لا يرتبط بصحراء العرب وثورتهم الكبرى ضد الترك في سنة ١٩١٦ إلا " لورانس " المشهور في التاريخ الحديث باسم لورنس بطل الجزيرة ، كما أسماء مواطنوه الإنجليز وليس هذا الاسم وحيدا في التاريخ الإنجليزي الحافل بالرجال . . فهناك " السير توماس لورانس " الرسام الإنجليزي المشهور الذي توفي سنة ١٨٣٠ ، والذي أوصلته شهرته لأن يكون المصور الخاص لملك انجلترة . وهناك " السير هنري لورانس " الجندي والسياسي المشهور الذي شارك في قضية الهند قبيل حركة العصيان فيها في منتصف القرن التاسع عشر ، وهناك " د . هـ . لورانس " الأديب والقاص الإنجليزي المشهور الذي توفي سنة ١٩٣٠ ، والذي اشتهر بمجموعة من القصص أهمها " أبناء وعشاق " ) سنة ١٩١٣ ( و " قوس قزح " ) سنة ١٩١٥ ( ، و " عاشق اللايدي تشارلي " ( سنة 1928 ) والذي جمع الأديب الإنجليزي المفكر " ألدوس هكلي " رسائله في كتاب وقدمه للسوق الأدبية سنة ١٩٣٢ .
ولكن لورانس بطل الجزيرة حمل اسم " توماس إدوارد لورانس " ، أو " ت ا . لورانس " الذي غيره فيما بعد إلى " تووماس شو " في سنة ١٩٢٧ ، أى بعد دخوله دمشق مع الملك فيصل بتسع سنين .
وعجيب جدا أن يغير لورانس اسما اشتهر به واقترن بأمجد أعماله في الجزيرة العربية ، ورددته شفاه البدو فيها بين جدة والعقبة وشرق الأردن ومعان . . وأن يختار بدلا منه اسم " شو " ، وهو اسم منكور غير مذكور .
وأعجب من هذا أن يتنازل لورانس عن أمجاده وعن رتبه وألفابه ، وأن يرضى بعد سلسلة من المغامرات الخيالية أن يكون صولا ميكانيكيا في سلاح الطيران الملكي البريطاني ، ثم ينتقل بعد ذلك إلى جندي بسيط في سلاح الدبابات . . لا يهتف باسمه لسان ، ولا تطلب مشورته في مؤتمر السلام . . ثم يقرأ الناس بعد ذلك أن الجندي البسيط " توماس شو " قد قتل في حادثة من حوادث الطيران بالهند . . فيجهل الكثيرون أن " شو " هذا هو الشخصية العبقربة الفذة التي أقامت جزيرة العرب وأقعدتها ضد الأتراك ، والتي طوفت بكل شبر من شمال الجزيرة ، كما تطوف الجن في وادي عبقر السحيق . .
وكم كنت أود أن يقول الدكتور رشيد كرم شيئا من أشياء هذا الكلام ، ولو في مقدمة قصيرة يقدم بها ترجمة لكتاب يبلغ خمسمائة من الصفحات . . ولعل الدكتور رشيد تحرج أن يقدم لورانس إلى قراء العربية
بعد أن قدم لورانس نفسه في كل سطر من سطور الكتاب . فالكتاب - في الحق - هو مذكرات غير مؤرخة غالبا لأعمال قام بها المؤلف في خلال سنتين من سنى الحرب العالمية الأولى ؛ فلا غرو أن يكون ترجمة المؤلف في سنتين من حياته التى يبدو أنها كانت مليئة بالأخطار والأسرار
وكتاب ثورة في الصحراء " ، على طوله وضخامة حجمه هو في الحق مختصر للكتاب الكبير الذي ألفه لورانس بعنوان " أعمدة الحكمة السبعة " والذي ظهر لأول مرة سنة ١٩٢٦ في انجلترة فلقي من الرواج وتخطف الناس له وإقبال المترجمين على ترجمته إلى اللغات الأوربية ما حمل المؤلف على أن يقدمه إلى القراء موجزا سنة ١٩٢٧ . وظفر هذا الموجز بما ظهر به الكتاب المطول من رواج وإقبال ، وتخطفته النفوس الظمأي إلى استطلاع ما وراء الأفق في جزيرة العرب ، أو المتلهفة إلى قراءة أغرب الأخبار وأعجب الأخطار . . وترجم الموجز إلى اللغة الفرنسية - كما ترجم المطول - وعن هذه الترجمة الفرنسية نقل صديقنا الدكتور رشيد كرم هذا الكتاب إلى اللغة العربية .
