كتب ثلاثة من الكتاب الإنجليز كتبا ثلاثة يندرج موضوع كل واحد منها تحت هذا العنوان ، وهم " أتوني هرد "Aniohony Hurd وسمي كتابه " فلاح في هويت هول " Afariner in white hall وت . و . إيفانز T.W .Evans وسمي كتابه " طاقة الأرض " Land Ptential ثم فرند سيكس Friend Syxes وسمي كتابه " الطعام والفلاحة والمستقبل " Food Farming and Future
وكتب أحد المعلقين على هذه الكتب كلمة قال فيها : يوم يكتب تاريخ إنجلترا في القرن العشرين لن يجد المؤرخ ظاهرة أكثر وضوحا وأحق بالتدوين والتسجيل من ظاهرة تلك الردة التي ارتدتها إنجلترا فكفرت بما وجدت عليه آباءها الذين جعلوا من إنحلترا دارا كبرى من دور الصناعات العالمية . وأمنت بمبدأ إحياء الزراعة وانتعاشها وكان الفضل في ذلك لفئة قليلة من الرجال والنساء تولوا إيقاظ الشعب الإنجليزي من سباته ، وأخذوا بيده إلى تحقيق ما كان يظنه مخاطرة ليس يرجى لها إلا أسوأ ما يرجى .
من تلك الفئة القليلة لورد بورتسموث " بكتابه الذي يعد نذيرا من النذر ، والذي سماه المجاعة في إنجلترا Famine in England- ولورد نورثيون -Lord Northbourne بكتابه الذي سماه " انظروا إلى الأرض " Look to the land ، وسيري .جورج ستابلدن Sir .R.George Stapledon بكتابه الذي سماه " الأرض اليوم وغدا " The land now and to morrow وقد جمع هذه الكتب . وعلق عليها برسالة جزيلة الفائدة كتبت أثناء الحرب العالمية الثانية " مستر إدموند بلندن Edmond Biunden وسماها "عودوا إلى الفلاحة " Return Husbandry والاستجابة إلى نداء هؤلاء الرواد كانت
استجابة تبعث على الدهش والانذهال . إذ مما لا لأريب فيه أن ليست هناك بلاد اخرى غير انجلترا تساندت فيها القوي المختلفة من ثقافية وروحية وفتية وتنظيمية على إنهاض الفلاحة من كبوتها ،فقامت تنتج النتائج الحسنة ، وانبتت من كل زوج بهيج .
ولولا حض الناس بعضهم بعضا حضا قد جاوز الذي لبانت الزراعة البريطانية الحديثة حقلا يتناهبه المهندسون والكيمائيون ورجال الاقتصاد .
والذي لاريب فيه أن المعركة مازالت دائرة الرحي بين الماديين والمثاليين . وإن المرء ليري الناس من كل صنف يجيئون من كل مكان بعيد ليشهدوا ذلك العراك .
وكل الجماعات التي تعنى بهذه الأبحاث تشير إلى ذلك القلق البالغ الذي يساور بعض النفوس خشية أن يضحي بمناظر الريف الإنجليزي علي مذبح النفعيين قصار النظر ، وان تسيطر على ذلك الريف قواعد العد والحساب ، وهو ذلك الريف الذي كانت مشاهده المعين الذى طالما منح منه الشعراء والوسيقيون ورجال الفنون .
ومن جهة اخري فإن الفلاحين ينادون اليوم بالويل والثبور ويقولون إن أمراضا كثيرة مختلفة الأنواع تصيب التربة الإنجليزية ، وذلك من جراء الوسائل المستحدثة التي تستعمل في معالجة الأرض ومحصولاتها . وهم يقولون إن رجال التخصص العلمي ومنتهزو الفرص من رجال الاقتصاد إنما يسعون إلي حتفهم بظلمهم . وإن القوم في إنجلترا قد باتوا على شفا الهلاك لفقدانهم الأناة والصبر ، وللنأي بأنفسهم عن اتباع الوسائل الطبيعية في الزراعة .
وعلى الرغم من ذلك فإن مؤلف كتاب " فلاح في هويتهول " يجيء ببيانات تمس شفاف القلوب حين يصف الروابط التي تربط بين " هويتهول " وبين العدد الاكبر من الزراعيين المحترفين ومن لف لفهم من المتطوعين الذين
زادوا بمجهوداتهم مساحة الأرض المنزرعة في بريطانيا من ثمانية ملايين ونصف مليون فدان إلى ثلاثة عشر مليونا ونصف مليون فدان ، والذين استصلحوا مساحات واسعة من الأرض كانت إلى اليوم بطاحا قاحلة وجبالا جرداء . والذين رفعوا في أعين الأمة من قدر الفلاحين ومن قدر العاملين في الزراعة .
