يقول " و . هـ . أودين " - W. H. Auden الشاعر الأنجليزى المعاصر : ( إن هذا العالم الفسيح يبدو للرجل البدائى العقل محصورا فى زمان ومكان واحد ؟ على حين تلتقى الأزمنة والأمكنة كلها فى صعيد واحد أمام الرجل الناضج المتفتح مسالك العقل ) . وكذلك كان هذا الكتاب حين أراد صاحبه أن يترجم لطائفة من أعلام العصر الحديث ، فامتد به الزمان والمكان - بناء على نظرية الشاعر Auden - إلى ما قبل العصر الحديث ؛ وإذا به يترجم لأوليفر جولد سميث من كتاب القرن الثامن عشر ؟ بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيترجم للأديب الفرنسى " مونتاين " من كتاب القرن السادس عشر . .
ولا أدرى هل فطن الأستاذ محمود محمود إلى رأى الشاعر " أودين " فى التقاء الأزمان والآباد كلها فى لحظة واحدة ، أم انسل " جولد سمث " و " مونتاين " وحدهما فى حلقة من الدراسات لطائفة من رجال القرنين التاسع عشر والعشرين من غير أن يشعر الأستاذ المؤلف بانسلالهما إلى هذه المجموعة من تراجم العصر الحديث ؟ !
وأياما كان الرأى فى تحديد " العصر الحديث " و " الصور الحديثة " فإن الخلاف لا يغير من جوهر الأمر شيئا . وجوهر الأمر أن الأستاذ محمود محمود رأى فى حياة هذه الحفنات من الرجال - أو الأبطال كما سماهم ما يستحق أن يقدم إلى القارىء العربى ( راجيا أن يتخذ شبابنا من هذه السير مثلا لهم يحذون حذوها ، وينهجون نهجها ، فهى صفحات من المجد رائدة ، وقصص من البطولة تستحق الذكر والخلود ) - مقدمة الكتاب .
وبمناسبة حديث المؤلف عن البطولة والأبطال يظهر أن له معيارا للبطولة غير المعايير التى اصطلحنا أن نقيس عليها زمنا . فأنا أفهم أن يكون " غاندى بطلا سيرتفع مع الزمن إلى مستوى أبطال الأساطير . . وأفهم أن يكون " تشرشل " بطلا ، وأفهم أن يكون غاريبالدى بطلا ، وأفهم أن يكون " مصطفى كمال أتاتورك " بطلا ؛ ولكنى لا أفهم أن يكون " أولدس هكسلى " الأديب الإنجليزى المعاصر بطلا ، وأن يحشر مع غاندى ، وتشرشل ، وأتاتورك ، وغاريبالدى ، وبادروسكى في سمط واحد ، .
ولست عدوا لهكسلى ، وجولد سمث وغيرها ممن سلكهم المؤلف فى عداد الأبطال ، ولكننى أحب أن يوضع الناس مواضعهم ، وأن ينزل الرجال أقدارهم ، حتى لا تهون البطولة إلى حد تعود فيه كالسلعة الرخيصة .
وحق أن يكون " هكسلى " علما من أعلام الفكر الحديث - كما كان جده علما من أعلام العلم الطبيعى أما أن يكون بطلا فمسألة نقف عندها إلى أن يعرف لنا الأستاذ محمود محمود البطولة فى مصطلحه الجديد
وأغلب الظن أن الأستاذ المؤلف قد سار فى منهج التراجم على الخطة التى وضعها " هافلوك إليس لمن يتصدون لكتابة تراجم الرجال . وهى الخطة التى وجهها إلى المترجمين على شكل خطاب مفتوح ، والتى أعجبت مؤلفنا فنشرها فى آخر الكتاب . وكم كنت أود أن تحتل هذه الخطة مكان الصدر من الكتاب حتى تكون دستورا لكتابة التراجم . . ولكن الأستاذ محمود اختار لها آخر الكتاب حتى يدرك القارئ مدى انطباق ما فيها من آراء على ما قدمه فى تراجمه . وأنا استطيع أن أهنئه على نجاحه فى هذا الانطباق إلى حد كبير . فإن " هافلوك إليس " يلوم
كتاب التراجم على أنهم يقومون بعمل المؤرخ ، وليس المترجم بالمؤرخ ، ويلاحظ أن المترجمين يقدمون لنا عوضا عن الترجمة الحقيقية - نبذا من التاريخ وضعت فى غير موضعها . ومن هنا استفاد الأستاذ محمود بنصيحة " هافلوك " . . فقدم لنا تراجم حقيقية ، واستطاع أن يحدثنا - فى انسياب إلى أعماق النفس - لا عن أعمال هؤلاء الرجال . ولكن عن الظروف والملابسات التى تمت فيها هذه الأعمال .
