحث .
أذكر أننى فى مفتتح دراستى العربية أخذت هذه المقدمة ( الآجرومية ) وجلست إلى الشيخ لأقرأ ، فقال لى : إن المتن المجرد عن الأعراب لا يفيدك الفائدة المطلوبة ، وأخرج لى نسخة مخطوطة تشتمل الصفحة منها على أسطر قليلة ذات كلمات متباعدة ، موشحة بتعاليق كثيرة ، على أوضاع خاصة وبأشكال مختلفة ، فأعطانيها واندفع يسرد لى معنى البسملة بكلام طويل عريض لم أفهم منه إلا القليل ، وأمرنى باستظهار إعرابها : (( الباء حرف جر . واسم اسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة فى آخره ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أبتدئ أو ابتدائى ، وهو مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه وهو مجرور بالإضافة )) الخ . وكان اليوم الثانى ، وكان الموضوع ( الكلام ) فاندفع يشرح لى معناه عند اللغويين والفقهاء والمتكلمين ثم النحويين بكلام غم على أكثره ، ثم أمرنى باستظهار الكلام بتعريفه وإعرابه : (( الكلام مبتدأ مرفوع بالابتداء - على الأصح - وعلامة رفعه ضمة ظاهرة فى آخره (هو) ضمير فصل لا محل له من الاعراب )) الخ .
وهكذا وجدتنى تجاه عباب زاخر بمصطلحات لا أعرف لها أولا ولا آخرا . الحرف ، الاسم ، الجر ، المجرور ، المتعلق ، المحذوف ، المضاف ، المضاف إليه ، الإضافة ، النعت ، التبعية ، المبتدأ ، الابتداء ، الرفع ، المرفوع ، ضمير الفصل ، الاعراب . . الخ . ألفاظ اشتغل ذهنى فى أن يفرض لها معانى ، فأخذ يصوغ ويكسر ، وبعد جهد جاهد لم يحصل إلا على الجمجمة والترجيم . ففزعت إلى شرح أستعين به فوقع فى يدى شرح الشيخ خالد الأزهرى ، ونظرت فيه ، وإذا بى تجاه مشاكل جديدة : جنس ، فصل ، وضع نوعى ، وضع شخصى ، إلى أشياء من هذا القبيل ، لا يدركها إلا من ضرب
يسهم فى العربية وعلوم أخرى . وبالأخير عدانى التسآل إلى شيخ نبيه ، فأرشدنى إلى الاقتصار على فهم المتن وحده ، ثم الرجوع إلى شرح مختصر مقصور على إيضاح المراد بأسهل العبارات . والذى يظهر لنا أن الكثير من تلك المؤلفات وضعها مؤلفوها لتلاميذهم وكانوا يقدرونها على استعدادهم ومؤهلاتهم تقديرا ، فإذا أراد آخرون لم تتوفر فيهم تلك المؤهلات أن يقتطفوا مثل ما اقتطف أولئك من ثمارها أعياهم ذلك .
وما قولك أن جمهرة المؤلفين فى هذا الشأن من المعاصرين - على شدة عنايتهم فى صقل مؤلفاتهم -ـ ذهلوا عن هذا الأمر ، فوقعوا فى المحظور التعليمى الذى وقع فيه من سبقهم ، مع أنهم وضعوا كتبهم لتلاميذ لم تكن حصة العربية من وقتهم وعنايتهم إلا ضئيلة ، فكان عليهم ألا يدخروا وسعا فى التهذيب وحسن الترتيب والتبويب . نجدهم يقولون - فى مبادئ كتبهم مثلا -ـ ((الفعل المتعدى هو الذى ينصب المفعول به . والفعل المعلوم هو الذى يذ كر فاعله)) مع أن الطالب لم يعرف بعد شيئا من أمر : النصب ، والمفعول به ، والفاعل ، وتفهيمها يتوقف على دراسة أبواب لم تزل معقودة فى ناصية المستقبل .
يقال : ما العمل والأمر يقضى بإيضاح تلك المسائل ، والايضاح يتوقف على الاستعانة بهذه المصطلاحات ، وإن لم يجر ذكرها بعد . فالجواب أنه لا يجوز التعرض لإيضاح مسألة ما إلا بعد إعداد العدة لها . وتوضيح العناصر اللازمة لإيضاحها قبل الإقدام عليه . فلا يبحث عن المتعدى واللازم مثلا إلا بعد معرفة النصب والمفاعيل ، ولا عن المعلوم والمجهول ، إلا بعد معرفة الفاعل وما ينوب عنه .
وبالجملة فانه لا تجوز الاستنارة بمجهول لمعرفة مجهول
آخر ، بل يجب أن تكون الاستنارة بالمعلومات وحدها . .