والمؤلف يقول إنه للاستفادة أحسن الاستفادة من فلاحة الأرض . ومن مجاري الماء والقنوات ، ومن الطرق النائية ، يجب أن يقوم تعاون أساسه التناسق التام بين سائر المشغلين بمسائل الزراعة المختلفة ، وهو تعاون لا نعرفه - مع الأسف - مكاتب الإدارات الحكومية .
وبعض هذه الخواطر يطوف بعقل مؤلف كتاب " طاقة الأرض " . وقارئ كتابه يلقاه معنيا أشد العناية بالطرق التى تسود نظام فلاحة المراعي والمروج في إنجلترا ، ويلقاه معنيا كذلك بالنفص الشاهد في نظام المناوبات ، كما يلقاه معينا ينقد ذلك التعليم السطحي الذي يقول بأنه لا خطر على خصب التربة من إنهاكها بكثرة استعمال المخصبات الصناعية ، وهو يعالج كل هذه المسائل بعقل منظم وبنقد يدعمه النطق .
ثم يجيء مستر " فرند سيكس " في كتابه " الطعام والفلاحة والمستقبل " فيعنى بمعالجة الموضوعات التى تبحث في المخصبات المعدنية التي تحتويها الطبقات التحتية للأرض ، وبالأثر النافع التي تحدثه الحشائش والنباتات الكامنة في أعماق التربة .
وهو يعرض هذه الموضوعات عرضا يمتاز بالجلاء والوضوح ...
كتاب من تأليف القاضي وليم . و . دوجلاس Of Men Mountains By judge Willism O.Douglas
وكتاب القاضي "دوجلاس " هذا يعني بالحديث عن أيام العطلة التي تفضي بين الجبال اكثر من عنايته بالحديث عن التصعيد في الجبال ، والجبال التي يعنيها في كتابه هي جبال " كسكيد " في ولاية " وشنطن " . وقد امضي القاضي أيام طفولته في مدينة " باكها " إحدى مدن تلك
الولاية ، وكان إذا صعد فوق سطح بيته استطاع أن ينظر إلي قمتي جبلين من تلك الجبال .
وهو يقول في كتابه : في أيام القيظ الشديد الحر كنت كثيرا ما انظر في لهفة وشوق إلى تلك القمم التي يكسوها الثلج ، وكنت أتخيلها كأنها ألواح من حلوي الفواكه المثلجة . .
أما الذي حدا بالمؤلف إلى ارتياد الجبال فكان مرضه بشلل الأطفال ، وذلك لما في تلك الجبال من فائدة وغم للمرضي بذلك المرض ، وقد بريء من مرضه ، ولكنه ظل في نظر أمه ، وفي نظر لداته وإخوانه هشيما ضعيف البنية ، ثم شدد عزمه باحتذائه مثال واحد من انداده فأجمع أمره على ان يتخذ المشى وسيلة للتقوية ، وقال : إن لمعتزم أن أقوى ساقي بالسير في سفوح الجبال ، فكان يغدو إلى هناك راكبا عربة ثم يتخذ السير في سفوح الجبال وسيلة لمعالجة ضعفه ، كما يتخذ حاملو الأثقال رفع قضبان الحديد وسيلة لمرانهم في ملاعبهم الرياضية .
وسرعان ما أصبح يستطيع أن يمشي أربعين ميلا كل يوم في شعاب الجبال ، حاملا فوق ظهره حملا ثقيلا ، ثم قافزا عبر الجبال قفزات تكاد تودى بالرجل القوي المتين . وهو الذي ما امتطي صهوة جواد أبدا.
وهو يقول إن من الحديث المعاد القول بأن الجبال إنما هي مدرسة يتعلم فيها مرتادوها الاحتمال والجلد ، ولكنه إيمانا بهذا القول قد استطاع أن يتغلب على ضعفه ، وأن يتسلق جبل " آدمز " وكانت سنه قد ناهزت الخمسين . وكان يومذاك قاضيا منذ بضع سنين .
وهو يقول : هنا في الجبال يستطيع المرء أن يتغلب على كل ضعف ينتابه في الجسم أو العقل .
وهنا في الجبال يتعلم المرء أن يسيطر على مخاوفه الذاتية التى تنبعث من الظلام ومن الوحشة ومن الحيوانات الأبدة .
