كنا طلبة بالعلمين العليا عندما ما سمعنا بأحمد أمين وطه حسين وهيكل والعقاد والمازنى وغير هؤلاء ممن يمثلون النهضة الأدبية الحديثة فى مصر ، وكنا نقرا لهم كل ما يكتبون ، وتدرسه دراسة إمعان وتمحيص ، وتهتم بأدبهم مثلما نهتم بمايلقى علينا من محاضرات ، ونتناقش آراءهم فى حماسة شديدة ، تسير عليها احبانا إلى ما بعد منتصف الليل . والان بعد ما اخفى على هذا العهد ما يقرب من ربع قرن . أعود بذا كرنى إلى هذا الماضى البعيد من حياتى ، وعلى شفتى ابتسامة السخرية من حماسة الشباب التى تعالى وتغرق فى المقالاة فى وزن الأمور وتقديرها . غير ابى برغم ذلك لا أنكر أن تلك الحماسة البالغة . وذلك التشجيع لهذا الأديب أو ذاك ، هو الذى حب إلينا المطالبة والنقد ، وجعلنا نهتم بالأدب وشئون الثقافة العامة ، كما تهتم بالتربية والتعليم .
وكنا نحاول أن نلتقى بهؤلاء الرجال وتنتعرف إليهم ، وتبادلهم الحديث ، وتناقشهم الرأى ، ولكنا جماعة اتصفت فى الصفت به بالانطواء على أنفسنا ، وحب العزلة والبعد عن الناس ، والاكتفاء بزمرتنا تجتمع فى بيت أحدنا تارة ، وفى المقهى تارة اخرى ، واستمررنا على ذلك حتى اليوم مع نحوير طفيف اقتضته ظروف الحياة ومرور الأيام ؛ فهذا عضو يتخلى عنا ، وذاك آخر ينضم إلينا ، ولكن طابعنا هو هو لم يكد يتغير إلا قليلا .
ولكى استطعت - مع ذلك - أن أتعرف إلى أحمد امين ، وأن أستمع إليه وهو يتحدث فى لجنة التأليف والترجمة والنشر ، فوجدت رجلا أن تسممه خبر من أن تسمع به ، على خلاف كثير من الرجال .
مهيب الطلعة ، وقور الحديث ، يترفع عن السفاسف ، صريح جريء ، قوى الحجة ، واضح الفكر ، واسع الثقافة ، تأثر فى هدوء بناء عظيم ، كما قال عنه الأستاذ محمود ليمور بك فى مقالة عنه فى هذه المجلة فى العدد ٥٩٠ . أو هو كما يصف نفسه فى كتابه فى صفحة ٠ ٣٣ :
" حبى خجول يغشى المجلس فيتعثر فى مشيته : وضطرب فى حركته ، وصادف أول مقعد فيرمى بنفسه فيه . ويجلس وقد ألف الحياء رأسه ، وغض الخجل طرفه . وتقدم له القهوة فترتعش بدء . وترجف أعضاء ، وقد بداري ذلك فيتظاهر أن ليس له فيها رغبة ولا به إليها حاجة . وقد يشعل لماقته فيحمله خجله أن ينقضها كل حين ، وهى لا تحترق بهذا القدر كل حين ؛ وقد يهرب من هذا كله فيتحدث إلى جليسه لينسى نفسه وخجله . ولكن سرعان ما تعاوده الفكرة فبعاوده الحرب ، حتى يحين موعد الانصراف ، فيخرج كما دخل ، ويتنفس الصعداء بعد أن أدركه الإعياء العزلة لا كرها للناس ، ولكن هروبا بنفسه .
" ثم هو مع هذا جريء إلى حد الوقاحة ، يخطب فلا يهاب ، ويتكلم فى مسألة علمية فلا ينضب ماؤه ولا يندى جبينه . ويعرض عليه الأمر فى جمع حافل فيدلى برأيه فى غير هيبة ولا وجل . . ويرسل نفسه على سجينها فلا يتحفظ ولا يتحرز .
وهو طموح قنوع ، نابة خامل ، تنزع نفسه إلى أسنى المرتب فيوفر على ذلك همه ، وجيمع له نفسه ، ويتحمل فيه أشق العناء وأكبر البلاء . وبينما هو فى جده وكده ،
وحزمه وعزمه ، إذ طاف به طائف من التصوف ، فاحتقر الدنيا وشئونها ، والنعيم والبؤس ، والشقاء والهناء ، فهزى به وسخر منه ، واستوطا مهاد الخمول ورضى من زمانه بما قسم له . .