٣ - الخلط بين مسائل هذا العلم ومسائل من علوم أخرى لا تمس الحاجة إليها ، وليس فى مقدور الطالب إساغتها وإدراك ما وراءها ؛ وهذا ديدن المتأخرين من الشراح والمحشين . مثال ذلك قول الشيخ خالد الأزهرى فى شرحه على الآجرومية : (( والصحيح أن الكلام موضوع بالوضع النوعى )) ، ومن أين للمبتدىء أن يدرك مسألة كهذه عجز فحول علماء الوضع والأصول عن حلها حلا نهائيا ، ويقول الشيخ المذكور فى شرح أزهريته : (( والمفرد ثلاثة أقسام : اسم وفعل وحرف ، لأنه لا يخلو إما أن يستقل بالمفهومية أو لا . الثانى الحرف ، والأول إما أن يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة أو لا ، الثانى الاسم والأول الفعل والعناد حقيقى يمنع الجمع والخلو ، وقد علم بذلك حد كل واحد منها للإحاطة بالمشترك وهو الجنس ، وما به يمتاز كل واحد عن الآخر وهو الفصل )) ا ه بحروفه . وهو كما ترى كلام مغلق لا يعقله إلا من ضرب فى علم المنطق بنصيب ، وأنى للطالب المبتدىء ذلك ؟ وفى مثل هذا الموطن يقول شارح القطر : (( فان علماء هذا الفن تتبعوا كلام العرب )) . . الخ فينطلق المحشى يشرح لفظ العرب واشتقاقه ، وجموعه ، ومن هم العرب وأقسامهم . . . الخ ، مما لا مساس له فى الموضوع . ويأتى ذاك الشارح فى باب العطف بشاهد على أن حتى لا تفيد الترتيب ، وهو الحديث المأثور : (( كل شئ بقضاء وقدر حتى العجز والكسل )) ، فينطلق المحشى بوضح حقيقة القضاء والقدر وما بينهما من فرق أو عدمه ، ويسرد فى ذلك آراء المتكلمين من أهل المذاهب المختلفة . وأمثلة هذا أكثر من أن يحاط بها .
٤ - عدم الموازنة بين مقدرة الطالب وما يحشد له من عويص المسائل وسهلها ، فانك إذا تصفحت مبادئ
الكتب التى وضعها المتأخرون للمتبدئين من المتعلمين نجد فيها معضلات المسائل محشورة إلى جانب السهل منها .
٥ - حشد القيود الكثيرة ، والرموز العديدة ، فى العبارة القصيرة ، ولا سيما فى التعاريف ، مما يتعسر بل يتعذر على الطالب تفلية تلك القيود واستخلاص المراد من كل منها .
٦ - المناقشة على الألفاظ مما لا يعود إلى جوهر العلم بفائدة ، وهذا أمر عمت به البلوى فى معظم كتب المتأخرين (( لم قدم هذه الكلمة وأخر تلك ، ولم استعمل هذه الصيغة ولم يستعمل تلك ، ولم استعمل هذه اللفظة دون تلك ، ولم ولم ؟ )) .
٧ - التوسع فى النظريات التى لا يجتنى الطالب من ورائها فائدة عملية ، مثل تنازعهم على إعراب جمع المذكر السالم هل هو بالحرف أو بالحركة المقدرة ، وكذلك أقوالهم فى إعراب الأسماء الخمسة أو الستة ، فقد ارتقت الآراء فى ذلك إلى نحو العشرين ، وتنازعهم هل المضاف إلى ياء المتكلم مجرور بالكسرة المقدرة أو الظاهرة ، وأمثال ذلك كثير مما ينبغى أن يكون محله المطولات من كتب القوم دون المختصرات التى توضع للمبتدئين من الطلبة .
٨ - الاعتماد على الأمثلة الجافة المكررة ، وإهمال المهم من الشواهد التى هى مادة الكلام وعمدة المتكلم ؛ ولذلك نجد أن كتب ابن هشام من أنفع الكتب المصنفة فى هذا الشأن فى هذه الناحية لما تشتمل عليه من الآيات الكثيرة والأحاديث البليغة ، والأمثال السائرة والأبيات الغزيرة . وأبعد الكتب عن هذه الطريقة كتب الأعاجم مثل الإظهار للبر كوى ، وشرح الملا جامى على الكافية ، ولذلك نجدها قليلة الجدوى يقرؤها الطالب وكأنه لم يقرأها . وللشواهد أثر بليغ فى تكوين ملكة البلاغة عند الطالب ، ولذلك نجد كتب الأقدمين غاصة بها ، وأقرب
مثال فى ذلك كتاب سيبويه ، فانه يشتمل على أكثر من ألف بيت من الشعر ، وعلى مئات الآيات والأمثال وعيون الأقوال .
وهذه كتب الشواهد بين أيدينا نستمد منها الكثير من الفوائد . ولقد كتب أحد علماء المائة الثامنة شرحا ممتعا على كافية ابن الحاجب شحنه بالشواهد والفوائد ، فجاء الشيخ عبد القادر البغدادى وشرح تلك الشواهد فى كتابه المسمى (خزانة الأدب) شحنها بالفوائد الأدبية والفرائد اللغوية والنوادر النحوية والصرفية إلى غير ذلك مما يسمو بالطالب إلى المستوى الرفيع .
وقد عانى بعض المعاصرين التأليف فى هذا العلم ، وحاولوا تجريد مؤلفاتهم من العاهات التى ينوء بها بعض الكتب المتداولة فيه ، ولكن أكثرهم وقف دون الغاية وعجز عن إتمام المعالجة ، ولا تزال الهمم مصروفة إلى معالجة هذه الناحية ، وعلى الله قصد السبيل .
( بغداد )
