الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 640 الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, إنباه الرواة على انباه النحاة، لجمال الدين القفطي، نشر وتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم

Share

هذا الكتاب الذي عنى بتحقيقه ونشره الأستاذ الفاضل محمد أبو الفضل إبراهيم أحد الأعمال القيمة التي تضطلع دار الكتب المصرية بإخراجها للباحثين .

والكتاب كما يدل عنوانه معجم للنحاة منذ أبي الأسود الدؤلي إلى عصر المؤلف في القرن السابع إذ توفي كما نعرف عام ٦٤٦ ه . والقفطي عالم مصري ، او بعبارة ادق أديب مصري . ولد بقفط إحدي بلدان الصعيد ، وانتقل مع ابيه إلى القاهرة ، ورآء وهو في خدمة القاضي الفاضل ، واختلف أثناء ذلك إلى علماء القاهرة والاسكندرية ، حتى إذا اختار السلطان عثمان بن صلاح الدين اباه واليا علي بيت المقدس رحل معه هناك ، وظل يختلف إلى العلم والعلماء . ودار الزمن دورته ، وولى مصر العادل واخذ ابن شكر وزيره ، وكان مغاضيا لأبيه . خخرج عن ولايته خائفا وتبعه ابنه إلى حلب حيث امضي بقية حياته مشرفا على الديوان تارة ووزيرا أو منصرفا عن الوزارة تارة . وهو في الحالين جميعا موضع التكريم والتبجيل .

وإذا لاحظنا أن العادل ولي مصر سنة ٥٩٦ ه كان مع ذلك أن جمال الدين القفطي قضي في حلب نحو خمسين عاما في حياة هادئة ونعمة شاملة . فأتاح له ذلك أن يتوفر على الثقافة العربية بجميع فروعها ، وأن لا يكتفي بذلك بل يصبح مشاركا فيها ، فقد عد له كتاب التراجم اكثر من خمسة وعشرين كتابا في فنون مختلفة ، وقبه ياقوت وأشاد به في كتابه معجم الأدباء إشادة بالغة ، إذ يقول : " اجتمعت بخدمته في حلب ، فوجدته جم الفضل كثير النبل عظيم القدر سمح الكف طلق الوجه حلو البشاشة ، وكنت ألازم

منزله ويحضر أهل الفضل وأرباب العلم فما رأيت أحدا فاتحه في فن من فنون العلم كالنحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والرياضة والنجوم والهندسة ، والتاريخ والجرح والتعديل ، وجميع فنون العلم على الإطلاق ، إلا قام به أحسن قيام وانتظم في وسط عقدهم أحسن انتظام "

وهذه شهادة قيمة ترفع من شان القفطي بين معاصريه وتنضم إليها ضميمة اخرى أو شهادة ثانية من ابن شاكر في كتابه فوات الوفيات إذ يقول : " جمع من الكتب ما لا يوصف وقصد بها من الآفاق . وكان لا يحب من الدنيا سواها ، ولم تكن له دار ولا زوجة . وأوصي بكتبه للناصر صاحب حلب ، وكانت تساوي خمسين ألف دينار " فنحن إذا إزاء شخصية ممتازة وهبت نفسها وكل ما تملك للكتب وتلك لذة لا تعدلها لذة ، إذ تحوي لذة الاقتاء والتملك من جهة ، كما تحوي اللذة العقلية والروحية . وإذا كان في عصر من يشتهرون بجمع الطوابع أو بجمع بعض النفائس كالسحاجيد أو بعض الطرف الفنية كالصور ، فإن القفطي كان يجد لذة عقله وروحه وعينه في الكتاب ، وعرف فيه معاصروه ذلك فبادر رءياهم بزخائرها وأبدعها خطوطا وتجيلدا .

وروي الرواة أنه حصل على نسخة من كتاب الأنساب للسمعانى بخط يده وتصادف أن كان بها نقص فحاول الحصول على ما يسد هذا النقص ورجع إلى مظان النسخة فعثر على أوراق منها وافتقد أوراقا أخرى قيل له إن قلانسيا استعملها قوالب لفلانسه فضاعت ؟ فاشتد أسفه واحتجب في بيته ، وظل جمع من أصدقائه يزورونه تعزية له ، كأنما فقد حبيبا . ولا شك في أن هذه القصة تدل على مدى حبه للكتاب

السليم من الخطأ ومعرفته قيمة الكتاب أو بعبارة أدق قيمة النسخة التى يكتبها المؤلف من كتابه .

فما يصطلح عليه الناشرون الآن من تقديم نسخة المؤلف على بقية النسخ كان القفطي يعرفه تمام المعرفة ، وكان يحرص عليه حرصا بالغا ، لا للنشر والتحقيق بل للقراءة والفائدة . وقد ذكر ياقوت له كتابا يسمى " نهزة الخاطر ونزهة الناظر في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب "، وهذه ناحية هي الأخرى يعرفها من يتصلون بأمول النشر الحديث إذ توصف نسخ الكتاب المنشور ، وإذا كان على ظهر الكتاب أو على ظهر الورقة الأولى منه تملكات أو قراءات أو نحو ذلك ذكره الناشر . ويقول الأستاذ المحقق لهذا الجزء الأول من إنباء الرواة في مقدمته له : " نجده في كتابه ( الإنباء ) كثيرا ما يفخر بأنه اقتنى كتابا بخط مؤلف معروف أو ناسخ مشهور أو عثر على نسخة فريدة من كتاب لا توجد عند سواه " .

