الإمام الأزهرى : أبو منصور ، محمد بن أحمد بن أزهر ، طلحة ابن نوح بن أزهر ، الهروى اللغوى الشهير ، وليس الأزهرى نسبة إلى الجامع الأزهر - كما يظن كثير من الناس - إنما هو نسبة إلى " أزهر " أحد أجداده ، وقد ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين من الهجرة ، وتوفى فى أواخر سنة سبعين وثلثمائة ، وقيل : إحدى وسبعين .
والأزهرى : إمام عظيم من أئمة اللغة المصطفين ، وحجة من حججها . وعلم سامق رفيع المرمى ، ولم تكن اللغة كل علمه ، بل اشتهر بها لأنها غلبت على علومه الأخرى كالفقه والحديث والتفسير .
والإمام الأزهرى من أولئك العباقرة القلائل الذين أدركوا أسرار اللغة العربية وفهموا فوارقها الدقيقة وسبروا أغوارها ، وانتهوا إلى معرفة شواردها وفصحها معرفة عالم خبير واسع الثقافة والعلم سليم الذوق صحيح الإدراك واضح التعبير والتفسير عظيم الفهم والاستيعاب ، وكتابه الضخم الفخم العظيم " تهذيب اللغة " يدل على غزارة علم الأزهرى فى اللغة واستيعابه الشامل .
والتهذيب الذى نقف مقالنا عليه معجم فى اللغة العربية يمتاز بالدقة والاستيعاب والشمول والتحرى فى الأخذ ، وهو يدل على علم الأزهرى الواسع باللغة وعلى ثقافة لغوية لا تتاح إلا لأفراد معدودين ، كما يدل على ذهن خصب وفكر رفيع واستيعاب لمواد لغوية كثيرة كثيرة .
وآية ذلك أنه ما من لغوى جاء بعده إلا اعتمد عليه وورد منهله وأخذ منه ، بل كل لغوى خلفه حتى اليوم كان يعول عليه إلى حد بعيد ، وسبب ذلك أن الإمام الأزهرى استطاع أن يجمع من صحيح اللغة مواد كثيرة لا غنى عنها
أو عن أكثرها لكل لغوى جاء بعده ، ولسان العرب للإمام ابن منظور الأفريقى الأنصارى يكاد يضم كثيرا من تهذيب الأزهرى ، كما أن مرتضى الزبيدى صاحب " تاج العروس " اعتمد عليه ونقل منه كثيرا فى كتابه اللغوى العظيم " التاج " .
يقول بعض العلماء ؛ إن صحاح الجوهرى فى اللغة يشبه صحاح الإمام البخارى فى الحديث ، وبعضهم قال ذلك عن " مختار الصحاح ، وهذا حق إلى حد ما ، إلا أنى أرى أن " التهذيب " أجدر بهذا الوصف ، لأن الإمام الأزهرى كان ورعا زاهدا صادقا فقيها شديد الحيطة والحذر فى تلقى اللغة ، كثير التثبت فى أخذها ، وكان يتحرى ويبالغ فى التحرى ، فإذا لم يجد لفظا إلا عند غير من يسمهم الأثبات يشير إليه خوفا من حمل التبعة التى لا يود احتمالها أو مشاركة من يحملونها ، وخشية من أن يدخل فى اللغة ما لم يصح وروده عمن ثبت من الأثبات الكفاة الراسخين .
وتفضيلى " التهذيب " على " الصحاح " أو " مختار الصحاح ، يأتى من نواح كثيرة ، أعظمها : صحة روايته ونقله وسماعه ، ثم سبقه وصدقه وورعه ، وأخذه اللغة دهرا طويلا من أصحابها السالمين من اللحن والخطأ ، وأفضل " الصحاح " على " التهذيب " من ناحية الترتيب وسهولة الانتفاع به . وحسن المأخذ ولين القياد بخلاف " التهذيب فإن صعبه لا يرود إلا لعالم متمكن فى اللغة عارف طرق البحث فى المعاجم التى تشبه التهذيب فى طريقته حتى كاد يهمل ، بل أهمل حقا .
