الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 405الرجوع إلى "الثقافة"

نفس الكتاب :, أسس الصحة النفسية

Share

وحدة الكتاب مثل وحدة الإنسان اي هي وحدة مركبة . وكما ان الإنسان يحقق وحدة وجوده بفكره فان الكتاب كذلك يحقق وجوده بطريقة عرض فكرته التي يثبت بها اثره والتي تركز شخصيته وتساعده على أن يقتج أثره المطلوب لدي القارئ

والنقد فن ونواحيه كثيرة وعديدة ، ولكن القاعدة الأولى في فن النقد هي أن يكون نوعه موافقا لنوع الكتاب وشخصيته الفكرية . فالأسلوب الأدبي غير الأسلوب العلمي ، وكلاهما غير الأسلوب الذي تعرض به الفلسفة مثلا ؛ فالنقد وجه لا يوجه إلى الكتاب عامة بل إلى اثر المادة في الأسلوب ، ثم إلي أي حد يحقق هذا الأسلوب وحدة الكتاب الفكرية اي أن احق النواحي التي يجب ان يوجه إليها النقد هي السياسة العقلية للكتاب ، وأحق الكتب للنقد من هذه الناحية هي الكتب السيكولوجية ، لأنها هي الكتب التي تبحث هذه المادة

ولقد حفلت المكتبة السيكولوجية في مصر بكتب عديدة . ولكن فراغها لم يكن مشغولا حتى صدر الكتاب  اسس الصحة النفسية فهو لها دون شك الكتاب الأم ، وهو يحتضنها جميعا ويكاد يتميز عنها جميعا بسياسته العقلية

" في الواقع أن السياسة العقلية التي انتهجها المؤلف في بسط الأفكار والنظريات المختلفة التي تتعلق ببحثه - وهي جد بديعة وشاملة - هي سياسة تجريبية بارعة فيها نوع من الفلسفة الإيجابية ، حيث يبدو ان المؤلف اقام اسس بحثه على قاعدة فلسفية ، وهي الإيمان بغلبة الخير والقوة في جوهر الإنسان العقلي وفي مظهره السسيال أي

النفس ، وجعل هذه القاعدة الجو الذي يضبط ترمومتر تياره العقلي الباحث حينما ينزل إلي العقل الباطن إلى ان ترتفع درجات إيجابية تفسر اسباب الشذود النفسي اللاحق حينئذ بالعقل

" ولاشك في أن هذه السياسة العقلية هي ثمرة المنهج التجريبي الحسي الذي ينتهجه الدكتور القوصي ، وهو منهج يدل عليه نوع السياسة الإيجابية التي يستعملها المحلل نفسه ، فهو كما يخيل لي يؤمن بأن هذه الأمراض النفسية إنما تهاجم العقل وتنشأ من أسباب إذا حللناها وجدنا جذورها خارجة عن المزرعة العقلية الواعية نفسها ، أي أنها ليست فيه بالقوة إنما هي فيه بالفعل ، فهي إذا ليست في جوهر العقل نفسه ؛ وعلي ذلك فما دامت الوحدة العقلية موجودة وحالة الوعي العام لا يزال فيها حياة وإن تذبذبت قواها وتأثيراتها ، فكل مايطرا حينئذ على الحياة العقلية من حالات الشذوذ فهو قابل للعلاج بل الشفاء . فنظرة الدكتور المحلل إلي الأمراض النفسية مطابقة لنظرته الفلسفية إلي الأوهام . فنحن في الواقع نطلق كلمة الوهم عندنا على كل ما يطرأ على الذهن من أفكار قد تكون لها آثار إيجابية من نوعه ، ولكنا ننكر وجوده بحسب دلالة الكلمة الصوتية وإن كنا نجعل له ماهية . ولكن الدكتور القوصي يقف منه موقفا فكريا بديعا ، فهو ينكر ماهيته ويثبت وجوده على أنه وجود مسبب يرتبط بآثاره ارتباطا باطنيا متشعب الجذور في كل ما يحيط بالعقل من آثار البيئة والوراثة ونوع تأثير الجو الخارجي علي العقل ونوع العقل نفسه ودرجة تأثيره وامتصاصه الحوادث ، ولكن بزوال سببه يزول الوهم أو المرض . فالأمراض النفسية هي إذ ذاك كالأوهام ، فهي وجود مالا يصح أن يوجد ، لأن وجوده العرضي مرتبط بما يمكن ارجاعه لأسبابه ؛ وليس من شك في أن هذا المنهج التعليمي العقلي منهج بارع يدل فيما يدل عليه