ولا تسأل كيف ظل هذا الكتاب محجوبا عن القراء العرب قرابة ربع قرن ، فلا يترجم لهم ولا يقدم على موائد أفكارهم . . فالحمد هنا للدكتور رشيد كرم أولى من العتاب على الذين فاتهم ترجمة الكتاب كل هذا الزمان الطويل
والحق أن علمي بترجمة الدكتور كرم لكتاب لورانس كان مفاجأة لي لم أملك نفسي عن العجب منها . . فالمترجم شاعر وأديب ولغوي وراوية ، أعرفه عن يقين وأشهد له عن تجربة . وأعرف أن الأفرباذين والعقار والمبضع لم تلهه يوما واحدا عن أن يجد في الشعر والأدب ظلا لروحه الطبية . . أفمما كان أحرى به أن يخرج لنا ديوانا من الشعر ، أو فصولا في النقد أو بحوثا في الأدب بدلا من أن يقدم لنا " لورانس " في مغامراته الجريئة الخطيرة بجانب الأمير فيصل - الملك فيصل فيما بعد - ليثير شعور العرب ضد الترك ويؤليهم عليهم . .
ولقد كان العرب يحلمون من وراء هذه الثورة أعذب الأحلام ، ويمنون أنفسهم المنوئية إلى الحرية بأطيب الأماني . فكأنهم كانوا مع الشاعر القائل :
مني إن تكن حقا تكن أعذب المنى
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
ولكنهم - مع الأسف - وقفوا ووقف معهم لورانس بعد مؤتمر السلام سنة ١٩١٩ ليشهدوا بأعينهم ويسمعوا بآذانهم خيبة " القوات The Powers ( لتحقيق وعودهم لحلفائهم العرب . .
ولعل هذه الخيبة المؤنسة هي التي حملت لورانس - كما يقول المؤرخون الإنجليز أنفسهم - على التنازل عن رتبته والتجرد من ألقابه والكفران بماضيه اللورانسي ليبدأ ماضيا هادئا جديدا تحت اسم توماس شو . .
وهنا فقط أدركت البواعث الخفية التي حملت صديقنا الدكتور رشيد على أن يقدم للعرب كتاب الثورة العربية مترجما لعل أولى الألباب يأخذون منه على قدر الفرائح والفهوم . .
وفكرة " الثورة العربية " التي يزعم لورانس أنه اقتنع بها قبل ثمرة بفيصل هي " تقطيع أوصال الدولة العثمانية " . . ولعلها فكرة انجلترة نفسها . . التي أمدت العرب بكل شئ لتحقيق هذه الفكرة . وكان لورانس نفسه يرى أن يسلح العرب بالمدافع . . ) إذ كان الكبير فيهم والصغير ، من " فيصل " إلى الجندي الحقير ، يرددون دون انقطاع : مدفعية ! مدفعية . ومنذ وصولي إلى هنا شعرت بارتياح شديد لاتساع نطاق العصان . . فإن هذه المقاطعة الصغيرة القليلة السكان قد تحولت إلى انتفاض حقيقي ضد تركيا بعد أن كانت نوعا من السطو على القوافل ( ص ٤٤
ولا أدل على اعتمال فكرة الثورة العربية في الضمير الانجليزي من قول لورانس إن الأميرال ويميس " ) كان لشدة ذكائه ولاتساع مداركه وعقله الدائم التفكير قد اهتم من أول لحظة بالثورة العربية ، وكم من مرة كان يتوقف
بمركبه على الشواطئ العربية ليقدم للعرب مساعدة ما . في بعض مواقفهم الحرجة ( ص ٤٦ .
على أن فكرة هذه الثورة لم تظهر فقط في سنة ١٩١٦ ، بل يصرح لورانس بأن السردار السير وتجت قد سر لتقريره ) لأن الثورة العربية كانت جل أحلامه منذ سنين ( ص ٤٧ .
وعجيب جدا أن لورانس يغفل هذه الحقائق أحيانا ويغفل مساعدات انجلترة الفعالة في إشعال هذه الثورة . ويذكر في ص ٢٩٠ ) أن الترك أصبحوا يشعرون بالمضايقة والقلق . . إلى حد أنهم نسبوا تدبير عصان العرب إلى الانجليز وأنهم هم المحركون والمنظمون لهذه الثورة ( . يا سبحان الله ؟ كأن الترك وأحلافهم الألمان كانوا نياما عن حقيقة هذا العصيان الذي ينسبونه إلى الانجليز .