يقول الإمام اللغوى الكبير صاحب " لسان العرب " رحمه الله فى خطبة معجمه العظيم الرحب الفضفاض : " ولم أجد فى كتب اللغة أجمل من " تهذيب اللغة " لأبى منصور
محمد بن أحمد الأزهرى ، ولا أكمل من " المحكم " لأبى الحسن بن اسماعيل بن سيده الأندلسى - رحمهما الله وهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق ، وما عداهما بالنسبة إليهما ثنيات الطريق ، غير أن كلا منهما مطلب عسر المهلك ومنهل وعر المسلك ، وكأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وجلاهم عنه ، وارتاد لهم مرعى عرجا ومنعهم منه ، قد أخر وقدم ، وقصد أن يعرب فأعجم ، فرق الذهن بين الثنائى والمضاعف والتناوب ، وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعى والخماسى فضاع المطلوب ؛ فأهمل الناس أمرهما وانصرفوا عنهما ، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما أن تخلو منهما ، وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب ، وتخليط التفصيل والتبويب ، ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهرى قد أحسن ترتيب مختصره . وشهره بسهولة . وضعه الخ . .
وبإهمال التهذيب ضاع من الناس علم غزير كان فى متناولهم لولا ترتيب الكتاب الذى صد طلاب العلم والمعرفة عنه ، ولو وجد من يطبعه مثل " الجمهرة ، لابن دريد بفهارس تكون مفاتيح سهلة لأفادت العربية كثيرا بالتهذيب ، ولعل الذين قاموا بطبع الجمهرة وتبويب فهارسها وضبطها يتوجهون بذلك الجهد المثمر إلى " التهذيب ) فيخرجوه . وإنى سأعينهم بما لدى من علم قليل وجهد ضئيل إذا أرادوا أو أراد غيرهم من الناشرين الغير على اللغة العربية ، وإنى مستعد أن أبعث إليهم أصح نسخة فى العالم من التهذيب إذا صح عزمهم على نشره نشرا علميا صحيحا . .
والتهذيب مرتب مثل كتاب " العين " المنسوب إلى الخليل بن أحمد وكتاب المحكم " لابن سيده و " الجمهرة لابن دريد ، وهذا الترتيب على مخارج الحروف وقلب الألفاظ - وهو غير ترتيب التهجى المعروف - مثال ذلك : هبش وشبه فى أبواب الهاء والشين ، و ضام ، ضمى مضى وضم ، أمض ، أضم " وينبه إلى ما ليس مستعملا من المواد .
وترتيب الحروف فيه هكذا : ع ، ح ، ه ، خ ، غ ، ق ، ك ، ج ، ش ، ض ، ص ، س ، ز ، ط ، د ، ت ، ظ ، ذ ، ث ، ن ، ف ، ب ، م ، و ، ا ، ى .
وجعل الهمزة حرف علة وكان حقها أن تذكر بعد
الغين . وإن كان الصرفيون يحسبونها أول حروف الحلق .
وكثيرا ما يصل الأزهرى المواد بعضها ببعض دون عنوان ؛ ويتبتدئ بالفعل الثنائى المضعف ثم الثلاثى الصحيح ثم المهموز ثم المعتل ثم الرباعى المجرد ، ثم الأسماء الخماسية .
ومع أن التهذيب لا يخلو من عيوب ومآخذ فإننى كنت حريصا على دراسته . فبحثت عنه طويلا فلم أصادف نسخة منه فى مكتباتنا ، وسألت كثيرا من أصدقائى العلماء بالمملكة العربية السعودية عن التهذيب فأجابوا : أنهم لا يعلمون عنه شيئا ، وسألت أصدقائى العلماء من أبناء الأقطار العربية فأجابنى أكثرهم : أن التهذيب غير موجود إلا فى دار الكتب المصرية .
ورحلت إلى مصر غير مرة ، وكنت أختلف إلى دار الكتب أدرس كتب العربية وغيرها ، وأدرس ( التهذيب أكثر من غيره ، ولشد ما أسعدنى أننى وجدت بها منه نسخا ثلاثا ، إلا أن فرحتى لم تتم ولم تدم طويلا ، لأن ثلاث النسخ لا يكملن نسخة صحيحة ، وبكل نسخة منها نقص وتلف ، وفيها تصحيف وتحريف
فالنسخة الأولى فى مجلدين ، وهى مضبوطة بالحركات والخط نسخ ، ولكن بآخر الجزء الثانى " خروما " .
والنسخة الثانية فى سبعة عشر جزءا ، إلا أن الموجود من هذه الأجزاء سبعة ، وهى : السابع والثامن والتاسع والحادى عشر والثانى عشر والسادس عشر والسابع عشر . وما عدا سبعة الأجزاء مفقود ، وبها جميعها " خروم " .