على الكبرياء العقلية التي حققتها التجارب الثابتة النتائج والخبرة الطويلة ، وقبل كل شئ الموهبة ، وقد استخلصنا القاعدة الأولى من السياسة الفكرية الجديدة التي عالج بها شرح الأعراض وتحليل الأسباب ؛ فهو أولا يحقق كرامة الكتاب العقلية ، وذلك بتجريده من المصطلحات الفقهية الضخمة ويتخلصه من الأسماء المرضية اللاذعة التي يطلقها بعضهم على هذه الأمراض ، واستبدال ذلك بشرح النظريات شرحا علميا تجريبيا بلمس كل مثل مما يثبت جوهر الفكرة ويترك العرض ، وما هي إلا كتلة الأسماء والصفات العرضية غير المرغوب فيها ؛ وهذه السياسة هي الروح التي تسيل في ضلوع الكتاب فتجعله بشوشا طلقا ، مما يمهد الطريق للكتاب لكي يسيطر على العقل سيطرة تدريجية فعالة ، يتقبلها العقل بالفهم المقرون بالرضا ، إذ أنه يلاحظ أن في التسمية الفقهية للأمراض النفسية تقريرا وتركيزا له ، وهذه نتيجة غير مطلوبة أبدا بالنسبة للأمراض النفسية ؛ إذ أن أول قاعدة بتدرج منها العلاج هو حفظ البقية الباقية من الإتزان العقلي وتقويته بالإيحاء حتي يستطيع أن يزيح المد الذي يصبه من الأمواج الهادرة التي تخور وتغلي في صدر الإنسان وعقله . وحيث إن العلاج النفسي ما هو إلا عبارة عن المواجهة العقلية الصريحة لعدة الظواهر الطارئة والتفسير لذلك بشرحها وبيان أسبابها

- أو اختفاء هذه الأوهام بطول التحليل والإيحاء فإنه إذا وقر في ذهن المريض انه كان مصابا بمرض فعلي له اسم لاذع ضخم بسوط الكرامة الإنسانية ، خصوصا وأن الوعي الاجتماعي لا يزال ينظر نحو هذه الأمراض نظرة غير رزينة وغير مبرأة من الفزع المقرون بالنفور - فان في ذلك ما يضاعف مرضه بفتح له جرحا آخر . وثمة شئ اخر هو أن تقرير الأسم في هذه الأحوال لاينسى حتى ولو ذهب المرض ، إذ انه سيصير جزءا لابتجزأ من حياة المريض الوجدانية ، فبذلك نكون قد كونا له

عقده نفسيه ليست أقل إيلاما ، ولكن ومع الاسف انه تطالعنا الحين بعد الحين بعض الكتب السيكولوجية التي تضغط على هذه الأسماء ضغطا كبيرا ، مما يذبح الكرامة الإنسانية ويكون له أسوأ الأثر في النفوس المريضة

