هذا هو العنوان الذي جعله الأستاذ (لبيب الرياشي) لسلسلة من الرسائل في فلسفة الإسلام، أخرج منها الرسالة الأولى التي نقدمها الآن لقراء (الرسالة) ، والأستاذ الرياشي كاتب مسيحي له مكانته بين أدباء سورية الشقيقة، ثم هو فوق ذلك فخور بعربيته متحرر من قيود التعصب؛ ولعل هذه الميزات هي التي تجعل من الرياشي وصحبه مدرسة جديدة هي (مدرسة المتجردين المتطهرين) التي تعلي للحق منبرا تدأب على حمايته ورعايته. وإنك لتلمس سمو هذه المدرسة ونبلها في مقالة الرياشي في كشافة الكتاب الأول، إذ يقول:
(لنتجرد. . . . ولنتطهر. . . . لنتجرد ولنتطهر أيها الإنسي من جذام التعصب وأثرة الجنسية)
والرجل بهذا ينسى كل شيء سوى أنه من طلاب اليقين، وليس من شك في أن هذه الدراسة البريئة للسيرة النبوية الشريفة هي التي حفزت الرياشي على تحليل نفسية الرسول الكريم، وجعلته يعترف فوق ذلك بفضائل هذه الدراسة إذ يقول:
(ما ندمت على شيء في حياتي ندماً عصبياً ساحقاً مثل ندمي على جهلي نفسية الرسول العربي والإمام الأعظم العالمي محمد ابن عبد الله). ذلك ما يقوله رجل يمثل الأقلية الدينية المندمجة في ذلك الشرق العربي، الذي ترفرف فوق ربوعه راية التسامح في الدين
وتسوده روح الإخاء في القومية العربية العزيزة، والرياشي يصف محمداً بأنه (السوبرمان الأول العالمي) مستعيرا كلمة (السوبرمان) من الفيلسوف (نيتشه) وهذا الأخير أطلقها على الإنسان الأكمل الذي يجمع إلى مشاركة البشر في خصائص الجسم سمو العقل والروح إلى حد يجعله حلقة الاتصال بين الله والناس، ويعمد الكاتب الفاضل إلى الموازنة بين عظمة محمد وغيره من قادة الإنسانية، فهو يقرر في مستهل بحثه أن العظماء سرعان ما يفقدون هيبتهم إذا هم خالطوا الناس طويلاً، أما محمد فلم تكن مخالطته للناس وتبسطه في معاملتهم إلا عاملاً على رفع مكانته وإعلاء شأنه بينهم. وينتقل المؤلف إلى ما كان من توسط أبي طالب بين قريش ومحمد في أن يسودوه عليهم ويزوجوه أحسن بناتهم على أن يترك تسفيه دياناتهم والدعوة إلى الله، ويحلل جرأة محمد في رده التاريخي الخالد، ويقارن بينها وبين جرأة ميرابو خطيب الثورة الفرنسية
ولوثر زعيم الإصلاح الديني وأبي بكر وعمر، والرياشي في ذلك التحليل موفق أحسن التوفيق، فهو يوضح أن جرأة بعض الزعماء والمصلحين تستند إلى قوة الجماهير وصولة الجماعات، بينما ترتكز جرأة البعض الآخر على جلال الإمارة وهيبة السلطان، أما محمد ابن عبد الله فلم يتح له من ذلك شيء، فجرأته لا تقاس بها جرأة، وإقدامه لا يعدله في التاريخ إقدام
وبرغم ذلك التوفيق الجلي لاحظت أن الأستاذ وهو يعالج بعض النواحي يجتهد في ضرب من التحليل أرى أنه ليس من التاريخ ولا من فلسفة التاريخ في شيء، فهو يتساءل عن السر في خرس الجماهير مرات وسنوات إزاء الرسالة المحمدية، وعن السر في عدم إراقتهم دماء في هذا السبيل، ويقرر أن ذلك وقع برغم صياح أبي لهب وضجيجه، وأن ذلك كان لمعجزة، وأن هذه المعجزة هي أن شخصية النبي أحلت في نفوس القوم إيماناً جعلهم (يحترمون ويهابون ويؤمنون) . ليس ذلك يا سيدي هو الواقع،
وإنما الواقع الذي لا يقبل الجدل هو أن العرب حين جهر النبي بدعوته آذوه واستغربوا في إيذائه حتى أخرجوه من عشه مهاجراً إلى المدينة، وأنهم كانوا في ذلك معاندين مكابرين لا يحترمون ولا يهابون ولا يؤمنون، وأن شخصية النبي لم تغن من ذلك الإيذاء شيئاً. وليسمح لي الأستاذ الجليل أن أؤكده له أننا لو ذهبنا مذهبه من أن الرسول جهر بدعوته فاستجابت له الجماهير لأن تأثيره على محدثيه ومعاشريه تأثير المنوم المغنطيسي في المنوَّم كما يقول: لو صح يا سيدي أن ننسب ذلك لمحمد لهيأنا للمعترضين فرصة للطعن في دعوته فيقولون إن هذه القوة لا شك تبهر العرب بالباطل كما تبهرهم بالحق، والواقع يا سيدي أن العرب سخرت من محمد ومن دعوة محمد وليس يخفى خبر المستهزئين بالرسالة من قريش أمثال أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي وأبي لهب بن عبد المطلب وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة عم أبي جهل والعاصي بن وائل القرشي والد عمرو بن العاص والنضر بن الحارث العبدري وغيرهم ممن روى البخاري أخبارهم وحفلت بها بكون التواريخ
وفي موضع آخر من الرسالة يتناول المؤلف الكلام عن عدل الرسول الكريم فيسوق بعض الحوادث التاريخية التي تشهد بحبه للحق وانتصافه للناس حتى من نفسه. ثم يجاوز هذا إلى تحليل صفة العفو والغفران في نفس محمد، وهنا يمحو تلك المعجزة التي كان قد أثبتها للنبي، ويقر بما ناله من الأذى على يد قريش إذ يقول: (أباحوا دمه ودمهم، وعلقوا في ذلك الحصار وتلك الإباحة صحيفة في جوف الكعبة طمأنة للمقتدرين على الأذية، وزادوا بأن أجازوا المعتدي بثروة) (ص ٩١)
ويجد الأستاذ في تحليل ما كان من شأن الرسول الكريم مع قريش بعد فتح مكة من تسامح وغفران عظيمين، ويوازن بقوة بين هذا التسامح وذلك الغفران وبين ما أتاه برتوس قائد الغال بعد دخول روما وما صنعه بونابرت بعد دخول بولونيا، فيبدع في تحليل نفسية الرسول ويثبت سموه على غيره من قادة البشر وعظماء الإنسانية، ولعل أجمل ما ساقه في ذلك الموضع تصويره الرسول غالباً ظافراً يقف من المغلوبين فيضرب للتاريخ أعظم أمثلة التسامح والديموقراطية إذ يردد قول الله سبحانه وتعالى:
(يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) ثم يجاوز ذلك إلى مخاطبة الخائفين من المغلوبين بقوله: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)
هذه لمحة سريعة لذلك الكتيب الذي يقول مؤلفه الفاضل إنه الأول من الثلاثين التي يعتزم إخراجها في فلسفة الإسلام، ونحن نهنئ الكاتب بجهده الجميل الذي يعد نوعاً جديداً في أدب السيرة المحمدية الشريفة، ونرجو للمؤلف التوفيق في إخراج بقية الأجزاء