وستة الأجزاء الأولى من هذه الأجزاء السبعة بخط محمد بن اسماعيل بن حسن بن أبى الحسن بن على الهرقلى ، وفرغ منها فى جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين وستمائة ، أما الجزء الباقى وهو السابع عشر فقد كتبه محمد بن على بن محمد الأنصارى ، وفرغ منه يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة .
أما النسخة الثالثة فلا يوجد منها إلا جزءان هما : التاسع والثانى عشر ، ولا يعرف عدد أجزائها .
وأردت أن أتولى نشر التهذيب بعد تحقيقه ، وحاولت أن أجمع من أجزاء هذه النسخ نسخة كاملة فما استطعت . وحز ذلك فى نفسى لأننى تبينت أننا فقدنا التهذيب كاملا ،
وكان الأسى يستبد بى كثيرا عندما أفكر فى أن الزمن سيقضى على هذه البقية من " تهذيب اللغة " إذا لم تصنها المطبعة أو تؤخذ منها نسخ كثيرة .
وعندما قمت بزيارة المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم في السنة الماضية ( ١٣٦٩ ه ) فرغت نفسى من كل عمل وشغلتها بأمر واحد هو البحث فى المكتبات عن التهذيب " مع دراسة ما فى مكتباتنا من النفائس والنوادر بقدر ما يسعنى وقتى وجهدى ومالى .
وبينما أنا أبحث فى المخطوطات بمكتبة شيخ الإسلام الإمام الصالح الزاهد " عارف حكمة الله الحسينى " إذا بى أعثر على نسخة من التهذيب كاملة مضبوطة واضحة نظيفة جميلة الخط .
أيها القارئ الكريم ، حدث عن سرورى ولا حرج عليك ، فقد شعرت بغبطة وسرور وسعادة لم أشعر بها فى حياتى إلا مرتين أو ثلاثا . وهذه من أعظمها ولا شك عندى ، لأننى تيقنت أن الله حفظ لنا علم الإمام الأزهرى - حجة اللغة العربية وإمامها وعلامتها - وصانه فى مهاجر رسوله عليه السلام .
وهذه النسخة التى عثرت عليها بين ثمانية آلاف من الكتب المخطوطة ، النسخة الوحيدة فى العالم كما أظن ما لم يكن فى مكتبة من المكتبات الصغيرة المهملة أو مكتبة من المكتبات التى لم أطلع على فهارسها نسخة أخرى كاملة . وأعتقد أنه لو وجدت نسخة أخرى كاملة فلن تكون لها خصائص نسخة المدينة المنورة التى تمتاز بجودة الخط ووضوح القلم وضبط الكلمة بالحركات ضبطا دقيقا
وأذكر أن صديقى العالم المراكشى الجليل الشيخ " محمد عثمان المراكشى " أخبرنى عندما قدم إلى مكة للحج سنة ١٣٥٤ ه أن بالاسكوريال بإسبانيا نسخة كاملة من التهذيب ، وسمع ذلك من بعض تلامذته الذين سافروا إلى إسبانيا ، وقال الشيخ المراكشى إن بتلك النسخة أخطاء من الناسخ كما حدث ، ولكنى علمت أخيرا أنه لا وجود للتهذيب فى الأسكوريال ، ولعل صديقنا الشيخ المراكشى توهم ذلك أو توهم تلامذته .
أما " تهذيب اللغة " الموجود بمكتبة الشيخ عارف حكمة الله فنسخة كاملة صحيحة جد سليمة ، ورقهما هناك ٤٣
قسم اللغة وعدد أوراقها ٩٠٠ وصفحاتها ١٨٠٠ وتقع فى مجلدين مذهبين ، وتسطيره ٤١ ، وفى كل سطر ٢٠ كلمة إلى ٢٥ كلمة .
وكاتب هذه النسخة : ياقوت بن عبد الله الرومى الأصل البغدادى المنشأ الحموى المولد ، وهو مؤلف كتاب " المشترك فى ضبط أسماء البلاد ) .
وفرغ من كتابتها صبيحة يوم الجمعة الثامن من ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة للهجرة المباركة أى بعد وفاة الأزهرى بخمس وأربعين ومائتى سنة .