" والقاعدة الثانية للسياسة العقلية السائدة في الكتاب هو أن البحث النفسي يجب أن يبدأ في الإنسان ، فليس هناك كتلة مجردة للأمراض العقلية ، ولكن هناك حالة إنسان مريض ، لذلك نجد أن المحلل غير مبال لتطبيق النظريات علي المرض بقدر ما هو مبال إلي تكوين نظريات من نتائج التحليل النفسي ، فهو يتبع منهج الاستقرار ؛ وعلي ذلك فإذا تشابهت أعراض المرض لدي شخصين فليس معنى ذلك أن تنماثل الشخصيتان أو طرق العلاج ؛ فالدكتور يحسب لشخصية المريض نفسه حسابا هاما ، حيث إنها تتدخل في تشكيل المرض نفسه وفي تقدير درجات ارتفاعه وانخفاضه ، وهو من ذلك يلمس مسألة هامة من المسائل السيكولوجية ، وهي عن نفس شخصية المحلل النفساني ، فإنه لا يصلح طب أي إنسان لكل إنسان ، وكذلك فإن نفس القواعد المعروفة التي تكتظ بها أدمغة أطباء علم النفس صالحة كل الصلاحية لكي تطبق على كل الأحوال ، فإن الإنسان المريض بكر دائما وقاعدة تترتب عليها نتائج وأبحاث جديدة ، ويستخلص من ذلك أنه لا القواعد الملها المعروفة ولا هضمها مما يساعد علي راحة المريض وشفائه ، وإنما هو الجانب الإيجابي المكتسب عمليا من فهم القواعد وممارستها ؛ فالعلاقة بين الطبيب والمريض ليست علاقة ثقافية تقوم على المعرفة المجردة ، ولكنها تقوم على الفهم " وفرق بينهما . وفي الواقع أنه ليس هناك ميزان عقلي زمني ينفع للقياس الكلي لعقليات الناس جميعا ، لأن الإنسان وبيئته ومؤثراته في حالة تطور مستمر ، فطبيعي جدا أن يكون لدي الإنسان حركة جزر ومد ، وليس الشذوذ المرضي سوي تمدد عكسي في

مقايس التأثر الحسي الى تعمل رائبة لتكوين الإتزان النفسي عند الإنسان في كل أحواله ؛ وعلى ذلك فالإنسان يمكن النظر إليه أحيانا كالآلة إلى يمكن تفككها ودراستها ثم تكوينها ثانية ، وكل ما يقبل التجزئ يقبل الفحص ، وكل ما يقبل الفحص يعالج ، وكل ما هو قابل للعلاج فهو في مندرة الطب أو هو في حلقته المفرغة

ثم إننا نجد بعد هذا كله أن الكتاب قد وصل إلي درجة الإشباع التام ؛ فهو يحتوي على كل مايهم الإنسان وتشوقه معرفته عن دنياه الباطنة والخارجية وعن العلاقات المتبادلة بينهما وتأثيراتها المختلفة ، وهو في شرحه الطويل نلاحظ انه لم يفقد طرف الخيط على أن للكتاب ابوابا ثلاثة ؛ كما نلاحظ أن طرق الشرح والتحليل فيه تحقق اهم قاعدة يطمح إليها المريض لكي تساعده على تقوية روحه المعنوية وتمهد له الشفاء ، وهو انه يجد ما يبرر مرضه ويشرحه ويرجعه إلي اسبابه شرحا لا يأخذ ولكنه يعطي ، ولايهدم بل يبني ويؤسس ، ويضعه بين المؤثرات التى تسببت في مرضه ، لا ان يضمه تحت العناوين الضخمة الى لا بد له في تكوينها

بقى علينا بعد هذا كله أن نقول إن المبدأ الادبي الذي يحققه هذا الكتاب هو أن للحياة البشرية كرامة يجب أن تحفظ وحقوقا لا يتطلب احترامها لدينا أكثر من أننا يجب أن تذكر حينما نشرح جسم إنسان أو عقله أن الرابطة بيننا لم تضع وان مقدار ما نكتسبه من صفات ومكانة وتجربة إنما هو لهذا الذي أمامنا وان مرضه وضعفه لم يفقده شيئا من كرامته ما دام قد وضع نفسه بين يدي طبيبه فيلقى هذا عليه قناعا ويوحي إليه بما يقويه وينعمه ، ويوم ان ينوي أن يدرس مرضه فإنه يكرم النوع المريض كله فيه بأن يكتب كتابا من أسس الصحة النفسية

اشترك في نشرتنا البريدية