هذا الكتاب - واسمه بالإنجليزية Modern Egyption - كان من حقه على اللغة العربية أن يترجم من زمن بعيد . لأنه ليس نظرة رجل غريب إلى مصر فى مطلع القرن التاسع عشر ، ولا مشاهدات دقيقة واعية لرحلة قام بها مستشرق ، ولا حكاية لزيارة من تلك الزيارات التى ينفذ بها السائح إلى صميم البلد النازل فيه ؛ ولكنه صورة صادقة ناطقة لمصر والمجتمع المصرى فى العهد الذى أعقب الحملة الفرنسية على مصر وصاحب قيام الأسرة العلوية . وما من شك فى أن الحياة فى ذلك العهد كانت امتدادا للحياة الاجتماعية فى مصر تحت الحكم العثمانى ؛ فإن التطور السريع لم يكن قد دخل بعد إلى صميم الحياة المصرية . ومن هنا نستطيع أن نقول : إن صور المجتمع المصرى التى أداها المستشرق الإنجليزى إدوارد لابن فى كتابه هنا فى مطلع القرن التاسع عشر ، إنما هى صور أو امتداد صور لمصر العثمانية قبل ذلك .
ومن هنا كانت أهمية الكتاب ، لأن مثل هذه الصور لم تجد من يسجلها بدقة وصدق أداء كما صنع مستر لابن وما عهدنا كتب التاريخ فى اللغة العربية كانت تعنى بهذه الصور وأمثالها للشعوب والمجتمعات الإسلامية إلا عرضا . ولم يكن غرضا أصليا للمؤرخ الإسلامي - فى أى عصر من العصور - أن يرصد الناحية الاجتماعية والعادات والتقاليد ؛ إلا ما جاء فى مثل (( خطط المقريزى )) من وصف الحفلات والمواسم والمهرجانات ، وما جاء فى كتاب الجبرتى المؤرخ المعاصر للحملة الفرنسية وشطر من عهد محمد على .
على أننا نتجوز كثيرا إذا عقدنا موازنة بين هذين الكتابين العربيين ، وهذا الكتاب المترجم عن الإنجليزية . فصاحب ( الخطط ) كان غرضه الأول من الكتاب وصف ما بمصر من آثار وخطط ، فلم يجئ فيه تصوير بعض ملامح المجتمع المصرى وعاداته إلا عارضا حين يتحدث عن عيد أو موسم أواحتفال دينى . وصاحب ( عجائب الآثار فى التاريخ والأخبار ) ، وهو الشيخ الجبرتى كان مؤرخا بالمعنى العام قبل أن يكون واصفا للمجتمع المصرى ومسجلا لعاداته وتقاليده . أما المستشرق إدوارد وليام لابن ، فقد جاء إلى مصر ليتعلم العربية ، ولكنه كان موجها همه وهمته إلى ملاحظة عادات المصريين وتقاليدهم وتسجيلها ، كما يقول هو فى مقدمة كتابه صفحة ١٦ من طبعة Everyman’s الإنجليزية .
وعجيب أن كتاب المستر لابن الذى قصد به - كما يقول فى المقدمة - أن يجعل بعضا من مواطنيه الإنجليز أحسن معرفة للطبقات المتحضرة فى أمة من أهم أمم العالم - هذا الكتاب لا يوثق معرفة الإنجليز بهذه الأمة المصرية الكريمة ، بل يزيدنا نحن - أبناء مصر - معرفة وثيقة بأهلنا وآبائنا منذ جيلين أو أكثر ، ويرد إلينا من ماض كاد ينصرم كثيرا من المشاهد التى لم يعد لها اليوم وجود ، ويحفظ علينا من يد الضياع كثيرا من العادات والتقاليد التى طوح بها عالم متغير متطور .
ولم يكتف المستر لابن بالصور الوصفية التى دون بها ملاحظاته ومشاهداته بعين بصيرة نفاذة ، ولكنه قدم لنا
فى الكتاب عشرات وعشرات من صور ورسوم رسمها الرجل بريشته ، وهى ريشة فيها كثير من الفن والتعبير اللذين أجادهما (( لابن )) حين بدأ حياته بالحفر والنقش مع شقيقه (( ريتشارد )) .
