أهدي إلي صديقي الدكتور رياض عسكر نسخة من كتابه في " نفسية المراهق وهذا هو باكورة اعماله ولعله يسد بعض الحاجة الشديدة التي اشار إليها الاستاذ الكبير أحمد امين بك عند ما قدم في مجلة الثقافة كتاب علم النفس الجنائي لمحمد بك فتحي ، والتي وجه معها بعض اللوم المحق للمشتغلين بعلمي النفس والتربية لقلة ما انتجوه ونشروه إلى الآن لسد هذه الحاجة الملحة
وأعتقد بحق أن الكتاب الذي نحن بصدده يسد حاجة ماسة قائمة في نفوس المعلمين والآباء ، وكل من له علاقة بتربية النشء والكتاب عرض علمى دقيق لخصائص المراهقين ومشاكلهم ومشاكل تربيتهم . على أن الدقة العلمية التى توخاها الدكتور عسكر لم تجعل كتابه في جملته يغلق على القارئ غير المتخصص فالكتاب سهل لين . وسهولته مع ذلك لم تفقده شيئا من حيث الدقة العلمية .
بدأ الدكتور عسكر كتابه بعرض عام سريع موجز لمراحل نمو الفرد من طفولته إلى كهولته ، وبين اهمية العناية بمرحلة الانتقال الواقعة بين الطفولة والنضح ، وهي مرحلة المراهقة ثم عرض بعد ذلك للتغيرات التي تطرأ عند هذا الانتقال ، ففصلها إلى جسمية وعقلية ووجدانية ، وفصل الجسمية منها إلى تغيرات في الطول والوزن وفي بعض اجزاء الخسم بنسبة اكبر في بعضها منها في البعض الآخر . ثم وضح بعض النتائج النفسية لهذه التغيرات كحساسية المراهقين لما يطرأ علي اصواتهم من تغير ، والنتائج التي تترتب على هذه الحساسية ، وعنى بنوع خاص بالتغيرات الفردية وأثارها
وقد عرض كما قلنا للتغيرات العقلية والوجدانية ، وبين في كثير من الأحوال اصول هذه التغيرات ، وما يترتب عليها ، وافرد فصلا خاصا بأهم الفروق بين البنين والبنات في هذه التغيرات ، واستشهد في كل ما كتب بمشاهداته
الخاصة ، وبالحالات التي درسها بنفسه ، والتي درسها غيره . واستشهد كذلك بأقوال ائمة العلماء الذين بحثوا موضوع المراهقة .
وأعتقد أنه على أهمية الموضوعات المتعددة التي كتب فيها فإن من أهم الأمور التي لفت النظر إليها أن أساس تربية المراهق يوضع عادة اثناء الطفولة ) ص ٩٩ ( ، وهذا مبدأ غاية في الأهمية ، إذ انه لو روعي على وجهه الصحيح لتلاشي أغلب صعوبات المراهقين ، ولامحت صعوبات الأباء في تربيتهم . والذي نلاحظه ان الاباء يجدون انفسهم مع أولادهم في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة في مشاكل حادة من عناد وثورة وشذوذ جنسي ، وما إلى ذلك ويصطدم الآباء بهذه المشاكل ويحاولون مواجهتها بأساليب التحايل تارة ، والمواجهة العنيفة تارة اخرى . ويسير الناشئ عادة من سئ إلي أسوأ دون أن تحل مشاكله ولو علم الآباء أن بذور هذا كله إنما يبذرونها بأيديهم في الطفل منذ نعومة اظفار ، لاتخذوا طريقا اخر . ولقد اوضح الدكتور عسكر هذه الناحية بمختلف الأدلة والاستشهادات .
ولا يمكنني أن أوقف القارئ على ملخص لمختلف النواحي التي عالجها المؤلف ، فهي كثيرة متشعبة ، وكل جزء منها - سواء في ذلك النظري والتطبيق - له أهمية بالغة . غير أن هناك مسألة تنفرد بأهمية خاصة ، وهي مشكلة الغريزة الجنسية وما حولها من تربية جنسية . عالج المؤلف هذه الناحية بجرأة يحمد عليها ، وعرض لمختلف الاراء في الغريزة الجنسية ، وبين ما لرأى فرويد من قيمة ، ثم عرض لفكرة الجمع بين البنين والبنات في المدارس ، وعرض رأي المعضدين للجمع بينهما ، ورأي المعارضين لذلك عرضا صريحا عادلا ، ثم قال في صفحة ١٨٨ :
" ومهما تكن نتيجة الموازنة بين حجج الفريقين نجد انفسنا امام نتيجة لا جدل فيها ، ولا يعارض فيها انصار الرأيين ؛ الا وهي ان الجمع بين الجنسين في المدارس
الابتدائية والأولية أمر مرغوب فيه ، حيث لم يبلغ الطفل المراهقة بعد ، فلا خوف من اجتماع الجنسين حينئذ إذ، أن نظرة كل منهما للآخر تكون بريئة خالية من كل فكرة جنسية أو ميل شديد ، ويتخذ الطفل عندئذ اصدقاء من الجنسين على حد سواء من غير تفرقة او تحيز ، ومع خلو ذلك النظام من الضرر نجد أن له الفوائد التي يذكرها أنصار الجمع ، والتي أوردناها سالفا ، والتي من أهمها عدم جعل الجنسين غربين عن بعضهما ، والتي تمحو ذلك الغموض القائم في ذهن كل منهما " .
