الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, الإشارات الالهية، لأبي حيان التوحيدي، بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بدوي

Share

-٢-

١٢ - ص ٢ بقول أبو حيان " يا هذا إن كنت ناكلا فنح على ما أصبت به ، وإن كنت مكروبا بالسر فبح " .

أخطأ الدكتور في ضبط هاتين الكلمتين كما أخطأ في شرح المعنى إذ يقول : " أي ألق علي مصابك " !!!

والصواب " فنح على ما أصبت به " ويؤيده قول أبي حيان في ص ١١٣ : " ونح على نفسك نوح النكول " .

وهذا هو البيان الصريح ، واللفظ الصحيح كما قال أبو حيان في ص ٢٩٤ ؛ فمن أخطأ ، فليقرا تمام كلامه في الصفحة نفسها ، فإنه يقول : " فأطل البكاء وأجد اللطم ، وتجرع مرارة الكأس ، المزعة بالحسرة واليأس . وليت البكاء نفعك ؛ وليت النوح أجدي عليك ! وليت الحسرة أفادتك ! وليت الندامة نفعتك ! هيهات ! قت قوتا لا درك بعده ، وبدت بيودا لا عود معه ، والعثرة غير مقالة . والمحنة غير مزالة ، والحال غير محالة . ." ١٣ - ص ٤ تمثل أبو حيان ببيت ، ولم ينسيه . وهو :

وما هو كائن وإن استطلنا

                           إليه النهى يوشك أن يكونا

وعلق عليه الدكتور بقوله : " استطلنا الهي : النهي أي الوصول والبلوغ ، واستطلنا أي وجدناه طويلا ، أي وجدنا الوصول إليه عزيزا " .

وهذا شرح خاطئ لكلمة محرفة ثم ينطق بها الشاعر ، والصواب " وإن استطلنا إليه النهج " لا " النهى"

كما جاء في ديوان البحتري ٢ / ٣٠١ والنهج : الطريق .

١٤ - ص ١٠،٩ يحدثنا أبو حيان أنه انتهي إلي حال ثم يشهد فيها إلا النعمة ، ولم يحس إلا بالثقة والكرامة " وذاك أني رأيت الفؤاد محشوا بالمعرفة . واللسان لهجا بالذكر ، والإشارة نافذة بالتوحيد ، والقلب مترعا بالإيقان ، والسر مطمئنا بالوعد ، والأذن صافية إلى النداء . والهينمة ناعية بالنجاه الراسخ على الوفاء . فهل بعد سدة النعم والكرامات ، وبعد هذه الآثار والعلامات ، وبعد هذه السمات والأمارات ، وبعد هذه المرامات والمقامات ما يهتدي إليه اقتراح بشر ، أو يكون لأحد من الخلق عنه خبر أو أثر ؟ " .

شرح الدكتور الوعد بقوله : " أي الوعد بعدم البوح بالسر " وهذا خطأ ؛ فليس في سياق الكلام ما يدل على أن أبا حيان أخذ على نفسه العهد والميثاق ألا يفشي " السر " المزعوم ، ولست أدري من أين جاء الدكتور بهذا " السر " ولا على أي وجه فهمه ؟ وكلام أبي حيان واضح لا لبس فيه ، فهو يقول : " والسر مطمئنا بالوعد" ، أي أن ضميره مطمئن بوعد الله الحق الذي وعد به عباده .

ولا معنى لقول أبي حيان " والهينمة ناعية بالنجاه الراسخ على الوفاء ، كما نقل الدكتور ، والصواب " والمهينمة ناغية " بالغين لا بالعين ، إذ لا معي للنعى هنا .

وقال الدكتور في شرح قول أبي حيان " فهل بعد سدة النعم والكرامات " : " السدة ظلة فوق الباب"،

وهذا خطأ فإنا نعهد أبا حيان كاتبا بصيرا ، فكيف يأتي بلفظ " السدة " في هذا المقام ويقصد منها معنى السبوغ ؛ إنه لو فعل ذلك لاتخذناه دليلا على أنه لا يعرف أسرار العربية ، بل ولا بسائط التعبير . ولكنه - ولله الحمد - لم يقل ذلك اللفظ ، ولم يدر له بخلد ، وإنما قال : " فهل بعد هذه النعم والكرامات " وكذلك جاء في أصل الكتاب المخطوط واضحا جليا ، ولعل الدكتور لم ترق في نظره كلمة " هذه " فوضع بدلها " سدة " ، وفلسف شرحها بما رأيت !

