١٢٦ صفحة - مطبعة الزهراء بالنجف - العراق سنة ١٩٥٠
ليس هذا الكتاب ترجمة للسيدة الطاهرة سكينة بنت الحسين ، ولا تعريفا بها ، ولا دراسة لحياتها ؛ وإنما هو دفاع عنها ، وتبرىء لها مما اتهمت به فى بعض كتب التاريخ والأدب من تعرض بعض الشعراء للغزل بها ، ومما أسند إليها من الأخبار والأحاديث مع عمر بن أبى ربيعة الشاعر وعبيد بن سريج المغنى ، ومما نسب إليها من حضور مجالس الغناء والتحرر فيها من كل ما لا يليق بمسلم فى أى عصر به العصر الإسلامى الأول حيث الدين متين لم يدنسه طبع ، ولم يفسده مجتمع .
ونحن نجل أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أن تتناولهم الأغراض ، وأن ينسب إليهم من ملفق الأحاديث ومزور الأخبار ما لا يليق ببيت رفع الله قواعده على التقوى والطهر ، ونشكر الأستاذ المؤلف على توليه الدفاع عن قضية نرجو أن يكون الحق فيها بجانبه . فإنه لم يستند فى الدفاع إلى العاطفة وحدها أو إلى حبه لأهل البيت ، ولكنه جعل من القضية مسألة علمية يناقشها بالدليل ويقارعها بالحجة ويناهضها بتضارب الروايات حتى يحكم على القضية كلها بالانهيار .
ولقد اتبع المؤلف فى كتابه طريقة المحامين فى الدفاع عن المتهمين ؛ فإن اختلاف الروايات فى التحقيق الجنائى اليوم قد يكون سببا إلى سقوط الاستدلال فى الاتهام ..
وكذلك فعل صاحبنا الأستاذ الفكيكى فى قضية السيدة سكينة ؛ فأثبت من اختلاف الروايات فى الخبر الواحد دليلا على فساد الخبر كله ، وتبع ذلك الفساد ثبوت البراءة للمتهمة البريئة .
ولعل كتاب اليوم هو أول دفاع مطبوع قائم بذاته عن السيدة سكينة بنت الحسين ؛ فلم نقرأ فى الأدب الحديث إلا إشارات إلى مجالسها الأدبية (( وصالونها )) الأدبى الذى يعدونه اليوم أول صالون فى الإسلام ، وبهذا سبقت هذه السيدة الطاهرة سيدات أوربا - وخاصة فرنسا - فى الندوات التى خرجت كثيرا من الأدباء والشعراء فى عصورنا الحديثة . ولم نقرأ فى الأدب الحديث إلا إشارات إلى تزعم السيدة سكينة للأزياء وطرز اللباس . فقد كانت تصفف شعرها على هيئة طرة نسبت إليها ، فقيل (( الطرة السكينية )) ، كما نقول اليوم الطرة (( الباريسية )) ، والصفة (( الأمازونية )) ...
ولم نقرأ فى الأدب الحديث إلا اتهاما للسيدة سكينة بأنها كانت ( فى عفافها نزقة طائشة ، تؤثر الخفة على الوقار ، وتهوى أن يخلد حسنها فى قصائد الشعراء ) ، كما يقول الدكتور زكى مبارك فى كتابه : (( حب ابن أبى ربيعة وشعره )) ، ص ١٨١ .
ولم نقرأ فى تاريخ الأدب الحديث إلا اتهاما للسيدة
سكينة بنت الحسين بأن عمر بن أبى ربيعة شبب بها من قصيدة قال فيها :
أسكين ما ماء الفرات وطيبه
منا على ظمأ وحب شراب
بألذ منك وإن نأيت وقلما
ترعى النساء أمانة الغياب
كما ذكر ذلك المغفور له جورجى زيدان فى جاص ٢٧١ من كتابه (( تاريخ آداب اللغة العربية )) .
ولم نقرأ فى تاريخ الأدب الحديث إلا اتهاما للسيدة سكينة بأنها ( كانت ممن تغزل فيهن عمر بن أبى ربيعة ، ومن النساء اللائى كن يغرينه ويرسلن له الرسل ويهيئن له مجلسا معهن ليحدثهن ، وليقول فيهن لاهيا متغزلا ) . كما يقول الأستاذ حسان أبو رحاب فى كتابه : (( الغزل عند العرب )) .
ولكننا لم نقرأ دفاعا واحدا عن هذه السيدة التى انصبت عليها التهم من كل جانب ، فرماها السابقون وقلدهم اللاحقون ...
