نشرت الثقافة ( العدد ٣٣١ ) للكاتب الكبير الأستاذ شفيق جبرى مقالا عنوانه ( أنا . . . ) صور فيه الآستاذ مشكلة ( الأنانية ) فتضاربت آراؤه فى تصويرها وعلاجها والتمثيل لها ، وهمى هنا أن أناقشه فيما قال :
١ - بدأ مقاله بقوله : " أظن أن ثلاثة أرباع مصائب الدنيا ناشئة عن هذا الضمير . . أنا . ضمير المتكلم " ثم عقب بعدة صور ينافق فيها ( أنا ) فيبطن الرذيلة ويتظاهر بالفضيلة ، ثم قال : " والخلاصة أن هذا الضمير (أنا) رأس المصائب ، فلو كنت عضوا فى مجمع فؤاد الأول لشغلت المجمع طول الشتاء الماضى بالسعى فى حذفه ، فإذا حذف فإنى أعتقد أن البشرية تسلم من كثير من شره ، وخاصة إذا اندمج فى أخوية ( انت وهو ) لأن هذا الاندماج يؤدى إلى التجرد والانسلاخ ، والبشرية فى حاجة إلى هذا التجرد والانسلاخ ، فقد تميت من هذا الضمير ( أنا ) من مشتقه ( الأنانية ) " .
وبدهى أن الأستاذ لا يعني اللفظ ( أنا ) بل ما يدل عليه من حب الإنسان نفسه ، وتمسكة بأنانيته ، وماله من قوى وخصائص . وما أكثر من يشاركون الأستاذ فى رأيه ! بل ندر من لا يشاركونه فيه ، فأ كثر الناس ينظر إلى ( أنا ) بعين السخط والريبة ، ويرى أن كل المصائب - لا ثلاثة أرباعها كما ذكر الأستاذ تساهلا ورحمة - سببه ( أنا ).فهو الصخرة التى تتحطم عليها كل أعمال الخير فى الحياة ، وأن علاج هذه الحال يقتضى حذف ( أنا ) من قاموس الحياة ، وأدع هنا بيان الأسباب التى تدفع الناس إلى ارتياء هذا الرأى ووصف هذا العلاج ، وبيان الأضرار التى تحيق بالإنسانية لو حذف (أنا) فضلا عن الفناء الذى تصير إليه لو حذف . وحسبى أن أقول إن ( أنا ) معناه الشخصية بما لها من قوى ، والقوى هى الشهوات والخصائص ، فكلما قويت الشخصية فتمت شهواتها
وخصائصها كانت أقدر علي العمل سواء اكان العمل نافعا أم ضارا ، وكما ضعفت كانت أعجز عن العمل النافع والضار معا ، وإذا حذفت - كما يريد الأستاذ - لم تقدر على نفع ولاضر ، بل لم تكن شيئا . فقدرة الإنسان على الخير والشر متوقفة على قوة شخصيته ، فمن يحارب ( أنا ) يحارب الشخصية ، بل يحارب الحياة ، فالأنانية هى أشرف ما فى الحياة وأغلاه ، بل هى الحياة بكل معناها .
ولا يستطيع مجمع فؤاد الأول أن يحذف هذا الضمير ( أنا ) إلا إذا انقلب مصنعاأسطوريا من مصانع الدمار ، واخترع من وسائل التدمير الأسطورية ما يكفى لتحطيم العالم جميعا فى لحظة واحدة فيتحطم هو معه ، لأنه لا معنى لحذف ( أنا ) إلا هذا الفناء العام ، وهذا ما لا يسمح به ( أنا ) بحال من الأحوال .
