-١-
كنت أظن أنى سأقرأ هذا الكتاب القيم فى يسر لا يشوبه عسر ، وسهولة لا تمازجها صعوبة من تحريف أو تصحيف يفسد على اللذة الصافية التى أجدها فى قراءة كتب أبى حيان التوحيدى ، أحب الأدباء القدماء إلى قلبى ، وأعظمهم مكانة فى نفسى ، وكان مرد هذا الظن أن ناشره أستاذ جامعى مشهور ، وفيلسوف جم النشاط ، غزير الإنتاج يعرف أمشاجاً من لغات شتى ، فإذا نشر كان نشره علمياً مثالياً ، وكنت أظن أيضاً أن الدكتور "عبد الرحمن بدوى" سيقدم للكتاب بمقدمة رائعة ، قوامها المنطق السليم والبحث العميق ، والاستنتاج الدقيق ، والرأى الصائب المؤيد بالأدلة الناصعة ، والبراهين الساطعة ، ويكون رائده فيها الحق المجرد ، والإنصاف الخالص وقصده الأول بيان قيمة الكتاب وشرح فكرته . وكشف حقيقته حتى يكون القارئ على بصيرة منه قبل شروعه فى قراءته . كنت أظن هذا وذاك ، ولكن شيئاً من ذلك كله لم يتحقق . فقد لقيت فيه مشقة بالغة ، وضقت ذرعا بالأخطأء المنكرة التى تموج بها صحائفه ، وعفت الشروح الغريبة التى تحيل المعنى وتفسد الفكرة ، وتناقض قصد المؤلف ، وتملأ نفس القارئ بالعجب المضحك ، ولكنه ضحك كالبكاء ، كما قال أبو الطيب . وهناك أمر آخر له خطره وقدره ولا مناص من ذكره ، وهو أنى أشك فى كمال نص الكتاب ؛ ولست أعى النقص الواقع فى أصله ، ولكنى أعنى نقص المطبوع عن المخطوط ، والذى حملنى على هذا الشك أنى قرأت صفحتين نشر صورتهما الدكتور فى صدر الكتاب ، وقارنت بين ما جاء فيهما وبين ما جاء فى هذه الطبعة فألقيت فى كل صفحة منهما نقصاً ملحوظاً . جاء فى ص ٢١٤ المطبوعة " .. أو ليت من حطنى عن
درجات المخدومين رقاني إلى مقامات الخدم ، أو ليت من حظر علي البسط عنده ، لم يحظر على التبصبص له"، وإذا قرأنا هذا الكلام في ص (٨٩-١) المصورة وجدناه هكذا "أو لبث من حطني عن درجات المخدومين رقاني إلى مقامات الخدم ، أو ليت من حرمني روح المخصوصين كفاني من لواذع السدم والندم ، أو ليت من نبذني وراء كل شئ من على بشيء . أو ليت من حظر على التبسيط عنده لم يحظر على التبصيص له"
فأنت تري أن الدكتور لم يكن أمينا في نقل النص ، وليس ذلك من باب السهو الذي يقع عادة في النقل . فإن ذلك يمكن ان يقال في غير صفحة اختارها الناشر للتصوير اختيارا ، وطبيعي أنه لا يختارها إلا بعد المراجمة الدقيقة. ولبيان معنى السدم ننقل ما ذكره ابن منظور في لسان العرب ١٧٥/١٥ قال : " فلما يفرد السدم من الندم ، والسادم : المتغير العقل من الغم ، أو الحزين الذي لا يطيق ذهابا ولا مجيئا " .
وجاء في صفحة ٩٣ المطبوعة "وفيك ترغب الزاهدين الشاكين . ورحمتك ترجو محتاجين مفتقرين وعن ربوبيتك ننقر واحدين مرجين ، وبصحبتك تفتخر بهجين وفرحين ، يا هذا ارحم غربتى في هذه اللغة العجماء، وبين هذه الدهماء ، الضراء ، وتعحب من يدائي في هذه القلاة المغيراء ، بين الأرض والسماء ، فلا أحد يجيب مساعدا أو معينا " وإذا رجعنا إلى ص (٤٠ ب) الصورة وقرأنا هذا الكلام هناك تملكتنا الدهشة ؛ لأن الدكتور الناشر لم يحسن قراءة بعض الألفاظ ، ففي النص المخطوط "واجدين مرجين" لا "مرجين" كما قرأها وكتبها الدكتور،
ومن الغريب حقاً أن ناسخ الكتاب قد وضع تحت حاء "مرحين" حاء صغيرة لئلا يقراها قارئ خاء أو جيما ، ولكن الدكتور لم يفطن لهذا التمييز الواضح . وفى النص المخطوط أيضاً "الدهماء العراء" لا " الغبراء " كما قرأها الدكتور وكتبها ، وفيها أيضا " وتعجب من ندائى " لا من "بدائى" وقد وهم الدكتور فظن نقطة نون "من" نقطة لنون "ندائى" التى قرأها باء ، ولو نظر لقول أبى حيان بعدها " فلا أحد يجيب مساعداً " لفهم المعنى وقرأها صحيحة "ندائى" لا "بدائى " ؛ فإن الإجابة تناسب الأولى وتباين الثانية .