لهذا كان ترحيبنا بهذا الكتاب الذى جاء دفاعا عن مظلومة فى نظر كثير من الذين يتعصبون لأهل البيت ويحبونهم ويرتفعون بهم عن مثار الكلام ووقع السهام . وإذا كنا نقرأ مذكرات الدفاع عن فلان وفلان ، أفما أحرانا أن نقرأ كتابا برمته فى الدفاع عن سيدة من بيت النبوة ، أبوها الحسين ، وجدها على ، وجدتها فاطمة ، رضى الله عنهم أجمعين ؟ .
ولا أكتم للمؤلف العراقى الفاضل أن كل دفاع مجيد ورأى سديد يحمل فى ذاته دليل قوته ووجه حجته ، فلا يحتاج المدافع بعد ذلك إلى نبو فى الكلام ، أو عنف فى الخصام ، كما لايحتاج إلى الجارح من العبارات ، أو غير المألوف فى لغة الجدل من الكلمات . وما كان أغنى كتاب ( السيدة سكينة ) الذى نحن بصدده اليوم عن أمثال هذه الألفاظ : (( الإسفاف المزرى )) و (( الترهات المضحكة المبكية )) و (( الكلام المرذول الساقط )) وما إليها من العبارات التى يحرمها القضاء فى ساحات المحاكم تحريما تاما .
وقد كانت شخصية المتهمة الجليلة فى هذه القضية الخطيرة أولى بأن يتصون الدفاع فى التعبير ، إن لم يكن إجلالا للحق فى قداسته ، فإجلالا لشخص المتهم فى قرباه وطهارته ...
ولكنى أدع هذا الجانب من الدفاع ، فالمؤلف حر فى أسلوب دفاعه ، لأن الغرض الأول النبيل من تبرىء السيدة المتهمة هو عنده الهدف الذى يرمى إليه . وقد يكون تحمسه الشديد للقضية قد مال به إلى طريق لا تتفق وهدوء ، العلماء وصبر الحلفاء . ولكنى أود أن أقف معه وقفة قصيرة . لا حبا فى المناقشة . ولكن طمعا فى تصحيح بعض أمور لم تر من الإنصاف للحق أن نخفيها ، فإن الحق قديم كما يقول عمر بن الخطاب من رسالته فى القضاء .
ذكر المؤلف فى صفحة ٢٠ من كتابه أن الدكتور زكى مبارك قد فاته الصواب وخانته ذاكرته فيما كتبه عن سكينة فى كتابه (( حب ابن أبى ربيعة )) فإنه - يعنى زكى مبارك - ذكر أن القصيدة التى فيها : أسكين ماماء الفرات وطيبه ، قالها عمر فى اجتماعه بنسوة أهل المدينة ليلة الصورين . ونسب يعنى - زكى مبارك - ذلك إلى صاحب الأغانى ، مع العلم بأن صاحب الأغانى لم يذكر هذا الشعر لعمر بن أبى ربيعة فى ليلة الصورين ، بل ذكر له قوله :
ألم بزينب إن البين قد أفدا
قل الثواء لئن كان الرحيل غدا
هذا كلام الأستاذ توفيق الفكيكى ، وهو يفهم أن الأبيات الدالية التى منها (( ألم بزينب )) قيلت ليلة الصورين ، وأن الأبيات البائية التى منها (( أسكين ماماء الفرات )) إلخ لم تكن ليلة الصورين ، لأن صاحب الأغانى لم يذكر ذلك .
والحق أن ليلة (( الصورين )) هذه قد تحيرت بين الأبيات البائية مرة ، وبين الأبيات الدالية مرة أخرى برواية صاحب الأغانى نفسه . وأن الجزء الأول من (( الأغانى )) الذى يستند إليه الأستاذ الفكيكى فى التحقيق قد ذكر الأبيات الدالية - فى رواية على بن أبى صالح عن أبى هفان عن إسحاق عن مصعب الزبيرى - منظومة فى ليلة الصورين [ ص ١٠٥ من الأغانى طبع دار الكتب المصرية ] . كما ذكر الأبيات البائية - بسند الرواة السابقين أنفسهم !! -
منظومة فى ليلة الصورين أيضا ..! [ ص ١٦٢،١٦١ من الأغانى - الطبعة نفسها ] .
