-2-
أولا : الإمامة عند الباطنية
يفضى بنا المقال الأول من البحث إلى مناقشة موقف السهروردى الإشراقى بصدد مشكلة الإمامة على ضوء موقف الباطنية منها .
١ - الاعتراف بالإمام عند الشيعة أو الباطنية عموماً جزء جوهرى من صميم القواعد الإيمانية التى لا يصدق فى الإيمان بدونها .
يقول الكلينى ص ١٠٥ " عن أبى حمزة قال لى أبو جعفر إنما يعبد الله من يعرف الله ، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالا . قلت : جعلت فداك ؛ فما معرفة الله ؟ قال : تصديق الله عز وجل . وتصديق رسوله وموالاة على والالتهام به وبأئمة الهدى عليهم السلام والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم هكذا يعرف الله " . " وليس بمسلم حقاً من لا يعترف بالله ورسوله والأئمة جميعاً وإمام عصره . ومن لا يفوض أمره للإمام ويبذل نفسه فى سبيله "
واعتبار الإمامة من أصول الدين عند الشيعة لا من مسائل الفروع دفع بهم إلى شق عصا الطاعة على المجتمع الإسلامى ، فكفروا كل من لا يعتقد فى إمامة على وذريته ، لأن إيمانه بالله ورسوله دون الأئمة إيمان ناقص لا شفاعة فيه ولا غفران له . فهى ركن من أركان الدين الأساسية التى لا يصح إسلام شخص إلا بها ، فالقاضى النعمان بن محمد يذكر " فقد روينا عن أبى جعفر محمد بن على أنه قال : بنى الإسلام على سبع دعائم ( ١ ) الولاية وهى أفضلها ( ٢ ) الطهارة ( ٣ ) الصلاة ( 4 ) الزكاة ( ٥ ) الصوم ( ٦ ) الحج ( ٧ ) الجهاد ( دعائم الإسلام للقاضى النعمان بن محمد - تحقيق آسف بن على أصغر قضى - دار المعارف القاهرة سنة ١٩٥١ ص ٣ ) .
والمقصود بالولاية الاعتقاد فى إمامة على وذريته من
فاطمة . أما الجهاد فمن مراميه نشر الدعوة لآل البيت ومغالبة المغتصبين للخلافة ، ويتمثل نشاط الشيعة فى الدعوة السرية التى رتب لها الدعاة الفاطميون والقرامطة مراتب وأساليب خاصة . وأما إذا استشرى الخطب وعم الاضطهاد فهم يلجأون إلى التقية .
ويورد القاضى النعمان نصاً آخر ص ٥ عن حقيقة الإيمان عند الشيعة ، يقول : الإيمان شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبد ورسوله ، وأن الجنة حق والنار حق ، والبعث حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، والتصديق بأنبياء الله ورسله والأئمة ، ومعرفة إمام الزمان والتصديق به والتسليم لأمره ، والعمل بما افترض الله تعالى على عباده العمل به والانتهاء عما نهى عنه وطاعة الإمام والقبول منه " .
وقد سمى الشيعة من يعارضون فى إمامة على وذريته - على طريقتهم - ( بالتصيبية ) وناصبوهم العداء وعدوا مخالطتهم تدنيساً للشيعى يجب التطهر منه ، حتى إن الكلينى يذكر ص 568 " روى عن الإمام جعفر الصادق أنه قال : إن رضاع الولد من يهودية أو مسيحية أفضل من أن يكله أبوه إلى مرضعة من النصبية ( أعداء على ) .
٢ - وقد اختلف الشيعة فى تعداد الأئمة ؛ فالاثنا عشرية أو الإمامية تنتهى عند الامام الثانى عشر وهو محمد بن القاسم المولود ببغداد سنة 873م وهو المهدى المنتظر المسمى عندهم بالإمام الخفى . والزيدية وهم شيعة اليمن يقفون عند الإمام الخامس زيد بن على من نسل الحسين ، وقد ثار بالكوفة سنة ١٢٢ ه/ ٧٤٠ م مطالباً بالخلافة دون ابن أخيه جعفر الصادق .
أما الإسماعيلية ويسمون ( بالسبعية ) فإنهم يقفون عند الإمام السابع إسماعيل بن جعفر الصادق . وينسب إليهم
الفاطميون . أما الشيعة الغالية فإن بعضهم يؤله علينا ويرى أن الألوهية تجسدت فى على "وبعضهم يراها متجسدة فى ثالوث يجمع بين النبى محمد وعلى وسلمان الفارسى ، والبعض الآخر يرى أن الوحى أخطأ فنزل جبريل على محمد وكان يجب أن ينزل على على .
وقد اندثرت تعاليم معظم هذه الفرق المتطرفة ، ولكنها تركت آثاراً خطيرة تمثلت فى العصر الحديث فى البهائية والقادبانية والنصيرية .