وليست هذه هي الملاحظة الطريفة الوحيدة التي يضعها الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم بين يدي من يحاول الإفادة من الكتاب ، فقد ضمن مقدمته له معلومات طريفة عن جمال الدين وعصره وأسرته وثقافته وحياته . حتى إذا فرغ من ذلك ذهب يتحدث عن الكتاب الذي ينشره مشيرا إلى مصدرين أساسيين ، اعتمد عليهما القفطي في صنع هذا الكتاب وهما : ١ - الكتب المؤلفة قبله التي يستقى منها وقد أحصاها عدا ، ٢ - ومعارفه التي استمدها من معاصريه أو وقعت تحت بصره .

ومعنى ذلك أنه حاول أن يدرس الكتاب وان يتعرف على منابعه ومظان نصوصه ، سواء أشار القفطي إلي ذلك صراحة أو لم يشر . ولفت النظر بجانب ذلك إلى أن الكتاب وإن كان قد وضع على أساس حروف المعجم إلا أنه ينقصه الترتيب الدقيق ، وليس ذلك فحسب ، بل إن بعض التراجم كرر بأسماء مختلفة .

غير أني وقفت عند قوله : ويظهر أنه تغلبت على الكتاب أسماء مختلفة ، فإن المؤلف يسميه في كتابه أخبار الحكماء ص ١١٣ باسم (أخبار النحاة ) وكذلك سماء ياقوت في معجم الأدباء وصرح بالنقل عنه ، والأدفوي في الطالع السعيد ص ١٩٥ ، وذكره السيوطي في البغية وحسن المحاضرة

وصاحب الفلاكة بأسم ( تاريخ النحاة ) . وذكره ياقوت مرة أخرى في ترجمته للقفطي باسم ( أخبار النحويين ) وكذلك سماه ابن شاكر في القسوات وعيون التواريخ . ثم استقر أخيرا باسم ( إنباء الرواة على أنباء النحاة ) كما هو على ظهر المجلد الأول من النسخة المصورة عن مكتبة ( طوب قبوسراي ) والمجلد الثاني من النسخة المصورة عن مكتبة ( فيض الله ) ، وكما نص عليه ابن مكتوم في التلخيص وهو أيضا يوافق ما في الطالع السعيد ص ٢٣٨ "

وفي رأي أن الكتاب ليس له أسماء مختلفة تقلبت عليه ، وإنما هذه اختصارات من كتاب التراجم ، بدليل أن صاحب الطالع السعيد سماء باسمه مرة ، ومرة اخري باسم ( أخبار النحاة ) . والأسم الثاني ليس اسما حقيقيا ، وإنما هو اختصار وتخليص من الاسم الطويل المسجوع الذي اختاره القفطي . فعبارة الأستاذ أبو الفضل " تقلبت عليه أسماء مختلفة " تحتاج شيئا من التعديل أو الإضافة بحيث تصبح مثلا " تغلبت عليه أسماء مختلفة في كتب التراجم " أما الكتاب نفسه ، فما دام لم يعثر منه إلا على نسختين وجد عليهما اسمه فإنه يكون صاحب اسم واحد حتى الآن ، وحتي يعثر على نسخ أخرى تضع أحد الأسماء التي ذكرتها كتب التراجم ، فيكون قد تغلبت عليه أسماء مختلفة .

ونحن إذا تركنا هذه المقدمة الطريفة التي قدم بها حضرة الأستاذ الناشر للكتاب وذهبنا نقلب صفحاته ونستعرض ترجماته . وجدنا جهدا حقا ، فكل ترجمة تعرض على كتب التراجم جميعا الموجودة في دار الكتب المصرية ما طبع منها وما لم يطبع ، وتذكر الصفحات ، فمثلا في ترجمة أحمد ابن محمد الحارزجي نجد في الهامش تعليقا على اسمه بما يلي : " ترجمته في الأنساب ١٨٤ وبقية الوعاة ١٦٩ وتلخيص ابن مكتوم ١٨ وروضات الجنات ٦١ وسلم الوصول ١٤٣ ، وطبقات ابن قاضى شهبة ٢٤٧/١ واللباب ٢٣٥/١ ومعجم الأدباء٤/ ٢٠٣ "وهكذا يخيل إلي الإنسان في كثير من الأحوال كأنما تحول الناشر إلى ما يشبه الآلة الدقيقة لرصد ترجمة من يسمهم القفطي في جميع المظان .

وهذا لا شك عمل يشكر له ، ولم يكتف به، فقد حاول أيضا التعريف بأسماء الأعلام الأخرى الواردة في التراجم ، وكأنه يحرص على أن يكون عمله تاما من حيث تحقيق

الأعلام والتعريف بها ، فإذا تركها إلي النصوص نفسها بذل جهد ، في ضبطها وتصحيحها محاولا أن يضع عنها مراصد من الكتب التي نقل عنها القفطي أو من كتب أخري اشتركت معه في نفس الترجمة ، مستخدما أثناء ذلك ذوقه وفهمه .