ولست أدرى أولا كيف يمكن حذف ( أنا ) لتسلم البشرية من شره ، ولو حذف أنا لحذف خيره وشره معا . ولا أدرى ثانيا كيف يمكن حذف أنا ثم إدماجه فى أخويه ( أنت وهو ) ، لأن هذا الاندماج يؤدى إلى التجرد والانسلاخ ، والبشرية فى أشد الحاجة إلى هذا التجرد والإنسلاح ، أسأل وأعجز عن الجواب : نعم التجرد والانسلاخ وكيف يمكن أن ندمج شيئا فى شئ بعد أن نحذقه ونمحوه ؟ ولم هذا الحذف ؟ إن تكن الإنسانية قد تعبت من ( أنا ) فليس حذفه هو العلاج ، بل العلاج هو التربية والتوجيه السديد ، فظفر الإنسان مثلا لابد أن ينمو ما دام حيا ، فهو حافظ للأنملة وعون لها على عملها ، ولكنه حين ينمو فيطول أكثر من القدر المناسب يكون مأوى للجراثيم والقذر ، ويصير معرضا للتشقق ، وبذلك يكون مبعثا للآلام والأوجاع ، ومعطللا للأنملة عن أداء عملها ، ومعطلا هو عن أداء عمله . فإذا استأصلناه فقدت الأنملة ما يحفظها وصارت عرضة للصدمات ، وعجزت عن أداء عملها كما يجب وعرضت الإنسان لكثير من الآلام ، وهذا هو الشر ، ولكننا إذا قلمنا الظفر ونظفنناه بقى حيا ناميا يؤدى عمله ،
وهذا هو العلاج الرشيد ، لأن فيه إبقاء على خيره ومنعا لشره .
وهكذا (أنا ) فإذا كانت الإنسانية قد تعبت منه فلا يجوز أن نلجأ فى علاجه إلى استئصاله ، ولكن علينا أن نربية ونهذبه ، ونطلق له الحرية المستطاعة له لينفع نفسه وغيره ، وأن نعود المحافظة على حقوقه وواجباته ، وحقوق غيره وواجباته ، فلا يطغى علي غيره ، ولايطغى غيره عليه .
إنه لا خير فى الإنسان لنفسه ولا لغيره إلا بأن يحتفظ لشخصيته بكل قواها ، أى أن يتمسك بكل شهوات ( أنا ) وخصائصة . وما كان النوابغ فى كل زمان ومكان إلا أفرادا تمسكوا بأنانيتهم أكثر من غيرهم ، واحتفظوا بما لهم من شهوات حية وخصائص راسخة . ومن الظلم والخراب أن نطالب بإضعاف ( أنا ) فضلا عن أن نحذفه ، ويكفى أن نحول بين ( أنا ) والطغيان على غيره ، ولن يضر ( أنا ) شيئا أن تمنعه الطغيان ، بل إن ذلك أحرى أن يسهل الحياه والنضح ، ويصرفه عما ليس منه إلى ما هو منه ، ويحترم نفسه ويحترم غيره ، ويتعاون معه على الخير العام بلا إجحاف بحقوق نفسه وحقوق غيره .
٢ - ويقول الأستاذ : " أولع بهذا الضمير كثير من رجال العبقرية ، وفى مقدمتهم المتنبىء" ثم يقول : " إننا نحب أن يذوق الناس محاسننا من تلقاء أنفسهم من غير أن نذيقهم إياها ، إننا نحب أن يشعروا بهذه المحاسن من غير أن نشعرهم بها ، فاذا توخينا إظهارها ، والتنبيه عليها فقد يذهب شىء من آثار حسنها "
ويكاد الإنسان يحس هنا أن الأستاذ قد شغله هذا اللفظ المسكين ( أنه ) عن الاتصال بما وراءه من المعانى ، وإلا فما الذى ينكر الأستاذ من تكرار المتنبى ( أنا ) ؟ اينكر عليه عظمته ؟ لا اظنه يريد ، ولا أراه يستطيع لو اراد وما عظمة المعنى ؟ إنها شهواته وخصائصه التى احتفظ بها رغم عصره ، فتفوق هو وحمل غيره من ضعاف الأنانية أى ضعاف الشهوات والخصائص . أو ينكر الأستاذ إذا
هذا اللفظ من حيث هو لفظ ؟ اعيذه من ذلك ! فما أظن أن هذا اللفظ المسكين قد جنى عليه جناية يستحق من أجلها أن يحقد عليه ويتمنى من أجلها أن يكون عضوا فى مجمع فؤاد الأول ليقتله هناك .