٣ - وأيا ما كان موقف فريق الشيعة من عدد الأئمة فإنهم يرتبون للإمامة شروطاً معينة ؛ فالإمام ورث العلم الإلهى عن النبي واطلع على " الجفر " ( وهو وثيقة هامة قبل إنها صادرة عن النبى وإنها مكتوبة على رقعة من الجلد وأهم ما بها التنبؤ بحوادث المستقبل ومثلها " الجامعة ؟ ) .
وهم يرون أن النبى أوصى لعلى بالخلافة من بعده فى صيغة تكليف إليه وهذا ما يسمى ( بالوصية ) .
والصفة الثانية للإمام هى أنه معصوم من الخطأ لأنه يتلقى كل ما ينطق به عن طريق يشبه الوحي أو أنه داخل فى نطاق العلم الإلهى الموروث والإمام هو القائم على الشريعة والأمين على تفسيرها ورأيه قانون ملزم لأن علمه إلهى .
وهناك مبدآن آخران متصلان بعقيدة الإمامة ، وهما القول بالغيبة والرجعة أى غيبة الإمام ورجعته ويسمى حينئذ بالمهدى .
وقد تحققت رجعة الإمام الغائب صاحب الزمان عند الإسماعيلية بظهور عبيد الله الفاطمى فى شمال إفريقية ، ويقال إن الذى أدخل القول بالرجعة فى الإسلام عبد الله ابن سبأ اليهودى .
والفرق بين الشيعة والسنة فى الاعتقاد فى الإمامة أن أهل السنة يرون فى الإمام رئيساً لمسلمين يدبر شئونهم الدينية والدنيوية ، وهو يعنى آخر الخليفة ، الذى يلى أمور الجماعة عن طريق الإجماع أو الانتخاب ( البيعة ) وأنه غير معصوم من الخطأ وأنه فى مستوى البشر ولا يسمو على الطبيعة البشرية ، فالإسلام لا يعترف باتحاد اللاهوت بالتلوت .
أما الشيعة فيقررون أن رياسة الإمام مفروضة على البشر
وملازمة لهم ، لأنها تستند إلى وصية شرعية عن النبى ، ثم إن الإمام يمتاز عن البشر بما فطر عليه من طبيعة إلهية وله وحده سلطة التشريع .
أما أهل السنة فيرجعون للأصول الأربعة المعروفة .
وقد أطلق لفظ " الباطنية " على الشيعة عموماً ، وعلى الإسماعيلية على وجه الخصوص ، لأن الإسماعيلية يرون للقرآن ظاهراً وباطاً ، ويعتقدون أن نصوص القرآن الظاهرة يجب أن تؤول تأويلا مجازياً ، وأن المعنى المستور للقرآن لا يدركه إلا الأئمة المعصومون .
وتعد الحركة القرمطية وثورة الزنج الاجتماعية من أخطر الثورات الفكرية والاجتماعية وهما وليدنا المذهب الإسماعيلى .
وقد تأثر الإسماعيلية والقرامطة بالأفلاطونية المحدثة ، وأولوا نظرية الإمامة تأويلا فلسفياً مستندين إلى فكرة العقل الكلى الأفلوطينية ، وكان للصوفية وإخوان الصفا أثر كبير فى تحرير نظرية الإمامة وتوجيها وجهة عالمية ؛ فقيل عن الإمام إنه النور المحمدى وإنه الواسطة بين الرب والخلق ، وهو الرابطة الجوهرية بين العلة والمعلول ، بل هو الباعث الأصلى على الوجود ، بل إن الملائكة حينما سجدوا لأدم كان سجودهم للأجزاء النورانية الخاصة بالأئمة والتى اشتمل عليها آدم ، وقد أمره الله أن يرفع بصره للعرش الإلهى حيث شاهد انعكاس هذه الأنوار المقدسة عليه ( أى على العرش الإلهى ) .
هذه الاتجاهات الغريبة على الفكر الإسلامى البحث ترجع إلى نظرية الوساطة التى قال بها أفلوطين فى نظرية الفيض وسبقته الغنوصية والهرميسية والصابئة إليها ؛ فالوسائط لها وظيفة صوفية متيافيزيقية ، فهى تقرب العبد من الرب وتصل الناموت باللاهوت ؛ والإسلام قد فصل فصلا تاما بين الألوهية والبشرية ، فلا يمكن أن يرقى الإنسان إلى مرتبة الألوهية . أما للمسيحية ومذاهب الصوفية الحلوليين والاتحاديين وأتباع وحدة الوجود فقد تكلموا عن إمكان الوصول وعن اتحاد الطبيعتين .
والشيعة الباطنية ساروا فى نفس الطريق متأثرين
بالتيارات السابقة ، فأتخذ الأئمة لديهم مراتب الوسائط الروحية فى الأفلاطونية المحدثة . ومن ثمة كانت طبيعتهم البشرية مظهراً إنسانياً فحسب لطبيعة إلهية يعدون بسببها عمداً ميثافيزيقية لهذا الوجود ، وهنا نجد نوعا من التشابه بين هذا الموقف ونظرية القطب الصوفية .