١٥ - ص ١٢ يقول أبو حيان : ولعمري إن التصافي بين الشخصين والتناعي بين المتشاكلين يوجبان ذلك ويجدوان عليه . ولكن مع كل خطرة خيال ، ومع كل نظرة وبال ،ولكل أســمان حال ، ولكل مقام مقال " . حرف الدكتور الكلمة وشرحها بقوله : " جدا عليه : أععطاء الجدوى ، أي العطاء " .

وهذا شرح يفسد المعنى فسادا كبيرا ، والصواب " ويحدوان عليه " بالحاء لا بالجيم ، كما جاء في المخطوطة ، ولعل الدكتور لم يتبين لكلمة " يحدوان " معنى يناسب المقام فجعلها " يجدوان " بالجيم ، وشرحها بما رأيت . ومعنى " يحدوان " : يبعثان ، جاء في لسان العرب ١٨٤/١٨ . " وفي حديث الدعاه : تحدونى عليها خلة واحدة ، أي تبعثني وتسوقني عليها خصلة واحدة ، وهو من حدو الإبل ، فإنه من أكبر الأشياء على سوقها وبعثها " .

وقال الدكتور في شرحه لقول أبي حيان : " ولكل أسمان حال ، ولكل مقام مقال " : " الأسمان والأسمال الأنواب البالية . والمعنى لكل حال لبوس " !!!

وهذا المعنى الذي ذهب إليه الدكتور خطأ صراح ، ولم يقل به أحد غيره . والصواب : " ولكل إنسان حال "

١٦ - ص ١٢ ورد هذا البيت :

ويؤنسني وعد كورد بقبعة

                   متي رمته كلسعت بيداء بلقعا

والصواب " ويؤنسني " وقال الدكتور في شرح " كورد " : " الورد : الإشراف على الماء دخله أو لم يدخله " !!!

وهذا خطأ يفسد التشبيه . والصواب ما جاء في لسان العرب ٤٧١،٤ " الورد : الماء الذي يورد " .

١٧ - ص ١٣ " فغايتي معك عند إشكال قصتي عندك أن أقول :

طربت ولم أطرب ونمت ولم أنم

                   ولم ندر ما ألقي ولكنني أدري

ضبط الدكتور "تاء" طربت وتمت بالضم وهو خطأ يحيل المعنى ، والصواب : " طربت وتمت " بفتح التاء فيهما كما جاء في المخطوطة .

١٨ - ص ١٤ " وإذا قيل هذا أوان الروح والفرح ختم هناك الويل والجراح ، فهلم يا سيدي إلي شجو قد أمرت علينا كأسه . . وغالب ظني يا سيدي انك لمساعدتي على هذا الشجو تؤثر اثرا يخف به ما بنا " .

أما قوله : " وإذا قيل هذا أو ان الروح والفرح ختم هناك الويل والجرح " ففيه عدة تحريفات أحدثها الدكتور ، وقد شرح الكلمة الأخيرة بعد أن حرفها فقال : " جرح جرحا محركة : أصابته جراحة " .

وهذا خطأ وإذا رجعنا إلى هذا النص في النسخة الخطية تبينت لنا التحريفات التى أحدثها الدكتور فيه . جاء في المخطوطة : " وإذا قيل هذا أوان الروح والفرج جثم هناك الويل والخرج " .

وندع للقاريء البحث عن السر في هذه التحريفات ، ونمضي لطيتنا فنقول :

ضبط الدكتور قول أبي حيان " ولا بال إلا وقد كسف بالقنوط " بضم السين ، والصواب " كسف " بفتح السين .