وهنا في الجبال يتعلم المرء كيف يقاوم أخطار الجبال . ومنها الانهيارات في الجبال ، والحرائق في الغابات .
وهذا الشعور نحو الجبال باعتبارها حقلا من حقول التجارب هو إحدى الفوائد التي تعود على المرء من ارتيادها .
والمؤلف يقول إن للجبال فوائد أخري منها صيد السمك في بحيرات تلك الجبال وأنهارها ، ومنها صيد السمك المسمى بسمك " سليمان " بواسطة الرماح وبإرشاد خبير من خبراء الهنود .
وقد كتب المؤلف فصلا عن الطعام أبان فيه كيف يطهي الصيد في مختلف ألوانه . وهو يقول إنه لإجادة طهى سمك " سليمان " أن تشق السمكة وان تثبت فوق لوح يوضع على نار وقودها الخشب الشديد الجفاف .
وهو يقول عن الأزهار التي تنبت فوق الجبال إنها منبع سرور دائم بمختلف ألوانها ومباهجها .
وهو يختم كتابه بفصول كتبها عن شخصيات حية مختلفة . منها شخصية مكافح جريء من مكافحي النيران ، ومنها شخصية قصاص قد برع في قص القصص عن الدببة ، ومنها شخصية راع من رعاة الغنم ، ومنها شخصية حارس بوابة خزان من الخزانات ، وهو رجل اشتهر بكرم الضيافة ، وببراعته في التزحلق أثناء هبوب العواصف الثلجية .
وأولئك هم الرجال الذين اتخذوا من الخبال بيوتا ، كما اتخذوا منها ميدانا يصارعونها فيه وتصارعهم ، ويجدون في هذا الصراع اللذة كل اللذة ، والمتعة كل المتعة . .
كتاب من تأليف الأنسة مرزيه جيل Petsia and the Vietorigns By Miss Marzien Gail
قال أحد المعلقين من الإنجليز : هذه رسالة تفيض وضوحا وجلاء . وقد جاءت في الوقت المناسب . تذكر الناس بأن الانتكاس الذي أصاب العلاقات الإنجليزية الإيرانية بسبب ازمة البترول ، ليس له مثيل من ألوان الخلاف التي كانت تحدت بين البلدين فيما غبر من الزمان ، وإن كان من المسلم به أن الأمور قد تحرجت مرة في عام ١٨٥٧ يوم أسئ إلى الرعايا البريطانيين في أنفسهم وأموالهم وأتباعهم . ويوم حيل بين الساسة البريطانيين وبين حضور بعض الحفلات .
ولكن سوء الظن في الأزمنة الغابرة لم يكن من جانب
واحد ، فقد أثر عن "ما كولي " أنه قال : إني استطيع أن أؤكد القول أن الآداب الشرقية كلها من سقط المناع !
وقد روي أنه في عام ١٨٠٠ قال الشاه ذات يوم للسير جون مالكوم " المتوفى عام ١٨٣٣ والذي بعثته دولته لعقد حلف مع إيران ضد " بونابرت " ومؤلف " تاريخ إيران " : - إن رؤساء الدولة الذين تراهم هنا استطيع أنا أن أقطع رءوسهم ، فقل لي أيها السفير استطيع أنا ان أفضل ذلك أم أنا غير قادر ؟ وكان الجواب ، بلى ! إنك لقادر يابهجة الدنيا وزينتها !
وهذا الكتاب الذي ألفته الأنسة "جيل" يعتبر مدخلا إلى كتب أخرى كثيرة . وقد كتبته صاحبته في أسلوب امتاز بالسلاسة والانسجام .
وهو يصور لنا في غير تحيز أو محاباة كيف لعبت العاطفة دورها بين البلادين في عهد التوسع " الفكتوري " .
ولكي تبرهن الكاتبة على شدة اندفاع التيار بين الشرق والغرب من الناحيتين العقلية والروحية ، جاءت الكاتبة فألحقت بكتابها لحقا ضمنته أسماء الكتب التي تبحث في هذا الموضوع ، وقد ملأ ذلك اللحق خمس صحائف ونصف صحيفة من صحائف ذلك الكتاب .
وقد حشدت المؤلفة في كتابها أسماء كل الرجال السياسيين الذين اشتغلوا بالآداب الفارسية في القرن التاسع عشر ، أولئك الذين لهم دين في ذمتنا بما أمدونا به من معرفة وعلم بآثار الفكر الفارسي .
