الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182 الرجوع إلى "الرسالة"

نفح الطيب، في طبعته الجديدة،

Share

تتمة ما نشر في العدد الماضي

٣ -  لم يقل الشارح الذي علّق على ما في صفحة ٥٢ إن  القدماء جميعاً لم يذكروا الأهرام إلا بصيغة التثنية ولكنه قال: إن  شعراء الماضي يذكرون الهرمين، وليس معنى هذا أنهم لا يذكرون  الأهرام، ولكن الغرض أن الكثير الشائع على ألسنة أغلب  الشعراء ذكر الهرمين: هرمي خوفو وخفرع كما في قول المتنبي،  وقول لسان الدين بن الخطيب وغيرهما، وخطب هذا يسير أيضاً

4-  قد يكون تفسير الرسيم في صفحة ٦١ ناقصاً كما يقول  حضرته، بل كان خيراً لو بينت مرتبة هذا الرسيم من السير،  ولكن لو تتبع حضرته كل صفحات الجزء لوجد أنها مشروحة  شرحاً شافياً في غير هذا الموضع؛ ودعوى أن أمثالها في الكتاب  كثير دعوى مجازفة لا ينهض عليها دليل؛ بل إن بعض الكلمات  اللغوية التي يوجز في شرحها في موضع يشبع القول فيها في موضع  آخر؛ ولو فصل القول في كل مرة للعبارة الواحدة - والكلمة  قد تتكرر في الكتاب نحو مائة مرة لكان هذا البيان   (فضولاً)   من القول يتحقق به وصف الناقد الأديب صانه الله

-  شكرنا لحضرة الكاتب أن أحسن ظنه بالشارح في  مثل هذا التحريف الذي يدركه كل قارئ في صفحة ٧٩ حتى  أن نقطتي قاف   (فشرقنا)  في ذيل ص ١٤ ظاهرتان جد الظهور

-  أضم صوتي إلى حضرة الناقد الأديب في أن شرح  الأثير ص ٩٨ الشرح الأول خطأ لا يصح - ويعلم الله كيف  سرى هذا التفسير إلى الكتاب فقدسها عن محوه مراجع النموذج  الأخير وكان قد أثبته غيره، وان كان حضرة الناقد إنما يوجه  نقده إلى ما في الكتاب من تفسير خاطئ لبعض كلماته من حيث  هو خاطئ. وليس بدافع اللوم عن هذا الخطأ تعدد الأيدي في  الشرح فهي متكاتفة على العمل متضامنة فيه ولكن الكرام  يعفون عن نصف تفسير خاطئ لأكثر من ألفي تفسير مصيب. وأما التفسير الثاني الذي أتى به الشارح لكلمة الأثير فالنظر  الدقيق يؤيده، والذوق السليم لا يبعده، بل هو الذي رآه  حضرة الناقد بعينه، لا بل إن الشارح قد قال فيه أكثر مما  

قال، وكان يحسن بحضرته أن يأتي بنص العبارة تاما ولا يختزلها. وما رآه حضرته من أن صحة العبارة: ومسحنا بالخطأ منها أثراً  وصفيحا لا نراه، بل صحة العبارة كما هي في الأصل   (أثيراً)  الموازنة    (صفيحاً)  فان أثر السيف، أثره، وأثيرة فرنده ورونقه،  وكأن المقري جعل الطريق سيفاً لاستطالته ودقته وصعوبة  السير فيه وجعل خطاهم به وقطعهم إياه مسحا له

7 -  ليت شعري ما الدليل على أن   (الشارح)  لم يطمئن   (ص  ١٣٩)  لكلمة الرباع بالباء الموحدة؟ ويا لله لمن يدري خلجات  النفوس أكثر من أصحابها ويعرف اطمئنان القلوب وقلقها وإن  لم يشعر بذلك ذووها. ولو أن الشارح لم يطمئن لها لاستبدل  بها في الأصل غيرها كدأبه في كثير من صفحات الكتاب مع  تنبيهه إلى ذلك، ولكنه أبقاه لارتياحه إليه واطمئنانه به، ثم قال  أيضاً في أسفل الصفحة تعليقاً عليه (لعلها الرياع بالياء المثناة أي  الريع والنماء والزيادة، و   (لعل)  تفيد معنى ربما، وقد يكون،  ولا يزال الشارح مصرا على ذلك الجواز فكلا المعنيين لا غبار  عليه. أما المعنى الأول فيجذب إليه كلمة   (البقاع)  فان الرباع جمع  ربع بمعنى الدار والمحلة والمنزل والوطن، فهو بذلك التفسير  مناسب للبقاع؛ وقد يكون الربع بمعنى أهل المنزل مثل السكن،  وجماعة الناس، ولست أحيل أن يكون   (رباع)  جمعاً لربع بهذا  المعنى الذي يراه حضرة الناقد وإن كان الأنسب أن تكون بمعنى  الأماكن معطوفة في سجعة المقري على كلمة البقاع. وأما الرأي  الثاني وهو أن تكون الكلمة     (الرياع)   فيقتضيه كلمة الفضل  المجاورة له، ولا زلنا نصر على رأينا (أن اللغة تقول بملء فيها      (الرياع)   بمعنى النماء والزيادة، ويقول أهل اللغة: راع الطعام  وغيره رَيْعاً رُيوعا ورِياعا ورَيَعانا إذا نما وزاد وزكا