وبمناسبة هذا الخطاب الأدبى الذى وجهه " هافلوك إلى كتاب التراجم أذكر أن المؤلف قد دعانا إلى غير قليل من التبلبل وهو يقول فى تقديم كتابه إنه ذيله ( بمقال يحوى خلاصة رأى " ماثيو أرنولد " الأديب الناقد الإنجليزى فى كتابة السير ، كتبه فى صورة خطاب وجهه
إلى كتاب التراجم ) ، ثم تبحث فى ذيل الكتاب عن خطاب " ماثيو أرنولد " الموعود فلا تجد إلا خطابا من " هافلوك إليس إلى كتاب التراجم . . والقارىء معذور حين يختلط عليه الأمر بين رأس الكتاب وذيله . فبينا هو ينتظر خطابا أدبيا من " ماثيو أرنولد " إذا به يجد خطابا من " هافلوك إليس حتى لا يهتدى القارئ إلى وجه الحق فى هذا الخطاب الأدبى الرفيع : أهو لهافلوك كما فى ذيل الكتاب ، أم لماثيو أرنولد كما فى المقدمة !
ما بى حاجة أن أقول إن الأستاذ محمود محمود بارع فى كتابة التراجم ؛ ولو أنه جعل كتابه وقفا على تراجم الأدباء والشعراء والكتاب ورجال الفكر والفن لأخذ الكتاب مكانه فى التراجم الأدبية الغربية . ولكنه شاء أن يعرفنا بأعلام من الرجال لا يربطهم - فى أغلب الأمر - سلك واحد أكثر من الشهرة التى تضمهم فى محيطها . ففى كتابه ترى " كارل ماركس " الاقتصادى الاشتراكى بجانب " ماركونى " العالم المخترع و " دزرائيلى " السياسى المحنك و " مصطفى كمال أتاتورك " المحارب و " طاغور " الشاعر و " برنار شو " الكاتب .
إنه خليط من الرجال بالضبط كما يفعل دايل كارنيجى D. Carnegie فى تراجمه المألوفة المحبوبة ؟ لا كما يفعل هنرى توماس H. Thomas فى تراجمه القائمة على جمع الأضراب وضم الأشياء والنظراء . فللمفكرين مجموعة ، وللشعراء مجموعة ، وللروائيين مجموعة ، وللعلماء مجموعة ، وهكذا . .
فلو حذف من كتاب " أعلام من العصر الحديث ) هؤلاء السياسيون وهؤلاء المحاربون ، وبقيت حفنة أو حفنتان من الكتاب والشعراء والأدباء الذين يمت إليهم الأستاذ محمود محمود بأقوى الوشائج لكان إنتاجا أقرب إلى طبيعة الأدب والأديب .