ولقد وصف " إمرسن" الفارسيين بأنهم فرنساويو القارة الأسيوية ، والمعروف أن للفارسيين " جان دارك " اخري في شخص الشاعرة الشهيدة " قره العين " التى استشهدت في سبيل إيمانها بعقيدة "الباب" .
وتقول المؤلفة إن إيران هي - إلي حد كبير - مهد الآراء الدينية التي تكاد تتصل بأغلب الديانات والمعتقدات التي تستطيع أن تسد حاجة الأقوام كلها اليوم ، وان مملكة مثل إيران تقوم كجسر بين الغرب والشرق لا بد لها أن تتفاعل فيها المعتقدات الدينية فتحور إلى تعاليم تريد أن تشتمل الامم كلها في عقيدة واحدة ، وان تزول الخلافات الجنسية التي تفرق بين الناس .
وقد أعان على التقريب بين الاتجاهات الفكرية في الشعر والقصص الانجليزي والفارسي الشاعر " فنزجيرالد" بترجمته لرباعيات الخيام ، تلك الترجمة التي اعجب الناس بها إعجابا شديدا وما زالوا معجبين ، وتجيء بعد الرباعيات قصص " حاجي بابا الأصفهاني " للكاتب " مورييه " .
ومن ناحية اخري نري الفارسبين يبدون دهشتهم إذ يرون أن الانجليز ( في العصر الفكتوري ) لا يجلسون فوق البسط كما على أهل فارس ، وانهم بدلا من ذلك تراهم يتسكعون في أروقة وكهوف مظلمة ينقبون عن الجثث والموميات التي احتوتها المقابر منذ أربعة آلاف عام ، ويفضلونها ألف مرة ومرة على أجمل نماذج الجمال الحي الذي يمشي على الأرض .
ومن ناحية ثالثة نري المستشرق إدوارد جرائيل براون ( ١٨٦٢-١٩٢٦ ) يري في شعر الشعراء الصوفيين ترياقا ناجحا لسموم الشقاء والألم .
وفي عصر المكلة " فكتوريا " كانت العناية بالأدب الفارسي تمشي جنبا إلى جنب مع العناية بالقاطرات البخارية . فبينما كان المهندس المخترع " بروثل " ( ١٧٦٩-١٨٤٩ ) يعنى بتركيب القاطرة البخارية التي سماها " قاطرة الشرق الكبرى " كان " إدوارد كويل " ( ١٨٢٦-١٩٠٣ ) فوق دراسته للغة السنسكريتية يجاهد ويكافح ليمهد الطريق أمام المذاهب الشعرية الفارسية ، وهو الذي علم فنزجيرالد اللغة الفارسية ، وذلك ليوقظ ذلك البركان النائم . كما كان يسمي " فنزجيرالد" وهو جملة هذا لا يقل براعة عن ذلك المهندس الذي جعل البخار يجر عجلات القطار .
وكان كذلك من تلاميذ " إدوارد كوبل " الشاعر تتبسون ، ولكن تتبسون كان قليل الصبر والجلد .
وفي سبيل مشروع كبير يقوم على طبع قاموس ضخم للغة الفارسية أدرك الإفلاس والخراب المالي رجلا من رجال المال اسمه " فينسكي " .
ومن المأثور عن " سير وليم جونس " المستشرق الإنجليزي ( ١٧٤٦-١٧٩٤ ) والذي ترجم المعلقات العربية إلى اللغة الإنجليزية أنه قال : إن شعرنا الأوربي قد
طال به الركود ، فلابد لنا من صور جديدة ومن تشبيهات جديدة لتزول آثار ذلك الركود " .
و " سير وليم جونس " هذا هو الذي غيرت قراءته لشعر الشاعر الفارسي" حافظ " مجري حياته .
والآنسة " جيل " تتابع خطوات السياسيين الإنجليز الذين ارسلوا إلى إيران دعاة سياسة فانقلبوا إلى أهلهم دعاة ثقافة فارسية ، على الرغم مما قام بينهم وبين حكام تلك البلاد من جدل وخلاف .
والآنسة " جيل " قد أوتيت موهبة الابتعاد عن الماء الضحل غير ذي العمق . وموهبة التعمق إلي حيث تلتقط الدرر من أعمق اعمال البحار .
وهي بكتابها هذا وبما أوتيت من مقدرة أدبية ومن ظرف وذكاء تذكر الناس بالصلات الروحية التي تعلو فوق مستوي هذه الخلافات السائدة اليوم بين البلدين .