وامتدت الأيدي العربية البدوية إلى التخريب والتدمير مدفوعة بسحر العصيان الذي كان يزيده لورانس وقيادته - كل يوم اشتعالا . حتى تعلم العرب تفجير الديناميت لتخريب المنشآت التركية ، فهذا " عودة " وهو عربي ثائرر - ) كان يجهل إلى ذلك الحين - الديناميت وعظم مفعوله ، فكان فرحه فرح الطفل بلعبته لما استعمله لأول مرة . وأخذته نوبة شعرية فتغنى بقوة هذه الآلة الغريبة ( ص ١١٧ . وفي سبيل هذه الغاية لم يجد لورانس بأسا من التضحية ببعض العرب لبلوغ هدفه البعيد ويقول في ذلك : ) وإذا كان فقد رجلين من رجالنا العرب أمرا يؤسف له ، إلا أنه لم يكن الوقت وقت حسرة . فعليننا احتلال " معان " بأي من كان . . ويمكنني بملئ إرادتي أن أضحي بأكثر من اثنين من رجالنا العرب لبلوغ الهدف الذي نصبوا إليه . . وإن مثل هذه المواقف الدقيقة لتبرر كل تضحية ؛ وكل غال يرخص أمام نجاحنا المقبل ( ص ١٦٧ .
وإذا كانت الثورة العربية في أول أمرها نوعا من العصيان المحرض عليه فإنها انقلبت بعد ذلك سلاحا خطرا ضد تركيا وألمانيا معا . وفي هذا يقول لورانس : ) وكان الناس جميعا ينظرون إلى العصيان العربي نظرة المستعرض
دور قوم غزاة ؟ فكانت وسائلهم ضئيلة ، وكذلك واجباتهم وأطماعهم . أما الآن فقد عدهم " اللنبي " من عوامل خطة هجومه التي لا يستهان بها . . وإن المسئوليات التي تلقى علي مناكب أولئك القوم تضع مشروعنا فوق الأمر العادي . . ( ص ٣٣٨ .
وفي سبيل الغاية اللورانسية . أو الانجليزية ، لقي بطل الجزيرة لورنس ألوانا من العناء في التوفيق بين العرب المتخاصمة والقبائل المتنافرة ، والشيوخ المتدابرة . . لأن الصلح بين هؤلاء البداة المتخاصمين هو ربح للوحدة العربية التي يسعى لورانس إليها . حتى يقاتلوا تركيا صفا كالبنيان المرصوص . .
فهؤلاء " الحويطيون " هم رجال حرب أشداء كثيرو العدد إلا أنهم أعداء دم لأبناء عمهم " أبو نابهة " لشجار قديم لا يزال عالقا في أذهان " عودة " و " حمد " - ص ٩٠ .
وفي سبيل هذا التأليف والتوفيق يقول لورانس : ) وكان باقي الرجال يمشون جماعات جماعات من غير نظام فالتزم الدري كصيصة الحائك ذهابا وإيابا على طول الركب . . أكلم شيخا حردا ، مقطب الجبين . وأتقدم إلى آخرين ينتظرون فاوفق بين الجميع . وأحاول تخفيف العداوات والمناظرات . حتى إذا جاء وقت العمل ودفت الساعة يكون المتحاربون متمكنين من بعضهم البعض . . . ( ص ٢١٠ .
على أن ثورة طائحة كالتورة العربية لم يكن يكتب لها النجاح لولا ما أرصدته انجلترة لحسابها من الذهب . . والذهب الذي لعب دورا كبيرا في الصحراء . ولا يخفي الكولونيل لورانس ضرورة الذهب لنجاح ثورة العرب في مواطن كثيرة من الكتاب . ففي ص ٣٧ يقول : ) وبعد مرور زمن غير يسير وصلت إليهم كمية البنادق اليابانية قديمة غير صالحة تقريبا ، وحديدها من النوع الرديء . فكانت تنفجر لأول طلقة في يد العربي الجاهل . . إلا أنه لم يصل إليهم
الذهب الذي كان أهم ما يعتمد عليه في الصحراء بين القبائل ( وفي ص ٤٣ يقول : ) ولم يكن قط غير الذهب ليأتي بالمعجزات في الصحراء ، ويحفظ ذلك الجيش المشكل من القبائل الرحل مدة خمس سنوات متواصلة تحت السلاح ( ، وكان الذهب في يد الأمير فيصل - الملك فيما بعد - يبعثر ذات اليمين وذات الشمال . . ويصرح المؤلف فيقول : ) وسلم إلينا فيصل عشرين ألف دينار ذهبا . . وكانت هذه القيمة فوق ما طلبنا إليه لندفع أجور الرجال الذين نجدهم في طريقنا ؛ ولتذكي نار الشهوة للذهب في قلوب الحويطات فيعاونونا بحماسة ( ص ١٠٤ .