ومالى ألوم المؤلف وقد وضح لنا فى تقديمه الوجيز أغراض كتابه فلم يجعله أدبا ولا نقدا ، ولكنه جعله " مثلا " يرجو أن يحذو الشباب حذوها ؟ وإذا فلا محل
للومنا له وعيبنا عليه ؛ لأن قصاراه فى الكتاب أن يعرض لنا رجالا - مهما كانت أعمالهم - وأن يكشف لنا من وراء هذا العرض عما يصح أن يكون مثلا يحتذى . وهنا وفق المؤلف إلى أبعد الحدود . فقد استطاع أن يعرض فضائل الرجال عرضا حيا متواضعا فى غير مظاهرة أو إعلان . ولو أعلن لفقدت هذه الفضائل كثيرا من جمالها وأثرها . اسمعه وهو يقول فى ختام ترجمة " غاربيالدى ( كان غاربيالدى دائما فى الطليعة أثناء القتال ، وفى المؤخرة بعد ما ينتهى القتال ، يزرع ولا يحصد ويجاهد ولا يجنى ثمرة الجهاد ) . واسمعه يقول فى ترجمة " جيته" : ( كان يحب بلاده حبا جما ، ولكنه لا يمقت البلدان الأخرى . ولما اتهم بالتراخى لأنه لم يكتب أناشيد حربية تشعل الحماسة فى القلوب أجاب بقوله : إني لم أتفوه قط بما لم يدخل فى تجاربى فإنى لم أضع أناشيد الحب إلا بعد ما أحببت ، فكيف استطيع إذا ان أضع أناشيد البغض دون أن أبغض ؟ ) . واسمعه يقول فى ترجمة " سن يات سن " : ( جسم الأمة كجسم الإنسان ، إن أجريت فيه جراحة استأصلت بها الأوساط العليلة طهرت جسم الأمة وروحها ) .
وهكذا كان الأستاذ محمود محمود مترجما وطبيبا روحيا بارعا ؛ ولم أره فى خلال الكتاب كله يلبس معطف الأطباء ويمسك فى يده " روشتة الدواء " متحاشيا بذلك التصرف الحكيم كراهة المريض للطبيب من قديم الزمان . ولم أره فى خلال الكتاب كله واعظا يلبس ملابس الوعاظ ويتكلف حركات أيديهم وبح حلوقهم ، حتى يقال إنهم أجادوا الوعظ وأتقنوا الإرشاد ! ولم يمسك الأستاذ محمود محمود عصا " الوعظية " إلا مرة واحدة وهو فى ختام الحديث عن " مونتاين " الفرنسى حين يقول : ( يعلمنا مونتينى الحرية ، وهو درس نافع لنا فى هذه الأيام التى بلغ فيها التعصب السياسى أشده . . ألسنا بحاجة إلى مثل هذا الدرس فى هذه الأيام ؟ ) ولا أكون منصفا " لمونتينى " ولا منصفا للأستاذ محمود محمود وصدق وقوعه على فضائل النفس
البشرية حين لا أذكر هذا الدرس الذى يقوله " مونتينى " منصفا أصدقاءه وخصومه على السواء : ( وسط هذا الاضطراب الذى يقوم فى بلادنا لم تنسنى مصلحتى الخاصة صفات أعدائى الطيبة ، ولا الصفات السيئة التى يتصف بها من أتبعهم . . إن الخطيب المصقع لن يفقد قيمته فى عينى لأنه يظهر نقائصى وعيوبى. يريد الناس أن يخدموا شهواتهم دون الحقيقة ، وإنى لأخدم الحقيقة دون شهواتى ، حتى لو أدى ذلك إلى الإجحاف بنفسى ؛ فإنى أخشى أن تفسدنى الشهوة ؛ لأنى أفقد الثقة فى نفسى فى كل ما يتعلق برغباتها . . )
وفقدان الثقة بالنفس عند مونتينى " فيما يتصل برغباتها هو الذى عبر عنه شاعرنا " البوصيرى بقوله
وخالف النفس والشيطان واعصهما
وإن هما محضاك النصح فاتهم
هذه خطوط كبرى وضعتها وأنا أرسم خطة لنقد كتابك أيها الأخ الكريم ؛ أما ما عدا ذلك من مسائل صغيرة فإنى محدثك بها ؛ وأنا واثق أنك ستجد فيها سرورا ؛ فما بقيت من اللذات إلا أحاديث الرجال ذوى العقول تحدثت يا أخى عن مزح " برناردشو " وهو مزح كنت أرجو منك أن تعقد موازنة بينه وبين مزح " مارك توبن " أمير السخرية فى العصر الحديث . ولست أدرى لماذا خطر على بالى أن يكون لمارك توبن مقام فى كتابك هذا بجانب " شو " حتى تجمع بين الساخرين من الحياة فى كتاب واحد .
