الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 597الرجوع إلى "الثقافة"

نقد، الكتب ، من نبع الحياة ، ديوان للشاعر محمد عبد الغني حسن ، دار المعارف - ٢٢٢ صفحة - ١٩٥٠

Share

لغز ينطوي على أسرار ، وصندوق يحوي كثيرا من الأخبار ، ذلك هو الإنسان ، بدن وروح ، وظاهر وباطن . ولولا الإفصاح بالعبارة لظل اللغز غامضا والصندوق مغلقا على سره منطويا على جملة خبره .

ما هذا السر الدفين الذي يحاول الشاعر محمد عبد الغني حسن أن يخفيه ، وأن يعلنه دون أن يبرح عنه الخفاء . وفي هذا من التناقض ما فيه ، إذ كيف تسر وتعلن في آن واحد ؟ .

وهذا منطق الشعر ، وطريقة الشعراء . إنها أحاسيس غامضة تكتنف النفس الإنسانية ، وتضيق الألفاظ عن التعبير عنها في الصورة المألوفة من الكلام ، فيخيل إلى الشاعر أنه مستطيع بالوزن والقافية أن يذلل المعاني ، وبالرمز والأخيلة أن يعبر عن مكنون الجوانح .

وقد أودع شاعرنا حياته صفحات هذا الديوان ، فكان سجلا لعواطفه وآرائه ونظراته إلى الحياة . ليس هو كل حياته ، ولكنه " من نبع الحياة " .

وقد أصبحت حياته بعد نشرها ملكا للجمهور ، ولنا أن نحلله من شعره ، فنعرف نفسيته في ضوء العلم الحديث .

لقد كانت أعظم أماني الشاعر أن يرحل إلى أوربا ، فقال في قصيدة له قبل السفر عام ١٩٣٢ :

انشر قلاعك باربان إن بنا

شوقا إلى البحر أو ميلا إلى السفر

فرد عليه الأستاذ عادل الغضبان بقصيدة مطلعها

سافر فعين العلي ترعاك في السفر

وعد إلينا أديبا فاز بالوطر

وهي من نفس البحر والقافية ، وهذا من حسن الأدب . نقول : لم تكن الرغبة في السفر طارئة ، بل هي قديمة ففي قصيدة له نشرت قبل ذلك بأربع سنوات :

بي هم لا أرى مصدره            وأرى آثاره تتبعني

هو سر كشفه أعجزني        وهو لغز حله حيرني

                 لم يرق لي العيش في منصورتي      

لا ، ولا طاب بمصر سكني

فقد علمت أن صاحب الديوان من مدينة المنصورة ، ولكن العيش لم يطب له في مسقط رأسه أو في عاصمة وطنه . ونجد السر في ذلك في قصيدة يناجي فيها طائرا ، وبوازن بين نفسه وبينه ، وهو ولا ريب يرمز للطائر بشئ ما يريد أن يخفيه عنا ، وقد نستطيع الكشف عنه بعد قليل من قصائده الأخرى . فهو يحدثنا أن الطائر في الجو مطلق ، وهو في الأرض مضطهد :

تهب العمر فرحة                              وهو يقضيه في نكد

أنت لم تدر ما مضي                            وهو يرجو لقاء غد

فمن هذا الطائر الذي كان يرجو لقاءه ؟

أنت بالعيش قانع                                    وهو الطامع المجد    

حسدك اللقمة التي                          تمسك الجوع أو تسد

وهو في العيش لم يقف                         مطمع منه عند حد

يخدع النفس بالمنى                                  بين جزر بها ومد

إلى آخر هذه القصيدة الطويلة التي يصف فيها نوازعه وطبائعه . وهو صادق دون نزاع في قوله إنه " الطامع المجد " فهو يطمع في المجد ، ويتخذ له سبيل الجد ، ولكن النفس أيضا تطلب بفطرتها شيئا آخر ، هو مطلب جميع الذكور ، نعني الأنثى ، ولا نشك في أن الطائر الذي كان يناجيه الشاعر هو الأنثى التى صادفها في حياته ، ولكنه انصرف عنها لشئ آخر ، هو نفسه ، فهو يحب مطامعه التي لا حد لها ، ولا يسمح لفتاة مهما تكن على قدر من الجمال أن تحول بينه وبين الوصول إلى تحقيق هذه الأماني .

كاذب في غرامه                  هازل فيه لا يجد

إن بكي فهي أدمع            ليس من بذلهن يد

فأنت ترى أنه يعترف بالحب ، ويحكي الغرام ، ولكنه غرام كاذب ، لأنه يحب نفسه ، وأول شئ أحب أن يحققه لها ، السفر إلى الغرب .