وإنه لينبغي أن يتقرر أن الناشر حين يخرج كتابا ليس معني ذلك أنه يسد الأبواب على قراءة نصوص الكتاب بالصور التى أخرجها فيه ، إنما يخرج قراءته ، ويترك للعلماء والباحثين أن يلاحظوا ما يشاءون على قراءته ، وأن يستدركوا بعض ما فاته ، ونحن مهما اثنينا على جهد محقق أو ناشر فلن نوفيه حقه وسهره الليالي الطوال في إصلاح كلمة أو كلمات ، وصدق الجاحظ حين يقول في الجزء الأول من كتاب الحيوان : " لربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف العاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام ، فكيف يطيق ذلك المعارض المستأجر ، والحكيم نفسه قد أعجزه هذا الباب "

وإذا كان تصحيح الكتاب يشق على مؤلفه نفسه كما يقول الجاحظ ، فما أعظم المشقة على الناشر الحديث حين يصير إليه كتاب أو نسخ من كتاب تداولتها الأيدي المفسدة والأقلام المصحفة ، ولهذا كان ينبغي لمن ينشر كتابا ألا يحاول ذلك من نسخة مغلوطة قد تعاقبت على نساخ ساقطين ، فإن ذلك يدخل الخلل ابتداء على عمله ، وإن نجا من بعض السقطات والأغلاط فقط ينجو من الأخرى .

والأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم ينشر إنباء الرواة عن نسخة تجمع كل الأجزاء وأخري ناقصة ، واعتمد الأولى أصلا لنشره بسبب كمالها ، وهي نسخة تعد جيدة ، وإن كان ذلك لم يعفه من تعقبها وإصلاحها في غير موضع ، مشيرا إلى ذلك كلما تعقب أو صحح ؛ وسأضرب بعض أمثلة لقراءات ذهب إليها في ترجمة واحدة هي ترجمة أبي الأسود الدؤلي أولى ترجمات الكتاب ، ومن الممكن أن يري فيها بعض القراء أو الباحثين وجوها أخرى من القراءات ، وهذا لا ينال جهده بحال .

فمثلا نجد القفطي يتحدث عن ابن النديم ، وانه رأي عند رجل كتبا بخطوط قديمة وينقل عنه قوله : " إلا أن الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملا درسها وأحرفها " وعلق في الهامش على كلمة ( أحرفها ) فقال : من قولهم :

أحرفت ناقتي إذا أهزلتها ، والمراد : غيرها ، وفي رأي أن صحة الكلمة ( آخرمها ) أي جعل فيها خروما ، والخروم في الكتب معروفة ، وهذا طبعا ليس أكثر من ترجيح ، ومثل ذلك هنا البيت يقوله أبو الأسود في شخص يريد به السوء ثم يرجع عن ذلك :

فكر قليلا ثم صد وقد نئت

                على كرهه أنيابه وانامله

ومعنى كلمة ( نئت ) كما في الهامش : أظهرت ودلت ، ووراءها أن الأصل كان : نبت ، وفي رأيي أن الأصل صحيح أو على الأقل يمكن توجيه فلا داعي لتغييره ، فالأصل عدم التغيير ما دام التوجيه ممكنا . وتمسك الأستاذ الفاضل برواية الأصل لهذا البيت :

ومن لبس النعال ومن حذاها

                   ومن قرأ المثاني والمبينا

هكذا ( والمبينا ) مع أن رواية الأغاني ومقاتل الطالبين كما ذكر في الهامش ( والمثينا ) أي السور الكريمة ذوات المئات من الآيات . ومن ذلك أيضا أن أبا الأسود أصابه الفالج وكان معروفا بتشيعه لآل علي ، فزاره عبيد الله بن زياد صاحب البيت الأموي وحاكم العراق فقال له : " لو وجدتك صحيحا لاستعملتك ؛ فقال ( أبو الأسود ) إن كنت تريد الأمانة والغناء فعندى وإن أردت المراهنة فليس عندي " وفي رأي أن كلمة المراهنة حرفت فيها الراء عن الدال فهي المداهنة.

وبعد فهذه أمثلة أردت بها أن أدل على أن الكتاب المنشور نشرة محققة كهذا الكتاب تبقى فيه دائما باستمرار عدة مواطن من حق القاريء أن يقف عندها وأن يقرأها قراءة اخري أو يؤثر أصلها ، وذلك لا يمس بحال الجهد العظيم الذي يبذله ناشر في كتاب عكف عليه مدة طويلة من الزمن بحث ويحقق ويدرس ويقارن ، وإننا لنرحب بهذا الجزء الأول من إنباء الرواة ، ونأمل أن نقرأ أجزاءه الأخرى في أوقات قريبة متعاقبة ، حتى تتم الفائدة منه ، وحتي يحظي به الباحثون كاملا علي هذا النحو من العناء والتحقيق .

اشترك في نشرتنا البريدية