ولا تتعب أيها القارئ الكريم في البحث عمن كان يمد الثورة العربية بهذا الأصفر الرنان . . فإنك ستعرف ذلك في مثل قول المؤلف : ) فانتزع " كلايتون " من الخزانة الحديدية . ١٦٠٠ جنيه ذهبا وأمر بشحنها ( ص ١٨٥ . ولما وقف لورانس أمام " اللورد المنبى " وصف هذا اللقاء قائلا : ) وإن هذا الكائن الغريب - يعني نفسه - لا يطلب - من اللورد طبعا - سوى التموين . . ومقدار مائتى ألف دينار من الذهب . . لتثبيت أولئك المهتدين في عقيدتهم الجديدة وإدارة حركاتهم . . (
وقد عرف لورانس كيف يسيل لعاب العرب لهذا المعدن الكريم . . فقد أغرى التأثر الكبير " عودة " ورجاله بمثل هذه العبارة :
) وإن اللنبي سيرسل إلى " العقبة " بنادق ومدافع ومتفجرات وذهبا ١ ( ص ١٩٢ ، إلا أن البنادق في هذه المرة لم تكن من النوع الذي ينفجر عند أول طلقة ، لأن انجلترة كان لها مصلحة أية مصلحة في أن تكون البنادق بيد العرب الثائرين ضد تركيا من أجود الأنواع . .
وكانت مطالب لورانس الذهبية تحقق دائما على وجوه الاستعجال . . وخاصة بعد نجاحه في اقتحام " العقبة " . اسمعه يقول : ) وكانوا قد أرسلوا إلي من " العقبة ثلاثين ألف جنيه ذهبا . . ( ص ٣٢٢ .
والضيمر في كانوا يعود بالطبع على انجلترة ، وعلى رؤساء الحركة التي كان مركزها " القاهرة التى كان المؤلف دائم الاتصال بها . . فيقول : " كنا قد أبرقنا إلى القاهرة ؛ . أو يقول في ص ٣٣٧ : ) وكانوا في القاهرة خلال الأربعة الأيم التي قضيناها هناك يهتمون بأمرنا اهتماما جديا ( . أو يقول في ص ٨٢ : ) وقد وعدتنا القاهرة - تحت تأثير هذه الأخبار الطيبة - بالذهب والبنادق والبغال والمتراليوز والمدافع . . (
وفي خلال هذا السرد الثائق لسلسلة متتابعة من الحوادث المثيرة يظل لورانس مبدعا في وصف العادات العربية والتقاليد البدوية ، ووصف المدن العربية وقراها ودسا كرها وصفا لا يملك القارئ نفسه من الإعجاب بدقته وروعته . على أن لورانس بارع أيضا في وصف الرجال عربا كانوا أم غير عرب ، ويكفي أن أحيل القارئ على أوصافه البارعة للشريف شاكر ص ١٦ ، ووصف فيصل ووصف المنبي وغطرسته وصرامته ص ١٨١،١٨٦ . ووصفه لأبناء الشريف حسين فيصل وعبد الله - الملك عبد الله - وعلي ، ووصفه لعودة البدوي ولفهد الذين يمثلان أخلاق الصحراء . .
ولورانس مؤلف من طراز رفيع ، فهو حين يتوجس إملالا في السرد يلقي إليك بفكاهة تسري عنك وتبعثك على المضي في القراءة ، كوصفه لجيوش الحشرات والبراغيث التي أرادت أن يجعل من جلده الناعم سماطا شهيا لها ، ولم يشأ أن يكون كريما معها - كرم العرب - إلى حد أن يقدم دمه طعاما لهذه الضيوف الثقيلة . . ص ٢٥٦ .
وهكذا يمضي بك الكولونيل لورانس في خمسمائة صفحة من التاريخ والمذكرات والعادات خلال عامين في الصحراء ، فتشعر وأنت في جو من الترجمة العربية البليغة والأسلوب العربي المشرق للدكتور كرم أن أطراف الجزيرة كلها قد اجتمعت بين يديك وتحت ناظريك . .