وجاء فى صفحة ٩٣ المطبوعة نفسها "أين العقول الحصيفة أين الفرائح الصافية .. وإذا رجعنا إلى هذا الكلام فى الصورة ص (٤١ - ١ ) وجدناه هكذا "أين العقول الحصيفة ، أين الآذان الصاغية . أين الألباب الثاقبة . أين الفرائح الصافية" ، فأنت ترى من المقارنة بين هاتين الصفحتين أن الدكتور لم يكن أميناً فى نقل النص . وأنه لم يحسن قراءة الكلمات الواضحة فى المخطوطة ، وإذا كان ذلك قد وقع فى صفحتين مختارتين فما بالك بسائر صفحات الكتاب !
ومن أجل ذلك كله أقول - والأسف يملأ جوانحى - إن الدكتور عبد الرحمن بدوى قد أفسد هذا الكتاب بنشره له على تلك الشاكلة الخاطئة وأساء إلى نفسه وإلى أبى حيان إساءة بالغة مؤلمة ، قل أن يوجد لها نظير أو شبيه فى ميدان النشر .
وإن خالج القارئ سائح من الشك ، أو ساوره خاطر من الإنكار ، فإنى أسارع وأضع أمامه أمثلة ، متنوعة لأوهام الدكتور تستفد عجبه . ونفعه يأتى لزمت جادة الحق والقصد فيما قلته عنه ووصفته به .
١ - ص ٢٧ : يقول أبو حيان مخاطباً أحبابه : "فارعوا ذمام خدمتى لكم ، وحافظوا على ما تحملت فى فقد شربت العلقم فى هواكم ، وداريت العدى تحملاً لكم ، ولزمت الصمت حتى نسيت الكلام . واعتزلت حتى قيل هو من الوحش ، وغضضت الطرف حتى قيل من العميان "
قال الدكتور عبد الرحمن بدوى فى شرحه : "الكلام هنا بمعنى علم الكلام ، والقرينة فى قوله : اعتزلت ، أى صرت
من أهل الاعتزال أو المعتزلة ، واعتزلت بعدها بمعنى توحدت وانفردت" !!
هذا شرح مضحك حقاً : فإن أبا حيان لم يرد بالكلام إلا معناه المعروف للعامة والخاصة ، ولست أدرى كيف فهم الدكتور أن أبا حيان نسى علم الكلام لما لزم الصمت ، وما العلاقة العجيبة بين هذا الصمت وعلم الكلام ؟ وكيف تكون "اعتزلت" بمعنى توحدت وانفردت قرينة على أن المراد بالكلام علم الكلام ، وما الصلة بين التوحد والانفراد وبين مذهب الاعتزال ؟ لست أدرى ، ولعل هناك صلة فلسفية لا يدركها إلا عقل فيلسوف.
٢ - ص ١٥٨ : يقول أبو حيان " هذا ذرو من الحديث عن هذا المقام الذي وصل إليه بعض الكرام ، ثم وراء ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت " أخطأ الدكتور في شرحه كلمة ذرو خطأ غريبا عجيبا إذ يقول : "ذررو : من ذرا يذروا : أطار وأذهب "!!
والصواب : " ذرو من الحديث : أى طرف منه . جاء فى اللسان ٣١٣/١٨ " ذرو من قول : أى طرف منه لم يتكامل"
٣ - ص ٢٣٦ : "نعم يا سيدي ، حدثني إن الحديث من الفري ".
أخطأ الدكتور في ضبط كلمة "الفري" ونقطها وشرحها وقال : "الفري كغني . يقال : هو يغري الفري : أي يأتي بالعجب في عمله".