فالدكتور زكى مبارك على الحق - بل على الحق كله - حينما ذكر أن الأبيات البائية قيلت فى ليلة الصورين ... ولم تخنه الذاكرة . ولم يفته الصواب كما يقول الأستاذ الفكيكى . وإنما فات الأستاذ الفكيكى أن يقرأ بإحاطة كل ما يتصل بقضية السيدة الطاهرة البريئة سكينة بنت الحسين عليهما السلام. ولعل الله أراد بهذا الفوت من الأستاذ المؤلف أن يقدم له ولنا دليلا - غير أدلته القوية - على سقوط الاتهام فى حادثة ليلة الصورين ؛ فإن رواة يتفقون على حادثة فى مكان معين كالصورين ، ثم يختلفون على ما قيل فيها من الشعر لخليقة روايتهم بالحذر فى أخذها ، وخاصة إذا عرفنا أن اسم السيدة المصونة (( سكينة )) قد ورد فى الأبيات البائية على روايات مختلفة ؛ ففى كتاب (( أمالى القالى )) الطبعة الأميرية - ١ ص ٣١ : ( أعلى ماماء الفرات وطيبه ) . وفى - ٢ ص ٢٤ من طبعة دار الكتب ؛ ( أسكين ... إلخ ) . وفى رواية أخرى (( أسعيد ماماء الفرات ... )) وسعيد هنا هى سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف .
وهذه الأبيات البائية مظلومة - كالسيدة سكينة - فى ورودها على أكثر من سيدة عربية واحدة . وإلا فما السر فى أن تكون هذه السيدة تارة (( سكينة )) وتارة (( علية )) وتارة أخرى (( سعدى )) .
ولقد أدرك هذا الخلط الذى هو دائما فى مصلحة المتهم جماعة من المسلمين كالمرحوم الشنقيطى فى شرحه (( لأمالى الزجاج )) حيث علق على رواية (( سكينة )) (( وسكين )) قائلا إن الرواية الصحيحة (( سعيدة )) و (( سعيد )) وهى تصغير سعدى بنت عبد الرحمن بن عوف . وقد أخذ الشنقيطى هذا التصحيح عن الأصفهانى فى الأغانى ح ١٦ ص ١١٢ . وبهذه المناسبة ذكر الأستاذ الفكيكى فى ص ١٨ أن أبا إسحاق الحصرى صاحب كتاب (( زهر الآداب )) قال بعد أن روى الأبيات البائية على رواية (( سكينة )) ((وسكين )) : (كذب من روى هذا الشعر فى سكينة عليها السلام) . وقد أحالنا المؤلف على ح ١ ص ١٠١ من كتاب زهر الآداب . والذى فى الطبعة المصرية الرحمانية لهذا الكتاب ح ١ ص ٥٨
قول الحصرى : (وفى سكينة يقول عمر بن عبدالله بن أبى ربيعة المخزومى كذبا عليها) . وفرق كبير بين هذا القول وبين ما ذكره الأستاذ الفكيكى منسوبا إلى الحصرى . فإن الأول معناه أن من يروون هذه الأبيات فى سكينة كاذبون : والثانى معناه أن الأبيات قالها عمر ، وقالها فعلا فى السيدة سكينة ولكنه قالها فيها افتراء عليها محب كاذب ... وشتان بين القولين وبين النصين ... نصنا الذى أوردناه عن نسختنا المطبوعة من زهر الآداب .. أم النص الذى أورده الأستاذ الفكيكى عن نسخة أخرى مطبوعة لهذا الكتاب ؟
وبمناسبة الاختلاف فى النصوص التى يوردها المؤلف لفتت نظرى فى الكتاب ظاهرة خطيرة .. وهى إيراد آيات القرآن الكريم محرفة عن مواضعها ... ولو كان ذلك من أخطاء الطبع - أو مما يؤول فيه الخطأ المطبعى - لالتمسنا للمؤلف عذرا . ولكن ما باله - غفر الله له - يأتينا بقرآن من عنده لأنه ليس مما حفظناه ولا وعيناه ، والله تعالى يقول : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ...
وإلا فما بال المؤلف ينسب لله تعالى هذه الآية : ( قل لنسائك إن أردنك أن لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) . والذى نحفظه ونعرفه فى المصحف الذى بين أيدينا قوله تعالى فى سورة الأحزاب : ( وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) آية رقم ٣٣ . وما بال المؤلف - سامحه الله - ينسب إلى الله هذه الآية ( .... إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا لئلا تصيبوا قوما بجهالة ) . والذى نتلوه ونتعبد به فى كلام الله الذى بين أيدينا قوله تعالى : ( .. إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) . سورة الحجرات آية رقم ٦ . وما بال المؤلف - قوى الله ذاكرته - لو جاز الاعتماد فى القرآن على الذاكرة - ... ما باله يذكر الآية الكريمة ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) هكذا . يريد الله أن يذهب ... الخ ) ؟ أنظر سورة الأحزاب آية ٣٣ .
سبحانك اللهم ؟ ! حتى أقوى آية قرآنية وحجة سماوية فى الدفاع عن أهل البيت ، يحرفها مدافع عن أهل البيت .. ! ولكن الله يجزيه أحسن الجزاء بما دافع وبما أورد من حجج قوية لا نذكرها هنا ترغيبا فى قراءة هذا السفر النفيس.

