الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 665الرجوع إلى "الثقافة"

نعم لا إنسانية

Share

مهداة للدكتور زكي نجيب محمود

روى الدكتور أني حدثته مرة فقلت إن كل حضارة سواء كانت اسلامية أم غربية لها مزاياها ولها عيوبها ثمن مزايا المدنية الغربية علمها لا إنسانيتها وقد انتقدني بأن المدنية الغربية أكثر إنسانية نعم إن ذلك صحيح من الناحية الأخلاقية الفردية فالطبيب الإنجليزي أو الألماني طبيب إنساني بمعنى أنه يعالج معالجة صحيحة النصراني والمسلم واليهودي والوثني بل قد يعالج عدوه كما يعالج صديقه لأن هذا واجب خلقي بل قد يكون منهم الذي يشفق حتى على الحيوان فيولي من العناية بكلبه ما يوليه لابنه أو بنته

وقد شاهدت كثيرا من هذه الحوادث فرأيت إنجليزيا وهو يسافر إلى بلاده فيوصي بالعناية بضفدعة عنده ورأيت انجليزيا يملك حصانا ويعتز به فإذا سافر إلي بلده لا إلى رجعة أطلق عليه الرصاص حتى لا يهان ورأيت من يعمل عملية جراحية تساوي مائتي جنيه فيعف عن أن يأخذ أجرا ، لأن المريض مدرس فقير أو أستاذ جامعي لا يملك شيئا ، ونحو ذلك كثير وعندهم المستشفيات الإنسانية الكبيرة ، والتبرعات الخيرية الكثيرة والعطف الكثير على المحتاجين والبائسين ومن يتبرع بالمال الوفير لإنشاء كرسي في جامعة ،

أو مستشفى في بلدة ليس فيها مستشفى أو لشراء مطبعة للعميان أو نحو ذلك فهم في هذا الباب أرقي منا بكثير ولعل هذا وأمثاله هو ما نظر إليه الدكتور زكي فكون رأيه على هذا النحو

ولكن انتقل من هذا النظر إلي نظر آخر أوسع أين الإنسانية في الحروب الأخيرة وما جلبت من ويلات ، والحروب القادمة وما تستتبعه من مصيبات تقشعر من وصفها الأجسام

أين الإنسانية في القنبلة الذرية والصواريخ المبيدة والمخترعات الحديثة المدمرة

إنهم لو كانوا إنسانيين لاخترعوا الذرة ولم يخترعوا قنبلتها وسخروا انحلال الذرات في إسعاد الإنسان لا في إشقائه وأين الإنسانية في كل مافعله الغرب بالشرق ؟ استعباد لا حد له ، واستغلال لا حد له . ولو كانت إنسانية لأخذ الغرب يد الشرق وسيره معه في بناء المدنية ، أين المدنية فيما تفعله فرنسا في المغرب من فتك بكل مطالب بالوطنية ومدافع عن الحرية ؟ وأين الإنسانية في هيئة أمم توالي إسرائيل ظلما وتغدر بالعرب ظلما ، وتحكم على إسرائيل ولا تطالبها بالتنفيذ ، وتحكم على العرب فتطالبهم بالتنفيذ ، وتقتل إسرائيل برنادوت رئيس اللجنة فيظن العالم أن العقاب سيكون صارما ، فإذا هو لا شئ ؛ ولو كانت قد قتلته العرب لما كفاهم أن يمحوهم من الوجود محوا ؛ وأين وأين من آلاف المسائل التي تقع تحت أعيننا كل يوم ؟؟.

هذا هو مظهر الإنسانية الحقيقي أما حوادث جزئية كرحمة فرد بضفدعة ورحمة إنجليزي بحصان بطريق القتل فشئ صغير لا يحقق الإنسانية

إن الإنسانية أكبر من ذلك وأوسع ، وإنا نتلمسها عند رجال السياسة الأوربيين فلا نجدها ، وليس السياسيون هم المسئولين وحدهم . بل إن الشعوب التي تقرهم على ظلمهم مسئولة معهم . فليكن النظر واسعا واسعا حتى تدرك الحقيقة . إن نوع إنسانيتهم كإنسانية صاحب الخروف

يغذيه قبل العيد الكبير ليذبحه ، أو كإنسانية السجان يعطي المحكوم عليه بالإعدام شربة ماء قبل أن يقتله ولأجل هذا قلت مرارا إن المدنية الغربية مادية حتى في معانيها ، ولهذا راج فيها مذهب النفعة المادي ، وساد جميع المذاهب الأخرى .

ليس يصح أن يغرنا الرواق فنرى مصانع كبيرة ومخترعات عظيمة ومطاعم ضخمة وشوارع نظيفة وسينما وتمثيلا أرقى مما عندنا بكثير ...

إن القلب أيها الأستاذ هو كل شئ فلا يغرنك ما ترى من بهرجة وما يدعون من عظمة إن العلم لهم لا محالة ولكن تنقصهم الإنسانية أيضا لا محالة

حدث الأستاذ جود قال قابلت رجلا هنديا فافتخرت أمامه بما اخترعنا من غواصات وطائرات فقال الهندي نعم إنكم اخترعتم الغواصات تغوصون بها في أعماق البحار واخترعتم الطائرات تطيرون بها في أعلى الجو ، ولكن مع الأسف لم تتعلموا كيف تمشون على الأرض إن المشي على الأرض في اعتقاده يتطلب إنسانية لا تأتي من الطيارات والغواصات وإنما تأتي من القلوب

لقد كان الإسلام أكثر إنسانية حين أمر ألا يجهز على جريح ولا يؤذى غير مقاتل وانه ترحم النساء والصبيان والمسنون

وفي الأمثال العامية مثلان لطيفان لأداء هذا المعنى الأول لا يعجبك البيت وتزويقه والساكن ناشف ريقه والثاني قولهم تعسا لطشت من الذهب تطرش فيه الدم

قد أكون مخطئا في تفضيل الشرق علي الغرب في الإنسانية ولكن لا يضرني فقدها في الشرق أيضا فإني أنشدها ولو لم تكن في الشرق ولا في الغرب

سامحني أيها الأستاذ إذا قلت إن مثل من غرته المدنية الحديثة مثل ذلك الإنجليزي الذي أوصى بالضفدعة وذهب ليقتل أخاه الإنسان والله يوفقك

اشترك في نشرتنا البريدية