على أن هذه الاتجاهات الغربية كانت نتيجة حتمية لانتشار الاسلام فى مراكز هذه الثقافات ، فحمدان القرمطى - مثلا - وهو أول القائمين على الدعوة القرمطية ، نشأ فى واسط وهى من مراكز الصابئة ، وقد استعار القرامطة بالفعل كثيراً من الطقوس الدينية التى يمارسها الصابئة ، وإذا تناولنا موقف القرامطة من الإمامة نرمى فيه بوضوح أثر القنوصية ، فهم لا يحترفون بالوصية التاريخية التى تقصر الإمامة على آل البيت وحدهم دون غيرهم ، بل يقولون بالوصية الروحية ، فالإمام قد يكون من آل البيت أو من غيرهم تبعاً لميزاته الروحية والعقلية ، وهنا نجد نزعة واضحة للخروج بالنظرية من الدائرة الأسهبية الضيقة التى تقوم على صلة الدم ، وتجد تطوراً خطيراً للخروج بها من الدائرة المحلية فى المجتمع الإسلامى إلى الدائرة العالمية التى تشمل سائر الأديان ، فالأئمة موجودون منذ بدء الخليفة ، وعددهم غير محدود ، وهم يظهرون فى أدوار لا متناهية وفى تنظيمات سبعية ( عند الإسماعيلية ) وبملك القرامطة فى عداد الأئمة هرمس وأجانا ديمون رأنبادقل وفيثاغورس وزادشت وأفلاطون ؛ وواضح من هذا أن الإمامة لا تقوم على أساس التسلسل التاريخى فى النسب ، بل على أساس قدرة الإمام العقلية واستعداده الروحى لتلقى الإشراق من ( النور العلوى ) فيمنح التفويض من العقول العليا المشرقة ، ويعد الأئمة السابقون عليه فى عداد هذه العقول المشرقة .
فالإمام إداً فى أرقى درجات الواصلين الذين يتلقون الإشرافات الدائمة ويكونون هم بدورهم مصادر إشرافات وفيوضات روحية .
والعالم مجموعة من الظواهر المتعاقبة ينحسر عنها الحجاب المادى بالتدريج تبعاً لإشراق العقول عليها . والواحد ( نقطة رياضية مجردة كما قال أفلوطين ) هو المصدر الأول لهذه
الإشعاعات الروحية التى يسميها القرامطة بالنور الشعشعانى القاهر . وعن الواحد يصدر العقل الكلى ونفس العالم وتصدر العقول الأخرى بالتدريج ومنها عقول الأنبياء والأئمة والأولياء . والعقول والنفوس الجزئية الأخرى وهم زائل ويصدر النور الظلامى عن النور الشعشانى فى نهاية المكان
وإذاً فعقول الأنبياء والأئمة قبسات نورية أصبحت شاعرة بذواتها الإلهية بعد أن نفحتها العقول المشرقة الفيض النورانى ، وهذا الشعور بالذات هو الحدس أو الإدراك الذوقى الذى يخلصها من الطماة الخمس وهم السماء والطبيعة والقانون والدولة والضرورة .
وإذا جاز لنا أن نتكلم عن قبل وبعد فى مذهب يسبغ الأزلية على وحداته الوجودية ، فإننا نفسر عبارتنا السابقة بقولنا إن الأنبياء والأئمة وهم قبسات نورية يكونون قبل شعورهم بذواتهم ( أى قبل تلقى الوصية الروحية ) متصلين بالعوائق المادية والزمنية التى تؤخر انطلاقهم الروحى ، وفى هذه الحالة المعوقة لهم عما رسم لهم من مراتب إلهية شريفة يرسمون بطابع الفردية للميزة لأفراد البشر العاديين - وذلك بصفة مؤقتة - فيكون منهم سلسلة يندرج تحتها ( الناطق والصامت والباب ) وهذه مراتب روحية لها طابع فردى محدود ، ولكن هذه الطبيعة الفردية تأخذ فى التناقص تدريجيا ًكنتيجة لتوالى الإشراقات النورانية عليها ، إلى أن تصبح هذه القبسات شاعرة بذواتها ، فتنتقل إلى سلسلة أخرى بها مراتب ( الداعى والحجة والإمام ) وتزداد السلسلة الأخيرة أعداداً بما يصل إليها من السلسلة الأولى .
وقد يقتضى أن تقتل بعض العقول الفردية من دور إلى دور إلى ما لا نهاية ، ما دامت متعلقة بطبيعتها الفردية ، إلى أن تتلاشى هذه الطبيعة ، حينئذ تندرج فى عداد الذوات النورية الإلهية الشاعرة بذواتها ، وتستمر هذه الحركات حتى يحصل ما يسمى بالديجور أو الصيحور أو البكار وعندها تقف الأدوار التى تمر بها العقول ، وهذا التوقف يختلف كثيراً عن الاتجاه الدينى التقليدى بصدد التمسك بفكرة اليوم الآخر .