والصواب : "إن الحديث من الفري" وهو تعبير مشهور متداول في كتب الأدب ، قال الشاعر :
لحافى لحافه والبيت بيته
ولم يلهنى عنه غزال مقنع
أحدث إن الحيث من القرى
وتعلم نفسى أنه سوف يهجع
راجع حماسة أبي تمام ٢٤٤/٤ ، وقال آخر : ورب نضو طرق الحي سري صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إن الحديث جانب من القري
وأظن أن قرى الأضياف بين لا يحتاج إلى شرح نظرى ! ٤ - ص ١٤٦ : " فقد جمدت العيون فما تدمع .
وتكبرت القلوب فما تخشع ، وكلبت البطون فما تشبع" .
قال الدكتور "كلب كفرح : أصابته شدة وضيق" وهذا خطأ طريف ، والصواب ، "كلبت البطون :
أى ضربت على كثرة الأكل وتعودته ، جاء فى اللسان ٢١٨/٢ "وكلب الكلب واستكلب : ضرى وتعود أكل الناس ، فأخذه لذلك سعار وداء شبيه بالجنون ، وقيل : الكلب : جنون الكلاب ، وفى الصحاح : الكلب شبيه بالجنون ، ولم يخص الكلاب " .
٥ - ص ٣٤٩،٣٤٨ يقول ابو حيان فى الحديث عن قصر العمر : "فما لبثنا فى هذه البلدة الوبيئة ، والمدينة الحرجة إلا ... كحلم النائم فى الليل ، أو كظل قد أخذ فى النقصان أو كالنقابة من مول ، أو كنوهم من النفس ، أو كلمح البصر أو هو أقرب".
قال الدكتور "النقابة بفتح النون : مصدر نقب على القوم ، من بابى علم وكرم : صار نقيبا عليهم ، أو النقابة بالكسر : الاسم ، وبالفتح المصدر" !!.
ويبدو أن الدكتور لم يحسن قراءة الكلمة في المخطوطة ، فأخطأ في نقطها وشكلها وشرحها خطأ بعد بها عن المعنى . والصواب : "أو كالتفاتة من مول" فإن قصر الالتفاتة من الذاهب المولي المتلفت إلي ما وراءه هو المناسب المح البصر وما قبله من تشبهات ، وأما قصر مدة نقابة النقيب فشئ غير معروف ولا معنى له . ولست أدري كيف استساغ الدكتور قرنها بحلم النائم ولمح البصر في مضمار التشبيه .
٦ - س ٣٠١ : "وإن شكا عجزوه ، وإن بخل مقتوه ، وإن صرح طردوه ، وإن كنى عائدوه . وإن ساعد استقلوه ، وإن نافر استحملوه "
قال الدكتور : " استحمله نفسه: حمله حوائجة وأموره" وسالة أن يحمل ، واستحمل قوي على الحمل وأطاقه".
ولو كان الدكتور يعرف معنى "المنافرة" فى لغة العرب وأنها المفاخرة والمحاكمة فى الحسب ، لعلم أن الصواب ، وإن نافر استخملوه" بالخاء لا بالحاء أى عدوه حامل النسب والحسب لا يصلح المنافرة .
٧ - ص ١٧٣ : "فلهذا وانرث فى هذا الجزء الكلام فى الأخلاق وتهذيبها ، فإنك بذلك تصفو بعد التهذب . ثم
ليس بعد الصفو إلا ما إذا بدا من الحق بادية وانك وجملك وأطلعك على الغيب وأشهدك".
قال الدكتور "الوانك : الواكن ، ونك فى قومه تمكن فيهم ، ووكن الطائر بيضه وعليه يكنه : حضنه ".
وهذا خبط وخلط مرده إلى أن الدكتور لم يفطن إلى ذلك التحريف الساذج فى الكلمة التى شرحها ، والصواب "زانك وجملك" لا "وانك وجملك" ثم ما معنى هذا الذى كتبه فى الشرح .
٨- ص ١٥٢ "لقد رأيت خلقاً كثيراً ، وعرفت صغيراً وكبيراً ، فما رأيت أجنى منك على نفسك ، ولا عرفت أو هى منك فى طلب أيسك ، أما آن لك أن تقلع عن هذا الإضرار ، أما وجب عليك أن تستحى من مخالفة الله فى الجهاز والسرار ؛ "قال الدكتور : "الأيس : القهر ، يقصد : ليس أضعف منك فى طلب ما تقهر به الناس ، وتسمو به عليهم" .
لم يقصد أبو حيان هذا المعنى ، ومحال أن يقصده في هذا المقام ، ولم يقل كلمة "أبسك" وإنما قال : "ولا عرفت أو هي منك في طلب أنسك" ومن العجيب أنه كرر هذا المعنى في الصفحة نفسها حيث يقول : "وما أغفلك عن حظك في عافيتك ، إن أنت إلا بلاء على نفسك ، وحجاب بين روحك وأنسك " .