8 -  قال حضرة الناقد وفي ص ١٥٢ قول القائل في وصف  دمشق: .  . . أو تكن في السماء فهي عليها ... قد   (أمدّت)  هواءها وهواها فقال الشارح: لعلها أمرّت!؟ نقول ومعنى أمرت أذهبت ولا  يصح المعنى على هذا   (الحدس)  الخ. ونحن نقول: أنّا لا نزال عند  رأينا في جواز إرادة معنى أمرَّت، وإن اللغة تقول: أمرّ كذا  بالشيء إذا جعله يمرُّ به وينعطف عليه، والمعنى الذي شرحه لكلمة    (أمدت)  فيه شيء من القلق لا يساعد عليه كثيراً تركيب البيت

9 -  اشتد حضرة الكاتب في حملته على تعليقنا الذي رأينا  جوازه في معنى كلمة   (الشمال)  بصفحة ١٨١ عند قول الشاعر:

تمتع بالرقاد على     (شمال)   ... فسوف يطول نومك باليمين فقد قال الشارح   (يجوز)  أن تكون     (شمال)   جمع شملة وهي  كساء يشتمل به. . . ثم أتى بحديث علي رضي الله عنه الخ فقال  حضرة الناقد الأديب - بعد أن نقل العبار مقتضبة:   (وهذا  كله شرح فاسد)  فان المراد بالشمال مقابل اليمين، إذ المعنى: تمتع  بالنوم على جنبك الشمال في الحياة قبل أن يستمر نومك باليمين. ولا زلنا مصرين جد الإصرار على أن هذا المعنى جائز - وان لم  يكن متيقنا - بل أن سياق الحديث ربما رجح هذا المعنى. قال  المقري: ويحث على انتهاز فرصة اللقاء إذ هي غنيمة، ويذكر  بقول من قال - وأكف الدهر موقظة ومنيمة: تمتع بالرقاد  على شمال الخ. فالشاعر يحض على انتهاز الفرصة وانتهاب المسرة،  ويحرض المرء أن يختلس غفلات الدهر إذا نامت عيونه عنه  فيتمتع من يحب بالنوم على هذه الشمال التي تجمع الشمل وتلم  الشتات يلتف المتحابان بها إذا لفهما الليل بشملته قبل أن يودع  كلاهما بطن الثرى فلا يكون فراش وثير ولا مضجع ممهد،  وإنما يوسد في القبر يمينه، ويجعل عمله لا حبيبه قرينه. ومن  لفظ (الشملة)  اشتقت العرب معنى الشمل واجتماعه، والجمع والتئامه

وأنا لنعجب جد العجب من وضع حضرة الكاتب علامتي  التعجب والاستفهام بعد قولنا   (وفي حديث علي!؟)  فليس في  العبارة ما يتعجب منه ولا فيها منكر يستفهم عنه. فما أحوج  علامتيه هاتين إلى بضع علامات التعجب والاستفهام

قال الناقد الأديب في شرح زجر الطير   (وهذا فضول في  الشرح ومثله في الكتاب كثير)  وهاتان دعويان يصعب على حضرته  تأييدهما، فان ما يراه حضرة الناقد فضولاً قد يراه غيره لازماً؛  والضعيف أمير الكرب. وهل على الشارح من حرج أو ضير  وهو يشرح بيتاً يقول: إذ زجرنا للوصل أيمن طير، أن يبين أن  زجر الطير كان عادة جاهلية أبطلها الإسلام   (وإن لم يرد الشاعر  هنا حقيقة معناها البدوي) . وأي فضول في هذا البيان الذي  استدعته المناسبة وجر إليه الحديث وهو ذو شجون؟