" وأغرب ما فيه أنه متكبر يتجاوز قدره ، ويحدو طوره ، ومتواضع ينخفض جناحه وتضاءل نفسه ، يتكبر حين يصغر الكبراء ، ويتصافى حين يكبر الصغراء . بنيه على العظماء ، ويجلس إلى الفقراء يؤاكلهم ويستذل لهم ، لا تلين قنانه الكبير ، ويحزم أنفه الصغير .
" يحب الناس جملة ويكرههم جملة ، يدعوه الحب أن يندمج فهم ، ويدعوه السكره أن يفر منهم ، حار فى أمره . وامتزج حبه بكرهه ، فاستنهان بهم فى غير احتقار . .
" ورأسه كأنه مخزن مهوش أو دكان مبعثر ، وضع فيه الثوب الخلق بجانب الحجر الكريم . يتلافى فيه مذهب أهل السنة مذهب أهل النشوء والارتقاء ، ومذهب الجبر بمذهب الاختيار ، وتجتمع فى مكتبته كتب خطبة قديمة فى موضوعات قديمة . قد أكلتها الأوضة ونسج الزمان عليها خيوطا ، وأحدث الكتب الأوربية فكرا وطبعا وتجليدا . ولكل من هذين ظل فى عقله وأثر فى رأسه . . "
ثم يزيد على ذلك أنه غضوب حليم ، حمال للهموم ، شديد الحساسية ، شديد الخوف على سمعته الخلقية ، قليل الثقة بنفسه وبما يصدر عنه ، محب للنظام والهدوء . يحب العزلة ولا يميل إلى الاجتماع كثيرا ، له نزعة سوفية غامضة ، ومزاجه فلسفى أكثر منه أدبياً .
فى كتابه عن نفسه ) حياتى ( يعرض لك كل هذا فى تفصل وتحليل ، وفى أسلوب سهل جذاب . والكتاب قصة واقعية لرجل من رجال هذا الجيل يروى له حياته ، كما يصف الأحداث العامة التى وقعت خلالها ، فيكون سجلا تاريخيا قيما لنصف قرن من الزمان ملئ يصنوف من التطور والأرتقاء . وكم كنا نحب لو أسهب الكاتب فى قص حكايته فعرض حياته مفصلة . اكثر مما فعل ، لا يخفى منها شيئا خجلا أو تواضعا ، فهو عظيم فى نفسه ، تمر به الحادثة الصغيرة فتكبر به ولا يصغر بها .
وكم كنا نحب كذلك أن يذكر فى كتابه الحق كل الحق . وقد علمنا أن الصدق أهم صفات الأدب . وليس من الصدق أن تذكر شيئا ونسكت عن شئ ، ولا تكون
الصورة إلا يتمانها . غير أن الأستاذ برى أن من الحق ما يرذل قوله وتنبو الأذن عن سماعه ، وإذا كنا لا نستسيغ عرى كل الجسم فكف نستسيغ عرى كل النفس ؟ ولست أوافقه فى ذلك ؛ فالمنان لا يصور جمال الحسم إلا عريانا كله ، وفى تعرية النفس زيادة فى التحليل والتعليل .
وكان من اثر تشبع الأستاذ بهذه الفكرة ان وصف لنا كثيرا من رحلاته ، ومما شاهد ، ومر بحياته . دون أن يفصل فى انفعاله بما يرى ، وتاره بما يشاهد ، فكان فى كثير من مواضع الكتاب إلى العالم اقرب منه إلى الأديب ، يحاول أن يخفى عنا نفسه ونحن فى أحر الشوق إلى معرفة ما فى نفسه . يتحجب حين تتوق إلى السفور ، ويذكر أشخاصا لا يسمهم ، وإن كنت كثيرا ما عرفت من عينى .
قرأت الكتاب ذات مساء ولم ألقيه من يدى حتى فرغت منه من الغلاف إلى الغلاف ، فهو مشوق ممتع إلى حد بعيد . ثم طرحته وأغمضت عينى ، وسألت نفسى : ما أهم ما يميز هذا الرجل ؟ فرأيت أنه المزاوجة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية ، وكأن عقله بوتقة ينصهر فيها ما يقرأ فيخرج مادة جديدة ، لا هى إلى هذا ولا إلى ذاك . فلا أثر للتقليد فيما يكتب . نسيج وحده ، له طريقته الخاصة فى العرض والتحليل ، وفى هذا تتمثل فيه ميزة من أهم مزايا الأديب ، وهى الخلق والابتكار .