وقد أخطأ أيضا في ضبط قوله : " فهلم يا سيدي إلي شجو قد أمرت علينا كأسه حيث ضبط " أمرت " بض الهمزة وكسر اليم ، والصواب ) أمرت " بفتح الهمزة والميم ، من المرارة كما يتطلبه المعنى وقوله : " وإنك لمساعدتي " خطأ ، صواب " بمساعدتي " كما جاء في الأصل المخطوط .

١٩ - ص ١٥ : " الله أسأل أن يزيدك من مواهبه الصافية ما تصير به فردا ، ويوردك من شرائعه الصافية ما تزداد به ربا " .

والصواب " من مواهبه الضافية" بالضاد لا بالصاد . والصواب كذلك " ما تزداد به ربا " بالباء المشددة

لا بالباء كما أوردها الدكتور وشرحها حيث يقول : " الربا بالكسر الفضل " !!

ص ١٥ يقول أبو حيان : " أما تري هذا التهادى والتمايل في هذه المعاني التي تلفظها من ناحية العقل بعد انتشارها على بساط الأنس .."

والصواب كما جاء في المخطوطة " تلفظها . . بعد انتشارها . .".

٢٠ - ص ٢٢٧ " فلا العلم بإختلاف الأحوال نافع ، ولا الجهل به ضار ، بل ربما ضر العلم ، وربما نفع الجهل ، وربما نيل بالحنط ، وربما فات بالتأنى ، وربما بعد النائى وربما قرب النائى . .".

قال الدكتور ، وما أضرب ما قال ! " نيل لفظ النيل ، ثم دفها إلى الرامي ليرمي بها من جديد . والحنط النيل يرمي بها . والمعنى انه ربما يلتقط النيل بالنيل ، أي يداوي الداء بالداء نفسه "...

ماذا أقول في نقد هذا الشرح العجاب ؟ أقول إن مثل هذا الفهم هو الذي شحذ عزم أبي حيان على حرق كتبه بالنار وغسلها بالماء ، وجعله يقول لمن لامه على صنيعه : " فشق على أن ادعها لقوم بتلاعبون بها ، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها . . وإن عياني منهم في الحياة هو الذي حقق ظني بهم بعد الممات ".

رحمك إذ يا أبا حيان ، فقد كنت تري الغيب من وراء حجاب ، وجاء بعدك من يصحف عليك صحيح كلامك ويخبط في فهم سماء خبط عشواء ، بل ولا يحسن قراءته . جاء في النسخة المخطوطة : " وربما نيل بالخبط . وربما فات بالتأني . . أي وربما خبط الإنسان في ابتغاء مراده خبط عشواء فناله ، وربما تأتي ليلة أشد التأني ففاته ولم يدركه .

ومن أعجب العجب أن ناسخ الكتاب قد احتاط ، ووضع كسرة ظاهرة تحت نون " نيل " حتى لا يخطئ في قراءتها إنسان . . وصدق أبو حيان في نعته الذي تتمثله فيمن تراهم بين ظهرانينا ممن نالوا بالخبط درجات العلماء .

٢٠ - ص ٢٥ : يقول أبو حيان إنه كتب إلى أحباب قلبه عن " شوق يعصر الدموع إليكم وبال متحرك عند تمنى

عطفكم ، دليل يتباهي في مراعاة طيفكم ، ونهار متعب في توقع لطفكم " .

ولا معني لقوله : " دليل يتباهي في مراعاة طيفكم " والصواب " دليل يتناهي " أي أنه يقضي ليله كله في مراعاة الطيف .

٢٠ - ص ٢٦ : " وصفيا للرسائل التى كانت تجري بيننا وبينكم ، نعم ورعيا للوسائل التى كانت تتردد عندنا وعندكم ، والوشاة على خيبتها في الظفر بتأذيكم " قال الدكتور في تعليقه " في الأصل يناويكم "، أو صوابه : يناديكم " .

ولا معني هنا لظفر الوشاة " بتأذيكم " أو " بتأديكم " وبديهي أن صواب الأصل " والوشاة على خببتها في الظفر بنا وبكم " .

٢١ - ص ٢٧ : " فيا أحبابي ارحموني في أوصابي ، وديروا ما بي ، فإني لعابى " !.

قال الدكتور في تعليقه : " كذا في الأصل ، ولعل صوابه : في لعشبى ، من أسبا لأمر الله : خضع ، والمعني أنه ينقاد لهم " ! .

وهذا غير صحيح ؟ فإن الكلمة لم ترد في الأصل هكذا كما زعم الدكتور ، وإنما وردت صحيحة واضحة " فإني لمايى وهو تعبير صحيح فصيح يرد كثيرا في كتب الأدب ، وقد استعمله مجنون ليلي حيث يقول :

يقول أناس عل مجنون عامر

                           يروم سلوا قلت إني لمايا

كما استعمله أبو القمر الطمري كاتب الحسن بن زيد

العلوي حيث يقول في رثائه :

وسألت عنه فقيل بات لما به

                  فقلت الندي لاشك بات لما به

وكأنما ضن الزمان على الورى

                            ببقائه أو هابه فدا به

٢٢ - ص ٣٠ : " فأنا المنشرق المقرور ، والمتحرق المصرور ، والقاصد المحجوب ، والرائد المكذوب" .

شرح الدكتور الجملة الأولى بقوله : المتشرق : القاعد في موضع القعود في الشمس بالشتاء ، والمقرور المصاب بالقر بالضم أي البرد " .

وشرح الجملة الثانية بقوله : " المصرور : الممنوع ،

والمحجوب عن نوال المطلوب أو ما يتحرق إليه " !!.

وهذا خطأ ، والصواب أن يقال في شرح " المتحرق " المحروق ، جاء في اللسان ٣٢٥/١١ " تحرقى بالنار واحترق " و" المصرور : من الصر ، وهو شدة البرد . وهذا هو المعني الصحيح الذي أراخ إليه أبو حيان ، وتتم المقابلة التي أرادها بين " المتشرق " و " المتحرق " وبين " المقرور " و " المصرور " .

٢٣ - ص ٣٥ : يخاطب أبو حيان الإنسان المبتدع بالقدرة الإلهية المحفوف بالنعم الملكية ، ويطلب إليه أن يتأمل مواقع آياته فيه . ويستنطق شواهد آثاره عليه ويقول له : " انظر بأي فضل خصك . . وأي ملك قلدك وأي مشرب صفى لك ، وباي لطف حاشك ، وباي شئ سكر جاشك ، وبأي صنع أزال استيحاشك . . ولأي أمر أعاشك " ثم يشرح أبو حيان ما ذكره . فيقول : " قلدك ملكا هو نهاية آمالك ، وسقي لك مشربا مني كرعت منه لم تظمأ بعده . وحاشك بلطف هو الذي جعل مقبوطا في حالك ، وسكر جاشك بشيء هو الذي أنالك مرادك . وأزال استيحاشك بصنع أدركت به كل امالك . . "

ومن العجيب حقا أن يقول الدكتور في شرح قول أبي حيان " وبأي لطف حاشك ، وبأي شيء سكر جاشك" : " حاشك هنا بمني اصطادك ، وسكره بتشديد الكاف تسكيرا : أي خنقه . والجأش : نفس الإنسان" !!

وأي عجب أعجب وأغرب من أن يقول أبو حيان للانسان الذي يذكره بنعم الله عليه ؛ انظر كيف خصك بالفضل فاصطادك وخنق نفسك " بشئ هو الذي أنالك مرادك " !! .

وصواب قول أبي حيان " وبأي شيء سكن جاشك" و "سكن جاشك بشيء هو الذي أنالك مرادك "

ولا ريب في أن سكون النفس " من أنعم الله الخليقة بالتدير ، الجديرة بالتأمل . وأما " اصطياد النفس وخنقها " فمصيبة كبرى ، ولعل في حشره بين أنعم الله التي حف بها عباده سرا فلسفيا دفيا ، يدق على أفهامنا ، ونقصر عنه مداركنا وعقولنا ، وفوق كل ذي علم عليم .

"للنقد بقية"

اشترك في نشرتنا البريدية