قال حضرته: وفي صفحة ٢٠٣ قرأت قول ابن الخياط: فلم أر الطرة حتى جرت ... دموع عيني بالمريزيب ثم قال وأنا أحفظها كالمريزيب وهي أصح وأبين. وأنا أقول  كلتا الروايتين لا بأس بها والمعنى عليهما واحد

أما ما نبه إليه في صفحة ٢٢٠ من أن المراد بالفتى الطائي هو  البحتري لا أبو تمام فلم يفت الشارح، بل سبقه إلى التنبيه عليه

منذ شهرين في الاستدراك على الجزء الأول الذي طبع ملحقاً  بالجزء الثاني؛ وكان يجمل بحضرة الناقد الحكيم أن يطلع عليه  قبل أن يسجل نقده على صفحات الرسالة الغراء؛ وقد تداولت  الأيدي الجزء الثاني من مدة غير قصيرة   (يريد بالفتى الطائي  أبا عبادة البحتري لسبق ذكره في هذه الأبيات)  وقول حضرته  إنه يريد بامرئ يصطاد نسر الجو بالنسر نفسه على جهة التشبيه  بامرئ القيس   (كما قلنا في ذيل صفحة ٢٢٠)  أخالفه فيه، فقد  يسوغ لي أن أرى الآن خلاف ما ذهبنا إليه معاً في ذلك بل يصح  أن يكون امرؤ القيس لا دخل له هنا، وأن الشاعر   (وهو ابن  شاهين)  إنما يرى نفسه كالبحتري الذي يزعم أنه ورث منه طرفاً  كريماً وجواداً سابقاً أعنقت عليه قصيدته، وسار مسرعاً عليه  أدبه، وأنه يريد   (بامرئ يصطاد نسر الجو بالنسر)  ممدوحه المقري  إقراراً من الشاعر بأنه أشعر منه كما صرح بذلك من قبل في قوله: ورثته منه ولكنما ... من شاعر وافى إلى أشعر فالشاعر ابن شاهين هو نسر الجو (وقد اصطنع التوجيه  والتورية في اسمه   (شاهين)  نسر الجو، والذي يصطاد نسر الجو  بالنسر ويتغلب عليه هو المقري الممدوح بالقصيدة، يعني أنه أقوى  من النسر، وأشد افتراساً من الشاهين. والغرض من هذا أنه  أشعر وأقدر وذلك ظاهر واضح لمن يتأمل

ومثل ذلك ما أخذه حضرته على تعليقنا على مدينة   (برديل)   بصفحة ٢٥٧، فقد تلافينا هذا السهو بالاستدراك، فنرجو  حضرته أن يطلع عليه بصفحة ١٠ منه، بل قد نبهتا إليه مرة  أخرى في الجزء الثالث وأشبعنا القول في هذه المدينة، وهدانا  الله منذ زمن إلى موقعها، والى لغات العرب فيها، بل إلى لغات  غير العرب، وقلنا إنها هي مدينة بوردو، وأطلنا الكلام في ذلك  بالجزأين الثاني والثالث

وفي الختام نقول لحضرة الكاتب أن اسم صاحب المرية هو    (خَيْران)  الفتى العامري الصقلي وإليه تنسب قلعة خَيْران  بالأندلس. أما ما في الإحاطة من أن اسمه   (خيروان)  فهو تحريف  فاسد لا يعول عليه، وإنما هو   (خَيْران)    (فَعْلان من  الخير)  وقد ذكرنا ترجمته وتكلّمنا عليه طويلاً في الجزأين الثالث  والرابع   (الذي يجري الطبع فيه)  والشارح يعرف من قديم    (خيْران)  هذا فله أثر عظيم في تاريخ العرب بالأندلس، وهو  مشهور لدى المؤرخين وليس من رجال الأندلس من يسمى خيروان أبداً

وأرجو من حضرة صديق الغيب أن يحمل حديثي هذا على

خير محامله، وأن يتنزل بقبول شكري له وثنائي عليه أن عُني  بالكتاب وقدر العمل فيه قدره ونبِّه إلى ما اعتدَّه هفوات، وكلنا  نتعاون في خدمة هذه اللغة الشريفة والنهوض بآدابها ونشر  ثقافتها.

اشترك في نشرتنا البريدية