وانظر إليه قبل الامتحان النهائي في دار العلوم ، كيف يأمل في السفر ، وهو مطمعه القديم :

لي فيك يا " غرب " شوق وبي إليك حنين

في الغرب علم كثير في الشرق حقد كمين

وهو يطلب الرحلة إلى الغرب ليتزود من العلم ، كي يحقق غاية أخرى ، هي الشهرة ، والشهرة داء الشرق من قديم الزمان ، ولكنه لا يعرف إلى أي مدى يبلغ ، وإلى أى حد تتحقق الأماني :

هبني نجحت ومالت

على نجاحي الغصون

وكان غاية رحلي

باريس أو برلين

هبني بلغت مكان  

لعبا عليه الظنون

وطاب باسمى حديث

وكان باسمي شئون

هبني كذلك فقل لي

من بعدها ما أكون

حدثنا الشاعر في قصائد عدة عن نجاحه بعد الامتحان ، ونظم في هذا الإبان الشئ الكثير ، ووصف حاله من السهر

والدأب والفرح بعد النجاح . لقد رضيت نفسه من جانب ، ولم ترض من جانب آخر ، هو جانب الحب ، ولعل إخفاقه في هذا الحب الذي يخفيه عنا ، هو الذي دعاه إلى الهجرة عن البلد ، وعن الوطن :

قالوا نجحت فقلت هل    يغني عن الشاكى نجاحه

هو طائر . . لكنه           في الحب مقصوص جناحه

وقد يهرب أحيانا أخرى نحو الماضي ، يريد الرجوع إلى عهد الطفولة ، حيث الصداقات البريئة ، والحب الخالص ، أما عهد الشباب ، فقد خانته المحبوبة :

من لي بأيام الطفولة إنها

مرت من الأيام مر سحاب

ماذا لقيت من الشباب وكله

وله المحب وقسوة الأحباب

ويبدو أن الشاعر تخلص من عذاب هذا الحب ، فكتب قصيدة بعنوان " إخلاص " لم يضع لها تاريخا ، مع أنه سجل جميع قصائده ، ولم يذكر من هي التي يخاطبها جاء فيها :

قل للتي تزعم الإخلاص معذرة

إن كان إخلاصنا في حبها ذهبا

جعلتها سببا للمجد أنشده

لكنها جعلتني للهوى سببا

وأكبر الظن أن هذه المحبوبة كانت من المنصورة ، فقد أفصح عن ذلك في قصيدة أخرى في أغسطس ١٩٣٠ ، وإذا صدقنا الشاعر فقد كان حبا طاهرا عفيفا :

يا وردة من ورد وجنتها

تذوي الورود ويستحي الزهر

                   يا درة من تاج عفتها  

تندي العقود وتخجل الدرر

                      هل تذكرين ونحن يجمعنا

في جانب " المنصورة " النهر

                     وكأننا من فرط خفتنا

ملكان لا خلق ولا بشم

وسافر الشاعر ، وطاف بباريس ولندن ، وأمضى بضع

سنين ، ثم عاد إلى أرض الكنانة ، وقد حقق الأمنية التي دارت بخلده زمنا ، وولى الشباب ، وذهبت تبارحع الغرام التى شبت مع فتوة الشباب . ووصف حاله في ليلة من عام 1946 تفيض أسى وحزنا وضيقا بالحياة :

تألب الليل عليه وطال

يا صبح هل أنت بعيد المنال

ضاقت بها الآمال عن شاعر

أماله كانت فساح المجال

ولم يجد ما يفرج همه إلا الابتهال إلى الله ففرج كريه :

حتى إذا ما الهم أودي بنا

ولم يعد للصبر فينا احتمال

أطلت الرحمة من كوة

وفيأ الله علينا الظلال

وبدل الله - علا شأنه -

من هذه الليلة حالا بحال

فلم أعد أيأس من بعدها

من رحمة الله الوسيع النوال

حقا ، النزعة الدينية غالية على صديقنا الأستاذ محمد عبد الغني حسن ، فقد افتتح الديوان بقصيدة في مولد الرسول ، نشرت عام ١٩٤٩ ، وفيها نري الشاعر ، وقد استضاء بنور النبوة ، فطلع علينا قصيدة من روائع الشعر استهلها بقوله

عيد النبوة والنبي الملهم

استقبل الدنيا بيمنك وابسم

وأفض على الدنيا السلام فإنها

طال الطريق بها ولما تسلم

وهكذا بدأ الشاعر في شبابه يفتن بسحر مفاتن الشباب ومغرياته . المرأة التي تبعث يحيها على الأمل ، وتدفع إلى المجد ، ثم رأى بعد فورة الشباب أن الحقيقة الكبرى في هدوء النفس وسكون الجوانح إلى بارئها ، بعد أن بلغ المني وحاز المجد . وغاية المجد أن يدون الشعر ثم يروى

اشترك في نشرتنا البريدية