عجيب هذا الرجل فى إفادته مما يقرأ وما يمر به من حوادث وما يشاهد من مناظر . يقرأ الكتاب فيخرج منه بأدق المعانى والعبر ، ويقوم بالرحلة القصيرة فى الشرق أو فى الغرب ، ويعود منها وقد اختزن فى نفسه ما لم يختزنه من أقام هناك عدة سنوات . وهو فى كل ما يطالع أو يشاهد لا يفقد شخصيته ، وإنما تبقى بارزة كقمة الجبل . لا تبهره الدنيا الغربية فينسى عروبته وشرقيته ، ولا ينساق فى العروبة أو التحيز للشرق إلى حد الجمود والوقوف فى وجه كل جديد .
وهذا التفرد فى شخصية أحمد أمين درس ينبغى أن يأخذه عنه شباب هذا الجيل . لا يتحمس إلى حد التهور لرأى يراه غيره . ولا تبهره الأسماء العريضة فى الآداب الشرقية أو الغربية . وقد عاونته على هذا التوسط فى الأمور التربية التى تلقاها والحياة التى حببها ، فقد تعلم فى الدارس الدينية وفى الأزهر ، وكان لمدرسة القضاء الشرعى اكبر الأثر فى تكوين شخصيته ، وهى مدرسة أخذت بطرف من
القديم وطرف من الجديد ، وناظرها عاطف بركات نفسه رجل جمع بين التعليم العربى والتعليم الغربى . واشتغل أحمد أمين أستاذا فى مدرسة القضاء الشرعى وأستاذا فى كلية الآداب ، فاختلط بشيوخ الأزهر وعناء الفرنجة . وأفاد من هؤلاء ومن هؤلاء ، وأخذ منهم خير ما لديهم .
وبرغم ثقافته الأزهرية لم يتعصب للأزهر كما يفعل أكثر الأزهريين ، بل لعل فى نفسه ثورة ضده . حتى لقد آثر أن خلع العامة ويستبدل بها الطربوش : " ومما آلم أبى أحست العامة تفيدنى فلا استطيع أن أجرى كما يجرى الأطفال ، ولا أمرح كما يمرح الفتيان ، فشخت قبل الأوان ، والطفل إذا تشايخ كالشيخ إذا تصابى ، كلا المنظرين ثقيل بغيض ، كمن يضحك فى مأثم أو بكى فى عرس . " ) ص ٥٠ ( . وفى صفحة ٢١٢ من الكتاب يقول " وقالت لى سيدة انجليزية زوج صديق لى : إنى كنت أفضل لبسك العامة . فقلت لها : لك الحق . وإنما تفضلين العامة على النمط الذى تفضلين به الطرق القديمة فى خان الخليل على محازن البيع فى شارع فؤاد . وعلى كل حال كنت بذلك أكثر اندماجا فى الوسط الجامعى وأشد انسجاما " . والطربوش والعامة والقبعة ) أو عرى الرأس ( عندى رموز لثقافات متباينة ، وقد اختار منها أحمد أمين الطربوش .
وتتميز حياة الرجل كذلك بالكفاح الستمر ، الذى يكلل بالنجاح دائما ، لا لمجرد التوفيق ، ولكن لبعد النظر وحسن التدبير وإحكام الخطة ، والدأب والاجتهاد . ولعل كفاحه فى تعلم الإنجليزية والإفادة منها مثل طبيب لما أقول . وكان يمكن لأحمد أمين - لولا اجتهاده - ألا يزيد عن معلم فى إحدى المدارس الأهلية ، وكان يمكن أن يكون إنان دراسته فى الأزهر - كما يقول - إماما فى مسجد ، وكان يجوز أن يكون قاضيا شرعيا لا يعلو على رئيس محكمة شرعية أو قريبا من ذلك . ولكن أحمد أمين أصبح بكفاحه وجلاده عميدا لكلية الآداب ، وأدبيا خلا من أدباء هذا الجبل ، ورجلا من رجال العصر بشار إليه بالبنان .
ونبتت عنده نزعة الكتابة والمحاضرة منذ أيام الطلب ، فاتصل بجريدة المؤيد وبجريدة السفور ، والأندية الأدبية . وبيت مصطفى عبد الرازق ، وظل كذلك ينمى هذه النزعة فى نفسه ، حتى أصبح رئيسا للجنة التأليف والترجمة والنشر وأخرج من الكتب والمقالات ما تفخر به الكتبة العربية .
وكنا نحب أن يقبض فى حديثه عن لجنة التأليف . غير أنه لم يشر إليها إلا لماله الشديد إلى الإنجاز كما ذكرت .