وخط هذه النسخة بقلم النسخ الجميل المضبوط بالحركات ضبطا دقيقا ، سليما من الخطأ فى الشكل وقواعد الإملاء .
وقد قرأت فى هذه النسخة مائتى صفحة قراءة نقد وتمحيص فلم أعثر على خطأ فى الشكل وكما أننى قرأت مئات الصفحات أثناء المراجعة والبحث فلم أجد إلا ضبطا فى الكتابة والحركات لامثيل له إلا ضبط القرآن الكريم .
الواقع أن ياقوت بن عبد الله هذا أنفق جهدا عظيما فى نسخ ( التهذيب ) ولولا أنه تفرغ للنسخ ، وتحرى الصواب وبالغ فى توخى الصحة والضبط لما استطاع أن يجنب كتاب التهذيب - الضخم الفخم العظيم - الخطأ فى الحركات وقواعد الإملاء حتى لانعثر فيه على خطأ من ناحية الكتابة والشكل .
وهذه النسخة التى وجدتها مصادفة نسخة فريدة نادرة ذات ميزات كثيرة لا تشاركها فيها نسخة من نسخ دار الكتب الثلاث ، وقد صانها الله من الضياع بأن جعلها فى زواية مظلمة ، وكثيرا ما تصان الكنوز بالظلام أو التراب أو الغبار الذى يرد عنها العين ويصد عنها اليد .
وهكذا بقيت هذه النسخة من التهذيب التى لا تقوم بثمن مادى سليمة لم تمتد إليها أيدى السارقين والخونة ، ولو عرف هؤلاء ، أن وراء الظلام فجراً مشرقا ، وتحت التراب كنزا نفيسا مخبوءا لسرقوه كما سرقوا كتاب " الشاهنامة ( ٩ ) ذا الصفحات الفضية والحروف الذهبية الذى يقوم بملايين من الدولارات ، وكان قبل الحرب العظمى الثانية ببرلين ، ولا أدرى أين موضعه الآن ! .
إن التهذيب ليس الكتاب النادر الوحيد الموجود بمكتبة شيخ الإسلام ، بل هناك كتب قيمة نفيسة نادرة مخطوطة فى كل فن ، ولكن من الذى يقوم بنشر هذا الحشد من الأسفار الرائعة الكريمة ؟ .
إننى عندما وجدت " التهذيب " شعرت بارتياح عظيم ولكن سعادتى لن تكمل وفرحتى لن تتم إلا يوم أن أرى التهذيب مطبوعا ، وطبع التهذيب يحتاج إلى زمن طويل إذا يسر الله من الغير على العربية من يطبعه .
وإننى أخشى أن يفقد التهذيب حتى يأتى يوم طبعه كما فقد من الحجاز آلاف الكتب النادرة ، ولهذا عزمت أن أصور منه بضع نسخ أهدى منها إلى بعض المكتبات حفظا لهذا التراث الخالد من الضياع ، لأن هذه النسخة إن فقدت أو تلفت أو تمزقت - لاقدر الله - ضاع التهذيب الذى يقول عنه صاحب لسان العرب : " لم أجد فى كتب اللغة أجل من تهذيب اللغة " .
وإنى حققت جانبا من التهذيب ، وأرجو الله أن يوفقنى
لإنجاز تحقيقه كله تمهيدا لنشره وطبعه .
وبعد أن كتبت هذا المقال وتمنيت أن يوفق الله لمعجم " تهذيب اللغة " للأزهرى من يطبعه ، قابلت حضرة صاحب المعالى الدكتور طه حسين باشا عميد الأدب العربى ، وتحدثت إليه عن المكتبات فى بلادنا وعن تهذيب الأزهرى ، فطلب إلى أتولى تحقيق التهذيب ، واستعد بأن تطبعه الحكومة المصرية على نفقتها .
وأنا إذ أشكر الدكتور طه على غيرته على أصل من أصول اللغة العربية واستعداده لطبعه ونشره ، فإنى أحمد الله الذى وفق لى من يحقق إحدى أمنياتى الغالية ، ألا وهو طبع تهذيب اللغة للإمام الأزهرى .
وأرجو الله أن يجعلنى عند حسن ظن عميد الأدب العربى ويوفقنى لتحقيق التهذيب تحقيقا يرضى المشتغلين بالعربية . حيا الله طه وأجزل له الثواب على ما قدم للعربية من خدمات عظيمة

