رب القريض وسيد القلم ... وفيت قسطك للعلى فنم
هذا البيت الجامع الي عبر به المطران عن شعور العالم العربي نحو اليازجي يصح فيه.
بل ان الشعور بفقد خليل مطران أوفر شمولا وامتدادا لان العالم العبي اصبح أوسع اتساعا بعد ان أنتشر أبناء العربية في مشارق الأرض ومغاربها وهم ما يزالون أوفياء بعهد أوطانهم الأولى، والرعيل الأول منهم شديد التمسك والتفاخر بوطنه ألام.
ومعظم المهاجرين من المتكلمين اللغة العربية هم من اللبنانيين. وخليل مطران يمت إليهم بصلة النسب.، لأنه رأى النور في ظلال بعلبك: مدينة الشمس ومهب الوحي العلمي في مسارح الفن والجمال. الا ان خليلاً من الهبات التي جاد بها لبنان على العالم، فصار لا شاعر القطرين فقط بل شاعر الأقطار العربية. وكان للقطر الشقيق مصر الفضل الأكبر في إفساح المجال لإنماء مواهبه وتجلي عبقريته. فافضلت مصر بذلك على عالم العروبة بأجمعه.
ولقد رأينا في شواهد المنزلة العليا التي يحتلها خليل مطران في عالم العروبة بشتى فروعه ما كان من إجماع الرأي في العالمين: القديم والجديد على تكريمه في ذكرى يوبيله الذهبي الذي وافق الاحتفال به في سنة ١٩٤٧. ففي مصر جرى الاحتفال الرائع في الأوبرا الملكية برعاية جلالة الملك، واقيم في نفس الموعد احتفالا متشابها في سائر الأقطار العربية، كما أقيمت حفلة في نيويورك برعاية جريدة الهدى وبحضور الأستاذ أميل زيدان صاحب الهلال ومندوب لجنة التكريم المركزية في القاهرة، وبمشاركة عدد كبير من رجال الأدبمن مقيمين وزائرين، ومن ساسة العرب وفي مقدمتهم فارس بك الخوري.
وما دمنا قد أكرمنا خليل مطران حيا، اعترافا برفيع أدبه وعميم فضله فاحر بنا ان نشارك العالم العربي في تكريم ذكراه
برهانا على شدة شعورنا بألم خسارتنا إياه وحقا ان الخسارة بليغة والألم شديد، وإذ نحن نقوم بواجب الذكرى فإنما نقدم على ذلك عن شعور صميم.
وما هذه بالمرة الأولى التي تنهض بها جريدة الهدى للقيام بواجب نحو أدباء أفذاذ افضلوا على عالمنا بما خلفوا فيه من آثار خالدة من نتاج الأدب. وإذا نحن لم نذكرهم جميعا فنكتفي بالإشارة إلى شوقي وحافظ والبستانيين عبد الله وسليمان الذين كانت حفلة تكريم ذكرى كل منهم مجلى لا ينبع نتاج الأدب واجمل مظاهر الشعور الصافي بين المهاجرين.
وقد خاطبنا في أمر الحفلة التأبينية للخليل مطران طائفة من الأدباء فاجتمعوا على إقامتها في موعد الأربعين الموافق اليوم العاشر من شهر آب القادم. وكان في طليعة المحبذين الأديب المصري الكبير المقيم بيننا الآن في نيويورك الدكتور أحمد زكي أبو شادي الذي كتب إلينا في الموضوع يقول:
(ان فجيعة العالم العربي في شاعره العبقري النبيل لاعظم من ان تصور. وما الغاية من التأبين الا الاعتراف بالجميل واستخلاص العضات والدروس المهمة من حياة مجيدة، وإذا كانت مصر ولبنان تتنافسان في نسبة الفقيد العزيز إلى ربوعهما فلا مشاحة في ان لبنان - مسقط راس مطران - أحق برعاية تأبينه وان كانت مصر قد تصدرت لطبع آثاره ودواوينه).
وقد تلطف الدكتور أبو شادي بقبول تولي سكرتارية لجنة حفل التأبين، كما كان قد تلطف بتولي عرافة حفلة التكريم التي أقيمت للفقيد في نيويورك منذ سنتين بقينا بان علينا جميعا واجب التآزر والتعاون في تكريم النبوغ في ذويه وقد كان الخليل في الطليعة.
في النقد الأدبي:
تتجه مراقبتنا إلى الناقدين في هذه الآونة؛ فلم نجد صراحة التنزه عن الممالاة، فافاضة الإطراء تفيض على الناتج ما يباعد بينه وبين المؤاخذة، وإذا كان العمل الأدبي الفذ أساسه (التعبير عن الحياة) .، فقد نأى التذوق عن تبيانه على أسلوب قوام مسقط بعيد عن التحامل والدخل!.
وان منهج (النقد الأدبي) يقوم على (الفهم، والأناة، والإلمام والموازنة) ، ولكن أداته لم تعد ذات جلال لانحرافها عن القصد إلى الغاية.، فالوساطة قد تغلغلت في حياتنا حتى شملت حاسة الضمير فأبدلته وأثرت في حكمه، والفت رقابته التي لها القول
الفصل في الحكم على الأمور.
وأدب القصة لون يلون (التجربة والخبرة) .، لأنه يصور الحياة تصويرا دقيقا.، فينقل المشاهدات من عبارات تختلف قربا وبعدا على قدر الملابسة (النفسية) لموضوع القصة.
ورسالة القاص يجب ان تلم إلماماشاملا بمعنى (التجربة) حتى يجئ عمله الفني صورة حية مشخصة إما م باشرته، على الا يوغل في الخيال الجزاف أو الاسترسال المسرف، استدناء لميول (شعبية) ، أو استثارة لغرائز بدائية.
نقول هذا بعد قراءتنا قصة للرجل المهم الأستاذ (توفيق الحكيم) . . . اسماها (ليلة الزفاف) . وحسبك ان ترى في العنوان سمة استمالة الغريزة، لكنك سترى تصويرا لرجل (مثالي) أضفى عليه الخيال الحكيم ما باعد بينه وبين البشرية، حتى كاد ان يلحقه بالتجريد، ويدينه في خلائق النبوة! وان تلك الصورة - الوهمية - على ما فيها من تجاف عمن الواقع (في الحياة) ، تدلنا على مدى رغبة القاص في السمو بالمعاني الروحية، ومجانية الماديات، لكنها في الوقت نفسه تثير الغريزة الفوارة بالجسدية عن طريق أسلوب العرض القصصي استجابة للميول (الشعبية) التي أشرنا إليها.
ولقد صورت لنا صورة (البطلة) انها تنام على وجهها (كذا!) ثم تحتضن الوسادة. فهل يرضى الفن الرفيع ان يعبر رجل أصيل في التعبير الأدب ي السامي: (وطوقته وضمته. . . وإذا هو يجد نفسه مكان الوسادة التي اعتادت ان تحتضنها ليلا!) .
كان يمكن للحكيم ان يقول: (ودنت منه. . . ثم سبحت روحاهما في سماء الحب القدسي) . . . لكنه تعبير شعبي أثره، وليس هذا فيما نعتقد الرمز الصادق لما يسمونه (الأدب الواقعي) .
(بور سعيد)