فالكتاب هو أول مؤلف من نوعه في العربية ، وجدير بكل والد ومعلم أن يقرأه ، وأن يقرأ بعض فصوله بنوع خاص مثني وثلاث ورباع
غير أني أري أن أذكر هنا نقطة جديرة بالذكر ، فإن الأستاذ المؤلف رغم طول مدة خبرته في العيادات السيكولوجية في مصر وفي الخارج لم يشر في كتابه إشارة صريحة واضحة إلى حالات مصرية سوى عدد لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة في صفحات ٧٦،٧٥،٧٤،٧٣ وهذه هي الحالات التي حاء عرضها وتحليلها والتعليق عليها دائما مشوقا . ولكن لعله أراد بالاستشهاد بحالات مأخوذة من المراجع الأجنبية أن يقدم إلي جانب الحالات المصرية حالات اخري تمثل مختلف الظروف والبيئات .
ونقطة اخري وهي أن شدة حرصه علي ان يكون الكتاب وافيا بدأ بعرض اكبر ما يمكنه عرضه من الحقائق العلمية ونتائج البحوث المختلفة في مجال الكتاب وهو مجال محدود على أي حال . وكان لهذا الحرص أثره إذ جاءت بعض العبارات شديدة الحاجة إلي التفسير والتعليق والتمهيد والتمثيل وما إلي ذلك . ففي صفحة ١٥ يقول : أما المخ فلا ) يشاهد ( فيه نمو فجائي ، سواء في الطول أم في العرض أم في الوزن . هذه عبارة تستثير
التعجب من غير شك ، فلابد أن يتساءل القارئ إن كان المقصود بمخ الإنسان حيا أم ميتا ، وان كان الإنسان حيا فلا يمكن عادة ) مشاهدة ( مخه بطريقة مباشرة . وحتى إذا مكن مشاهدته في ظروف استثنائية جدا فكيف يشاهد وزن المخ دون القضاء على صاحبه . فالعبارة على أي حال مازالت تحتاج لشرح ، وكذلك في صفحة ٢١ دون أي تمهيد يتكلم عن نسبة الذكاء وهي اصطلاح علمى له معناه المحدد ، فيقول : " والمفروض بوجه عام ان نسبة ذكاء المرء تبقى دائما على ما هي عليه . غير أن الآبحاث الحديثة تدل على حدوث تغيرات طفيفة إما بمرور الزمن وإما بتغير الاختبار . والأفضل عندئذ اعتبار النتائج التي يحصل عليها الباحثون من تطبيق نفس الاختبار عدة مرات في فترات منتظمة متعاقبة
وهذا الذي يقوله الدكتور عسكر في أسطر قلائل دون ان يمهد له أو يعلق عليه يحتاج في الشرح إلي محاضرتين كاملتين للطلاب المتخصصين بعد أن يمهد له تمهيدا كافيا .
وهناك أمر ثالث ، وهو أن المؤلف لم يعن العناية الكافية بتصحيح هفوات المطبعة وهي غير قليلة ؛ ففي الصفحات الخمس الأولى اثنتان على الأقل وعتب رابع ربما : لا يتفق معى فيه الكثيرون وهو يتعلق باللغة ، فلغتة الكتاب ولو أنها سليمة مستقيمة إلا انها جاءت في بعض الاماكن كلغة بعض أنواع الخطابة الحماسية مما لا يتفق في نظري كثيرا مع لغة الكتابة العلمية
ففي صفحة ٢٠٤ يقول : " أما عن احتفاء المدارس الأمريكية بالجديد والآراء المبتكرة فحدث عنها ولا حرج " على أن هذه كلها مآخذ بسيطة لا تقلل من قيمة الكتاب ، فهو مؤلف يفيد المتخصصين وغير المتخصصين ، وسيكون له على ما أرجو أثر بالغ في تربية النشء