وأى فارق بين كلام المتنبى جاء فيه ( أنا ) وكلام له لم يجىء فيه ( أنا ) ؟ وشخصية المتنبى واضحة هنا وضوحها هنالك علي رغم كل الناس .
٣ - ويقول الأستاذ : " أدرك كثير من رجال العبقرية خطر هذا الضمير ( أنا ) وما يجره عليهم من الويل ، فانصرفوا عنه إلى أخذ ضمير الغائب اندمجوا فيه"
ومثل الأستاذ لذلك بالحاحظ الذى كان يؤلف بعض كتبه وبنسبها لنفسه فيتواطأ على الطعن فيها وفيه حساده ، فإذا نسبها إلى المتقدمين أقبلوا عليها يكتبونها ويتأدبون بها ويذيعونها ، كما مثل الأستاذ بابن المقفع إذ أورد فى آخر كتابه ( الأدب الكبير ) حديثا لنفسه نسبه إلى صديق له . والحق أن الحاحظ لم يتخل عن ( أنا ) والدليل على ذلك أنه لم ينصرف عن التأليف ، سواء أنسب ما ألف إلى نفسه أم إلى غيره ، وكل ما كان أن عصره كان يقوم المؤلفات بمقدار قدمها لابما فيها ، فكلما كانت أقدم كان نصيبها من الاحترام أ كثر مهما تبلغ من السخف ، وهذا مقياس خاطئ دون ريب والذنب ذنب العصر الذى يأبى إلا أن تزيف له علامة المصنع الذى أنتج السلعة وإلا عرض عنها مهما تبلغ من الفائدة والنفاسة . ولو اصاب عصره لقبل ما يقدم إليه ناظرا إلى قيمته من حيث هو لامن حيث القدم والحدوث ، ولكنه أبى أن يعطى (أنا) حقه ، وأصر على أن ينقصه حقه ، فالذنب إذا ذنب العصر الجاحد الظالم حين أبى أن يحترم (أنا) ويعرف له فضله وحقه .
وما فعل ابن المقفع قريب مما فعل الجاحظ ، وإن كانت علامة المصنع هنا لم تنزع كما نزعت هناك . والمشكلة ليست مشكلة عناوين على كل حال .
٤ - وإذا كان " أناتول فرانس " قد تخلى عن
اللفظ ( أنا ) فيما كتب إلا قليلا فى موضوعات نسبها فى الرواية إلى نفسه واعتذر عن هذا القليل - فما أظن هذا الاعتذار بمهون خطب ( أنا ) كما يقول الأستاذ ، فليس لأنا خطب هناك ، بل الخطب خطبنا نحن حين نتصدى لعباقرتنا ومن دونهم فنضع فى طرقهم من العراقيل ما يحد من نشاطهم ، ونضطرهم إلى اتخاذ قوالب خاصة ، ونحول بينهم وبين التمتع بحرية لا خطر علينا منها ، ولا طغيان فيها على حق من حقوقنا ، ونضطرهم إلى أن يزيفوا لنا علامة المصنع أو يحذفوا بعض العناوين التى لاضرر علينا من ذكرها . ولماذا نأبى على ( أنا ) أن يطغى ولا نأبى على أنفسنا الطغيان عليه ؟ ولم لانكون عادلين فنترك له أن يعمل بقدر استطاعته داخل حدوده وبكل حريته ، ونحد من طغياننا عليه ؟ إننا حريون أن نضع أمامنا ما نقله الأستاذ عن أناتول فرانس وهو بصدد اعتذاره عن ذكر (أنا) مكرها فى بعض رواياته عن نفسه ، فقال : "أروى هذه الروايات وأنا مكره لا بطل ، فقد تعودت أن يجرى لسانى ما يتصوره فكرى ، ولا يكون المرء أمينا كل الأمن من غير أن يضجر غيره بعض الإضجار ، أو يقلقه بعض الإقلاق . ولكنى إذا تكلمت عن نفسى فأرجو ألا يفكر الذين يصيخون لى إلا فى أنفسهم ، وعلى هذه الصورة أسرهم وأسر قلبى " إن ( أنا ) لا يجوز أن نطالب بغير الأمانة ، فإذا فعلت ذلك فقد أدت واجبها . وإذا كان ذلك يضجرنا أو يقلقنا فنحن الملومون ، وعلينا أن نفكر فى أنفسنا ، ونحن نصيخ إلى ( أنا ) لنرى ( أنا ) فى أنفسنا ، لأننا جنس واحد خاضع لقوانين واحدة وأفراده يفكرون وبحسون على طريقة واحدة .
