الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 909الرجوع إلى "الرسالة"

نظرة في مقال:

Share

اعتاد الأستاذ كامل محمود حبيب أن يتحفنا بين الفينة والفينة  بمقالاته الرائعة وصوره الممتعة على صفحات الرسالة الزاهرة وكان  آخر ما قرأنا له مقالا بعنوان (هوى على الشاطئ) المنشور في  (العدد ٩٠٢) من مجلة الرسالة الغراء ولكن الشئ الذي استرعى  انتباهي قوله (. . الدين الذي يبذر في القلب الرهبة ويغرس في  النفس الخشوع ويبعث في الروح الخوف ويفيد الهمة بالاستسلام)  ويظهر أن الأستاذ كامل يفهم الدين على غير حقيقته. إن الدين  قوة روحية لها من الكمال الأسنى قدسية تفيض بالجمال الإلهي  فيملأ النفس حبا ويسمو على الرغبة والرهبة. حتى كأن للنفس  طبيعة المرآة تنعكس فيها ظلال المعاني السامية فتفيض على الروح  روحاً حتى لا تحيا في جسمها ولا تفنى معه. تضفي على الحياة  معنى تتنسم منه خلود الجنة حتى لا ترى في الحياة شهوة مثيرة،  أو رغبة أخاذة أو أملا فاتناً أو مصيبة مهلكة، إنما ترى فيها  سبيلا مجداً دعاك إليه من خلق الحياة ومن ورائها الجنة فلا تأخذك  الحياة بيأسها أو تغريرها كما لا تأخذ من الحياة إلا ما فيه مصلحة  الحياة ولا تهمل منها ما فيه مصلحتها لأنه لم يخلق شيئاً عبثاً.

فالدين بجوهره خلق وتربية غير أنه لا يحتاج إلى ما تحتاجه  الأخلاق من قوة مسيطرة وإنما هو القوة المسيطرة على الأخلاق  توجهها لأقوم وجهة، فهي خارجة عن الذات تراقبها، ولها من  الذات قوتها لاعتقادها بأن الله (يعلم خائنة الأعين وما  تخفي الصدور) .

إن الدين حق الفرد على الجماعة فلا تعتدي عليه، ولا تنقصه  حقه ولا تقيده في حريته، وإنما تنتصف له حتى يكون ضعفه  في أقوى قوة.

إن الاعتقاد بإله وآخره ما يبدل الحاجات ويقمع الشهوات  ويلجم النزوات وفي هذا ما يغير النظر لذات الحياة فتكون  الأخلاق غير الأخلاق، وتكون مع هذه الأرض غير الأرض

كأنها بين ربوة عالية وهاوية سحيقة، ولهذا قال فولتير الأديب  الفرنسي الشهير بإلحاده إن الإله شرطي يصون المجتمع حتى  ليحب أن نوجده إن لم يكن موجوداً.

إن الدين روح الأخلاق وأساس الفضيلة والمجتمع الذي  لا يقوم على أساس من دين يهوي إلى الدرك الأسفل من الرذائل.

(بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية