تأليف الدكتور شوقى ضيف - لجنة التأليف - ٣١٠ صفحة - ١٩٥٢
ليست النظرية التى ينادى بها صديقنا الدكتور شوقى ضيف غريبة عن تفكيرى ، وقد أعلنتها فى كلمة سابقة بعنوان " الشعر والحياة " خلاصتها أن الشعر فن من الفنون الجميلة لا يقصد لذاته ، ولكنه صورة لانعكاس الحياة فى نفس الشاعر ، بحيث يصبح الشعر أو هذا الفن شركة بين شخصية الشاعر وذاتيته وبين المجتمع الذى يعيش فيه
ولم أكن أقدر أن يصدر كتاب يؤيد هذه الدعوى مفصلة مبوبة منسقة . فقد جعل الفصل الأول فى الحديث عن بيئات الشعر الأموى فى الحجاز ونجد والعراق والشام وغيرها من البيئات ، وجعل الفصل الثانى عن الحياة الدينية والعقلية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وكيف تطور الشعرالأموى مع تطور هذه الألوان المختلفة من الحياة الجديدة . وهذا تمهيد لا غنى عنه لمن يريد أن يفهم الشعر فى ثوبه الجديد الذى ظهر بعد ظهور الإسلام فى العصر الأموى . فتأثر بهذا الانقلاب العظيم الذى حدث فى وجه العالم فى ذلك الحين ، وهو انقلاب عظيم الأثر بغير نزاع ، إذ انبثق من قلب الجزيرة العربية دين جديد هو الإسلام ، انتشر انتشاراً سريعاً ، فقضى على أعظم دولتين فى تاريخ ذلك الزمان هما الفرس والروم ، أما الفرس فأزال مافيها من مجوسية لأن الإسلام يأبى الشرك ويأمر بمحاربته ، أما المسيحية فبقيت جنباً إلى جنب مع الإسلام ، تعيش فى سلام كما جاء بنص القرآن من احترام أهل الكتاب ، فلم يكن من الغريب أن يصطنع عبد الملك الأخطل شاعر بلاطه مع مسيحيته ، مما يدل على تسامح الإسلام وابتعاده عن التعصب ، وكان للمسألة جانبها السياسى أيضا ، وفى ضوء السياسة يفسر المؤلف حظوة الأخطل فيقول ص ١٠٥ : " ولكى نفهم موقف عبد الملك من الأخطل وتقريبه له حتى ليتخذه
شاعره الرسمى لابد أن نلاحظ العنصر السياسى فى المسألة ؛ فالأخطل لم يحظ بكل هذا التقدير لتجويده الفنى فى شعره ومديحه فحسب ، بل لعله إنما حظى به لما كان لقومه على عبد الملك وخلافته من أياد بيضاء ، وكأن عبد الملك يرمز برضاه عن الأخطل إلى رضاه عن تغلب المسيحية ، وعن مسيحى الشام عامة ،
يذهب المؤلف إلى أن الخمر فى مدائح الأخطل لون يتميز به من جرير والفرزدق ، فقد كان الإسلام يمنعهما أن يخوضا فى هذا الموضوع ، أما الأخطل فلم تمنعه مسيحيته من ذلك ، وقد عرف بحبه للخمر ومعاقرته لها ، وله فى وصفها وفى وصف شاربها شعر جيد فى مختلف قصائده ، وبخاصة فى قصيدة ( خف القطين ) التى يمدح فيها عبد الملك ، فيبدأ بوصف رحلة صاحبته فى الصحراء " على نحو ما صنع زهير فى معلقته ، ويحاول التميز منه والتجديد ، فيستطرد إلى وصف الخمر " ، إلى أن يقول " على كل حال تمتاز قصيدة ( خف القطين ) ، بأننا نجد فى أولها خمراً ، وكأن الأخطل يريد بذلك أن يجدد وأن ينبذ معاصريه من المسلمين أمثال الفرزدق وجرير الذين لا يستطيعون أن يعرضوا لها فى مدائح الخلفاء " ص ١٠٨ ،
وهذا صحيح إلى حد كبير ، وتحليل القصيدة فى جملته رائع ، وبخاصة حين يوازن بين الأخطل وبين شعراء الجاهلية ليشهد من هذه الموازنات ماطراً على الشاعر الأموى من تطور ، غير أن القول بامتناع الفرزدق وجرير عن الخمريات لإسلاميتهما يحتاج إلى نظر ، فنحن نجد كثيراً من المسلمين فى العصر الأموى ، ومن أصل عربى ، بل من الخلفاء أنفسهم يمدحون الخمر ، كالوليد بن يزيد بن عبد الملك ، وقد درسه المؤلف فى عشرين صفحة ( ٢٥٥-٢٧٥ )
بعنوان " خمريات الوليد " فلماذا لم تمنعه إسلاميته ، بل خلافته للمسلمين من معاقرة الخمر والترنم بها فى قصائده . وكان الأولى أن نشك فى هذه الأخبار والأشعار التى تنسب إلى الوليد باعتبار أنها من دعوة الخصوم الذين يرغبون فى هدم الدولة الأموية وتفويض أركانها ، فنسجوا حوله هذه الحكايات عن زندقته وإقباله على مانهى عنه الإسلام ، ولنرجع إلى حديث الأخطل فنجد أنه يمدح عبد الملك خليفة وملكا للدولة الإسلامية وقائداً لجيوش ذا خلال عربية ، وأكثر هذه المعانى جدة معانى الإمامة والخلافة من مثل قوله :
وقد جعل الله الخلافة فيكم
بأبيض لا عارى الخوان ولا جدب
وفى قصيدة ثانية :
أحيا الإله لنا الإمام فإنه
خير البرية للذنوب غفور
نور أضاء لنا البلاد وقد دجت
ظلم تكاد بها الهداة تجور
يقول صاحب الكتاب " أليس هذا كله جديداً فى قصيدة المديح العربية ؟ الحق أن هذه القصيدة اختلفت فى هذا العصر بالقياس إلى صورتها القديمة لاختلاف الحياة العربية ، أوقل لتطورها وما حدث فيها من انقلاب ، سواء من حيث نظام الدولة أو من حيث تصور الناس للخلافة ، وما ينبغى أن يكون عليه الخليفة " .
فإذا انتقلنا إلى الفرزدق رأينا شعره يخلع على الممدوح صفات المسلم ، وهى صفات دينية لم تكن فى الجاهلية ، لهذا السبب يرى الدكتور شوقي ضيف أنه " مهما يكن فإن قصيدة المديح لم تعد تجرى على النمط القديم أو الأسلوب القديم ، لأن الحياة اختلفت وانتقل العرب إلى أقاليم جديدة وأسسوا دولة دينية تعتنق مثالية جديدة ، وأيضا فإن انطباعات الحياة الخارجية اختلفت ، فلم يكن فى العصر الجاهلى ثائرون على القبيلة يحاربونها فى ذات نفسها ، أما فى هذا العصر فنحن بصدد حياة جديدة فيها أخلاقية تستمد من الإيمان بالله ورسله والعمل الصالح ، وفيها دولة يريد القائمون عليها أن يعم العدل ، وأن يستتب الأمن ، وأن
تجتمع الأمة على كلمة واحدة . . " ويوازن المؤلف بين الفرزدق وجرير بعد أن عرض فى إيجاز حياة جرير فقال : " وعلى كل حال فإن هذه النشأة المتواضعة لجرير جعلت نفسيته تخالف نفسية الفرزدق من وجوه كثيرة ، فلم يكن يعتز بأبائه وبقبيلته اعتزاز الفرزدق بآبائه وقبيلته " ص ١٢٢ .
لست أدرى لم لاحت فى ذهنى الموازنة بين الفرزدق وجرير من جهة ، وبين شوقى وحافظ من جهة أخرى . وأحسب أن المقابلة بينهما صحيحة إلى حد كبير لظروف النشأة ، وطبيعة الصناعة .
فإذا انتقلنا إلى الصورة الأخرى من صور الشعر عند هؤلاء ، الثلاثة الكبار ، الأخطل والفرزدق وجرير ، ونعنى بها الهجاء ،نجد للدكتور شوقى رأياً جديداً يفسر به نقائضهم ، وهو رأى له وجاهته ولا ريب . وعنده أن النقائض لون من الدفاع عن القبائل التى نشأوا فيها ، وهى بالمناظرات الحديثة أشبه ، الغرض منها قطع الفراغ العظيم الذى أحس به العرب بعد استقرارهم فى الكوفة ، وبعد أن كفتهم الدولة منولة الرزق ، فتحول الهجاء القديم إلى نقائض للتسلية وقطع أوقات الفراغ . وكان الناس يخرجون للفرجة عليهم . كما نخرج الآن لاستماع المناظرات فى مشاكلنا الاجتماعية ، أو كما نخرج لتمضية بعض الوقت فى دور التمثيل والحيالة .
هذا هو جملة رأى المؤلف ، ويبسط رأيه فى ص ١٤٧ قائلا : " فالمسألة لم تكن صراعاً صارماً كما ظن الرواة . وفى كل مكان نجد نصوصا تشهد بأنهما كانا متعاطفين متراحمين ، لا متقاطعين متنابذين . وقد حزن جرير على صاحبه حزناً شديداً حين سبقه إلى الموت ، ورثاه بأبيات مختلفة ، منها قوله :
فجعنا بحمال الديات ابن غالب
وحامى تميم عرضها والبراجم
فالصلة بين الشاعرين لم تكن منبتة ، بل كانت صلة مودة ، وكانا يقومان بهذه النقائض على أنها شئ يقصد به إلى التسلية أكثر مما يقصد به إلى السباب والتخاصم . وكان من حولهما يعرفون ذلك ، ومن هنا تأتى استثارة ولاة
العراق لهما بحضرتهم ، وكأنهم يريدون أن يساوا أنفسهم ويكشفوا بعض غمتها . . . ".
نقول : هذا الرأى الجديد فى النقائض جدير بالاعتبار ، ولكنه لا يصور الحقيقة من جميع نواحيها . ذلك أن الاعتزاز بالقبيلة ، والعصبية القديمة كالحال فى الجاهلية ، والتمسك بالأصول والأنساب لم يمح مع ظهور الإسلام ، وآية ذلك أننا بعد هذه القرون الطويلة لا نزال نجد من يتمسك بنسبه إلى أصول عربية قديمة يعتز بها ، ونحن نرى أن هذه النقائض لم تكن جداً خالصاً ، ولم تكن تسلية خالصة ، أو لمجرد التناظر وإبرازالبراعة فى النظم والفريض ، وإنما هى شئ بين هذا وذاك .
ومن الألوان الجديدة التى تدل على تطور الشعر فى العصر الأموى غزل ابن أبى ربيعة . ولوحات ذى الرمة ، وعالميات الكميت، وخمريات الوليد ، ومتون رؤية ، وقد أجاد المؤلف فى درسها ، ونفذ إلى صميم نفسية هؤلاء الشعراء والظروف التى أوحت إليهم السير فى طريق معينة .
فالكميت يصدر عن ذوق جديد لم يكن معهودا من قبل ، لا يعبر فيه عن الشعور والعواطف بمقدار ما يعبر الفكر . ولهذا السبب قال عنه الجاحظ إنه أول من دل الشيعة على طرق الاحتجاج ، ولم يعده بشار شاعراً ، لأن طريقته الجديدة لم تكن الطريقة المألوفة عند الشعراء . فالكميت يؤيد زيد بن على بشعره . ويدافع عن الشيعة . فيقول فى إحدى قصائده :
أهوى عليا أميرالمؤمنين ولا
أرضى بشتم أبى بكر ولا عمرا
ويسمى المؤلف قصائد أو أراجيز رؤية متوناً لغوية . لأننا " بإزاء متون تؤلف لا بإزاء أشعار تصاغ ، ويعبر بها أصحابها عن حاجاتهم الوجدانية أو العقلية . فقد تطور الشعر العربى ، وأصبحت الأرجوزة منه خاصة تؤلف من أجل حاجة المدرسة اللغوية . وما نريك من الشواهد والأمثال " ص ٢٨٢ . بذلك أصبح رؤية إمام الشعر التعليمى ، وألهم أصحاب الشعر فى العصر العباسى أن يقوموا بنظم شعرهم التعليمى ، كما ألهم أصحاب النثر أن يقوموا بصنع المقامة . ولم يكن ذلك هو الأثر الوحيد لرؤية وأصحابه .
بل اتخذ الوحدة فى الأرجوزة الشطر لا البيت كما هو الشأن فى القصيدة .
هذه إشارات الدراسات التى تناولها المؤلف فى كتابه الطريف ، يتضح منها أن الموضوعات التى تناولها الشعر الأموى إن عند الفرزدق وجرير والأخطل ، أو عند ابن أبى ربيعة ورؤية والكميت والوليد وغيرهم ، قد تطورت مع تطور الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية .
ومما لاشك فيه أنك تحس حين تقرأ هذا الكتاب أنك بإزاء تفكير جديد يدل على أصالة وعمق واستيعاب وحبوبة دافقة ، وقد نشأ هذا كله من طويل صحبة المؤلف لشعراء ذلك العصر ، والإحاطة بالظروف التى نشأوا فيها ، وإدامة النظر فى أحوالهم ؛ ولا شك كذلك فى أن كثيراً من الآراء التى تطالعك سوف تثير فى نفسك معانى جديدة واتجاهات جديدة ، سواء اتفقت مع صاحبها فى الرأى أو لم تتفق . ولكنها على أى حال اتجاهات مدعمة بالأسانيد القوية والنظرة الجديدة .
فى كل عام يصدر كتاب يعد زهرة التآليف ، وهذا هو كتاب العلم ، ولو أن صاحبه ألفه فى أعوام وأعوام .