على أننى أقرر دائما بأنك حر فى اختيار تراجمك ؛ ولكن الموازنة بين ساخر وساخر كانت ضرورية وأنت تترجم لشيخ الساخرين الأحياء .
وذكرت يا أخى كتاب " رأس المال " لماركس وأثره فى توجيه برنارد شو ؛ ولكنى لا أدرى لماذا أغفلت ذكر الكتاب الآخر الذى أثر فى " شو " أثرا كبيرا . وهو
كتاب Progress and Poverty الذى ألفه ، هنرى جورج ، والذى كان يبشر به شو " فى أول عهده بالخطب السياسية
وذكرت أسماء الفلاسفة الذين نهب " تولستوى من مناهلهم . واستطلع طلع آرائهم . فعددت أفلاطون . وكانت وشوبنهور ، وباسكال . ولكنى لا أدرى ما الذى أنساك اسم ( جان جاك روسو ، الذى كان يعبده تولستوى - بلا مبالغة - كما تعبد الألهة وكان يحلى جيده بصورة للفيلسوف الفرنسى الشهير تتدلى من رقبته ؟ .
ولا أوافقك يا أخى على قولك إن أحدا من الثائرين فى الروسيا فى القرن التاسع عشر لم يمهد السبيل للينين و " تروتسكى " كما فعل هذا الرجل - تعنى تولستوى ) فإن عوامل الثورة الروسية لم تكن - كما يقول المؤرخ الإنجليزى فيشر - بحاجة إلى مثيرين . . فقد كان الجوع والشقاء ، والسخط والاستياء والاختلاسات ، وسوء توزيع موارد البلاد ، وفضائح راسبوتين الراهب الخليع الفاجر فى البلاط والقائمة الطويلة من نكبات روسيا الحربية ، وفظائع Propopoff بروبوبوف وزير الداخلية كل أولئك مهد السيل لثورة لينين وتروتسكى أقوى مما مهدته كلمات تولستوى .
وتقول يا أخى إن " مونتينى " الفرنسى تخلى عن منصبه فى أخريات أيامه وشغل نفسه بالقراءة والتفكير ولزم بيته لا يكاد يفارفه . ولكن دجرانج Des Grange مؤرخ الأدب الفرنسى المشهور يقول بأن مونتينى " حبس نفسه بيني كتبه فى سنة ١٥٧١ ، أى قبل أن يموت بواحد وعشرين عاما . فلم يكن هذا المحبس الأدبى فى أخريات أيامه . وإنما كان لحقبة طويلة من العمر تبلغ ثلث حياة هذا الكاتب الكبير
ولن يبلغ الخلاف بينى وبينك فى مثل هذه التوافه من الملاحظات حدا ينسينى ذلك الفضل الذى أسديته إلى المكتبة
العربية بكتابك هذا ، وأنا أطمئنك على أنه سيتبوأ مكانه بين كتب التراجم وهو مكان أضعه فى القمم - غير مبالغ فى التقدير ولا مجامل لك فى بعض الود الروحى والفكرى الذى ألفته بيننا الأخوة الأدبية منذ قرأت لك كتبك ومقالاتك
ولا أعرفك يا أخى إذا كنت تغضب حين أسر إليك أن استعمالك للملاك بدلا من الملك ص ١٠٩ ، وللفعل " استأجز ، بدلا من استجاز ص ١٥٢ . وللفعل أثناه بدلا من ثناه ص ١٧٦ ، و للقسس بدلا من القسوس والقسيسين ص ١٩٨ . و لشهية الطعام بدلا من شهوة الطعام ص ٣٤٣ . أقول إن استعمالك لهذه الكلمات وأمثالها مما لا يقره الوضع الصحيح للغة العربية . ولكننى طامع فيك أن لا تغضب أو يضيق صدرك بمثل هذا . ولا تنس أنك رويت فى صفحة ٣٠٠ من كتابك العظيم - وأنا أعنى هذه الصفة - قولك عن دزرائيلى : كان يصحح زلاته بعناية فائقة . قائلا : لست أحب أن يتداول عنى الخلف أخطاء فى النحو )