وبديهى أن كلمة " الإضرار " بالضاد محرقة عن "الإصرار" بالصاد ، ولكن الدكتور لم يفطن إلى هذا التحريف البسيط ، بل لعله أحدثه .
٩- س ٣ و ٤ "فيا جافي الطبع ، ويا قاسى القلب ، ويا سئ الاختيار . كيف يطمع الطامع في رشدك ، وهذا نظرك لنفسك ؟ أشهد أنك غبين الرأي مسلوب التوفيق ، على أنه قد بقي من شمسك شفى ، فإن تداركت يقينك رجوت لك أن تسلو عن فائتك".
قال الدكتور "شفيت الشمس شقي : غربت "... وهذا خطأ ؛ فإن معنى "شفي هنا : قليل ، جاء في اللسان ١٦٧/١٩ "وما بقي من الشمس والقمر إلا شفي ، أي قليل " .
١٠ - ص ٤ : يقول أبو حيان بعد الكلام السابق "وإن جنحت إلى النوائى وذهبت فى آفاق الأمانى ، لم ترث
من حالك إلا حسرة ، ولم تمضغ بفمك إلا جمرة ، يا هذا خفض أسى عما ساءك طلابه :
"ما كل شائم يأرق يسقاه "
حسب الدكتور أن هذا النص نثر كله ، وليس فيه من الشعر إلا الشطر الذي افرده في سطر وحده . وليس الأمر كما حسب ؛ فإن آخر نثر أبي حيان كلمة " يا هذا "، وما بعدها بيت من الشعر تمثل به وهو :
خفض أسى عما شآك بطلابه
ما كل شائم بارق يسقاه
فساءك محرقة عن "شآك" والبيت للبحترى كما ديوانه ٣٢٣/٢ وقبله :
والشئ تمعه يكون بقوته
أجدى من الشئ الذى تعطاه
١١ - ص ٢٠ يقول أبو حيان : "إلى متي نقول بأفواهنا ما ليس في قلوبنا ، إلى متى تدعي الصدق والكذب شعارنا ودثارنا . إلى متى تتمادي في الغواية وقد في العمر بليلنا ونهارنا ، إلى متى تنافس بذكره وزنانيرنا في أوساطنا ، إلى متى تخلد إلى الدنيا وقد دنا منها رحيلنا ؟ " .
قال الدكتور في شرح الزنانير : "جمع زنار ، كناية عن الخضوع لله "
وهذا شرح غريب حقاً ، وبعده عن الصواب كبعد الأرض عن السماء ، ولكنا نمضى مع صاحبه لعلم مقدار فهمه لكلام أبى حيان . لقد فهم أن أبا حيان يريد أن يقول إلى متى نتبارى فى إظهار ذكر الله ، ونحن خاضعون له كل الخضوع ، ويا له من فهم سئ إلى الدكتور وإلى أبى حيان معاً . من قال لك يا دكتور إن لبس المسلمين للزنانير فى أوساطهم كناية عن خضوعهم لله ، وهم لم يلبسوه فى أى عصر ولا مصر ، ولعلك تعلم أنهم قد فرضوا لبسه أيام عزتهم وصولتهم ، على المجوس واليهود والنصارى ليكون سمة لهم ، وعلامة تدل عليهم أينما كانوا وحينما حلوا . ولو صح ما اقتريته من ذلك لكان أبو حيان مخرفاً يهرف بما لا يعرف ، ويخبط فى قوله خبط البله المجانين ، الذين يقولون القول يدفع أوله آخره ، وينقض آخره أوله ، ولكن أبا حيان رجل عاقل يكتب ما يكتب عن بينة وبصيرة ، فهو يقول : "إلى متى تتنافس بذكره وزنانيرنا فى أوساطنا" ، أى إلى متى نكذب الله والناس عن أنفسنا فنظهر خلاف ما نبطن ، وتتبارى فى
إظهار ذكره بألسنتنا لندل على إسلامنا ، بينما نعمل أعمال غير المسلمين من النسبين الذين يلبسون الزنانير .
وهذا هو المعنى الصحيح الذى قصده أبو حيان من ذلك التعبير . وأما أن يكون "لبس الزنانير كناية عن الخضوع لله "، فشئ لا نعرفه ، ولا نسيغه ، ولا يرتضيه ، وإن عرفه الدكتور عبد الرحمن بدوى وساغه وارتضاه وما توفيقي إلا بالله .