ويقول أحمد أمين فى مستهل كتابه : " ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مر على وعلى آبائى من أحداث " . وهو بذلك يشير إلى أن الرجل أثر من آثار البيئة والوراثة على السواء . وهو موضوع مفصل فى كتب علم النفس . وتعبر حياة أحمد أمين مثالا قويا لآثر البيئة ، ليس للوراثه أثر بين فى سيرته . البيت والحارة والكتاب والمدرسة الابتدائية والأزهر ومدرسة القضاء ، الشرعى ، والرجال الدين التقي بهم . والأعمال التى مارسها ، كل ذلك واضح فيها يكتب وما يحدث به . وأثره بين فى سلوكه وحياته . رجل يؤمن بألاعيب القدر ، متدين متزمت ، لا يتفكه ولا يمزح إلا قليلا
" في سنة ١٩٤٨ قرر مجلس كلية الآداب ومجلس جامعة فزاد الأول منحى الدكتوراه الفخرية فلقيت الدكتور أحمد أمين ، ومنحت جائزة فؤاد الأول ، وهى جائزة تمنح لمن ينتج أحسن عمل أو إنتاج فى الآداب والعلوم والقانون . . وكان من الطبيعى أن أبتهج بهاتين المنحتين العظيمتين اللتين منحتا لى فى يوم واحد تتويجا لجهودى فى الجامعة وجهودى فى الانتاج الأدبى ، ولكن جاءت عقبة العملية الجراحية فى عينى وما أصابنى من ذلك فى نفس ، فلم يهتز لهما قلبى كما ينبغى ولا ابتهجت لهما نفسى كما يجب يضاف إلى ذلك حالتى النفسية وهى أن تستجيب لداعى الحزن . ولو صغيرا ، ولا تستحيب لداعى السرور ولو كبيرا ، إلا بقدر " . ) صفحة ٣٢٩ ( .
وفى ص ١٨ من الكتاب يقول : " فإن رأيت فى إفراطا فى جانب الجد وتفريطا معيبأ فى جانب المرح ، أو رأيت صبرا على العمل وجلدا ف تحمل المشقات . واستجابة لعوامل الحزن أكثر من الاستحابة لعوامل السرور ، فاعلم أن ذلك كله صدى لتعاليم البيت ومبادئه . وإن رأيت دينا يسكن فى أعماق قلبى ، وإيمانا بالله لا تزلزله الفلسفة ولا تشكلك فيه مطالعاتى فى كتب الملحدين . أو رأينى أكثر من ذكر الموت وأخافه ، ولا أتطلع إلى ما بعده الناس مجدا ولا احاول شهرة ، وأذكر فى أسعد الأوقات وأبهجها أن كل ذلك عرض زائل ، أو رأيت
بساطتى فى العيش وعدم احتفائى بما أكل أو مشرب أو ملبس وبساطتى فى حديثى والثانى ، وبساطتى فى أسلوبى وعدم تعمدى الزينة والزخرف فيه ، وكراهيتى الشديدة لكل تكلف وتصنع فى أساليب الحياة ، فمرجعه إلى تعاليم أبى وما شاهدته فى بيتى " .
ويقول أحمد أمين عن نفسه إن حياته الأولى أمانت فيه الذوق . وإن لأعب من هذا القول ، لأبى أرى فى آدبه ذوقا فنيا رفيعا ، طبيعيا غير متكلف . ولعل مرد ذلك إلى ثقافته الغربية التى تقف بها إلى جانب ثقافته العربية .
وقد كان أحمد أمين فى شبابه إبان الحركة الوطنية المصرية ، غير أنه لم يستطع أن يظهر فى السياسة ظهور غيره لأن أبى علمي الإفراط فى التفكير فى العواقب . ومن فكر فى العواقب لم يتشجع . والسبب الثانى أن مزاحى علمى لا سياسى " . وحياة الرجل حافلة بالإنتاج الأدبى والعلمى . كتب
ومقالات وإذاعة ، وأستاذية ، وإشراف على جمعيات علمية ، ونشاط أدبى لم يفتر حتى بعد الستين . ولم يقعده مرض السكر وضعف البصر عن وفرة الإنتاج . بل لعل ما حدث له من انفصال شبكية العين كان من أكبر البواعث له على عمقى التفكير ، ومن أروع ما قرأت له فى كتابه ) حياتى ( أحاسيسه عندما دخل المستشفى لإجراء عملية فى عينه .
يقول ألفرد ادار العالم النفسانى : إن الرجل يعتبر ناجحا فى حياته لو وفق فى ثلاثة أمور : أسرته وعمله وأصدقائه . وبهذا المقياس بعد أحمد أمين من الناجحين الموقفين . نرجو له من الله مزيدا من النجاح والتوفيق . ففى نجاحه وتوفيقه نفع للناس أجمعين .
أما بعد فكتاب ) حياتى ( من امتع ما أخرجت المطبعة العربية فى العصر الحديث . قرأته فنعمت به كثيرا ، وحفزنى على مضاعفة الهمة والنشاط فى حياتى .