٥ - ويرى الأستاذ أن ( أنا ) نجح على لسان الحجاج حين وصف لعبد الملك بن مروان عيوب نفسه لما طلب منه ذلك ، فلماذا يعد الصدق فى إنشاء العيوب نجاحا ، ولا يعد الصدق فى إبداء الحسنات نجاحا ؟ بل لم يعد الكذب فى إفشاء ( أنا ) لعيوبه وتزيده عليها نجاحا ، بينما يعد ذكر لفظ ( أنا ) فى إبداء أهون الحسنات عيبا كبيرا ، وخطرا
عظيما على غير ( أنا ) وطغيانا وافتئاتا من ( أنا ) على حقوق غيره . . .
ليس ذلك من العقل ولا من العدل فى شىء ، ولو عقلنا وعدلنا لتركنا لأنا أن يحدث عن نفسه ما أراد كما أراد دون أن نطالبه بشيء إلا الأمانة وعدم الطغيان على غيره . فإذا خان أو علم قومناه وأرشدناه دون أن نقتله أو نضيق عليه .
٦ - وإذا كان بعض رجال العبقرية قد حاولوا أن يكونوا صادقين فى قولهم (أنا ) فما نجحوا كما أخفق " روسو " فى كتابة اعترافاته - فإن كثيرا من رجال العبقرية حاولوا أن يكونوا صادقين فنجحوا فاحتفظوا لشخصياتهم بكل فضائلها دون أن يطغوا على حقوق أحد . وإذا كان " روسو " قد كذب فى اعترافانه ، ولم يتوخ فيها إلا مدح نفسه وننصله من التهم التى وجهت إليه وإثبات فضله على كثير من الناس رغم عيوبه فلا يجوز أن يقلقنا أو يضجرنا ( أنا ) فيها ، لأنها تكذب حينا ونفخر حينا كما يقول الأستاذ ، بل يجب أن نترك لأنفسنا تمحيصها وبيان الصدق والكذب فيها ، فنقابل الصدق بالإبتهاج ونقابل الكذب بالعطف والرحمة ، إذا لم نستطع أن نقابله بالتصفية فإن النقص يعتور الإنسان وكل ما يعمل هذا الإنسان .
إن الإنسان بشهواته وخصائصه ، فهى التى تدفعه إلى العمل وتمسكنه منه سواء أ كان العمل رفيعا أم وضيما ، وقتلها انتحار بطئ . إنما الحكيم من يعرف كيف ينميها ويروضها ويوجهها توجيها ساميا نحو الخير . فما كان عظماء الرجال فى كل زمان ومكان إلا أفرادا ذوى شهوات قوية وخصائص راسخة ربوها هذه التربية وتساموا بها إلى آفاق رفيعة فخلقوا التاريخ الإنسانى وأنتجوا أسمى وأروع ما جادت به القرائح الإنسانية من فنون وصناعات وآداب وفلسفات ، وشرائع ، ونظم ، ومخترعات .
( سمالوط )