وخيرا فعل الأستاذ عدلى طاهر نور حين أخرج لنا كتاب المستر لابن بما فيه من هذه الصور والرسوم التى لم يكن منها بد بجانب الصور القلمية البديعة التى يرسلها المؤلف فى دقة وقوة ملاحظة وسبر للأغوار ، فلا يكتفى بالظواهر ، بل يعلل لها ويردها إلى أصولها ، ولا يسكت عن الشىء الذى يراه فى مصر ، بل يذهب فى السؤال عنه كل مذهب حتى ينكشف له وجه الحق فيه .
وإذا كان الأستاذ عدلى طاهر نور قد بلغ من الأمانة أن ينقل لنا كتاب المستشرق (( لابن )) كما كتبه صاحبه ، وكما وضحه برسومه وصوره ، فلا أدرى لماذا أجاز لنفسه أن محذف فصلا كاملا من الكتاب ، وهو الفصل الثالث الذى يتحدث فيه المستشرق عن (( الدين الإسلامى وأحكامه )) ، وهو فصل يبلغ من الكتاب فى طبعة Everyman’s خمسين صفحة كاملة . وهب أن ذلك الفصل يبلغ صفحة أوصفحتين - لا خمسين - فبأى حق يبيح الأستاذ المترجم لنفسه هذا ؛ ثم يدافع عن هذا البئر ( بأن المؤلف يصف الدين وأحكامه وصفا دقيقا قد يمل القارئ لمعرفته إياه ) .
وهذا الإشفاق من المترجم على القارئ عاطفة لا تدخل فى حساب الناقلين حين يؤدون أمانة النقل كاملة ... فمثل هذا التقدير لو دخل فى الترجمة لأفسد أصولها وفوت علينا كثيرا من أغراضها . أليس من حق كل قارئ عربى مسلم لم يتح له الاطلاع على كتاب المستر لابن بالانجليزية أن يقرأ الكتاب مترجما فى غير نقص ؛ وأن يعرف على الأقل رأى هذا المستشرق فى الدين وأركانه وأوامره ونواهيه ومعاملاته .
ولا أشك أن العمل الذى قام به صديقى الأستاذ عدلى طاهر نور فى ترجمة هذا الكتاب هو عمل له فيه فضلان ، فضل البداية ، وفضل الاستمرار ؛ وقد كمل كل منهما صاحبه حتى أتيح للكتاب أن يرى النور فى طبعته العربية . فقد بدأ المترجم ينشر بعض فصول الكتاب فى مجلة الرسالة من زمن ؛ ولما وقف النشر خشينا أن تكون الطريق قد انقطعت بصاحبنا عن المضى فى الشوط إلى غايته . وكنت
دائما أقرن تحيتى له حين ألقاه بالسؤال عن مصير الكتاب خشية أن تكون عوقته العوائق . ولكن همة الأستاذ عدلى نور تعمل ولا تستعجل الزمن ، فقد خرج الكتاب اليوم - بعد صبر طويل - ونزل فى السوق الأدبية ليلقى مصيره من التقدير . وليس من التقدير أن يستقبل الكتاب بالمدح والحمد وحدهما ؛ فأقل حقوق التقدير أن يقرأ الكتاب ، وأن يطال الوقوف أمامه ، وأن يخرج الناقد من طول الوقوف بما يدل على تزيد فى العناية وتكثر فى الاهتمام . فإن صاحب الإنتاج الحقيقى يسره أن يعلم أن بعضا من الناس قد صاحبوه كثيرا فيما أخرجه ، وأطالوا الصحبة معه وخرجوا من هذه المصاحبة الفكرية الطويلة بما يدل على أن كتابه قد قرئ ... وحسبك من النقد مثل هذا الجزاء
ولقد وقفت فى الترجمة عند مواقف كنت أرجع النص الانجليزى عن شمالى والترحمة العربية عن يمين ؛ فأرى هذه غير مواتية ولا مقابلة للغة المنقول عنها تمام المقابلة .. وأجد فى الترجمة العربية ص ٢٠٩ ( ويتقزز المرء من رؤية حمير النقل ... ) مع أن التعبير فى الانجليزية ص ٢٩٢ ( It is shockings) وشتان بين هذه وتلك .
ثم أجد فى الترجمة العربية - هامش صفحة ٢٠٩ هذه العبارة ( ... بأن بركهاردت استفهم خطأ ) مع أن الأصل الانجليزى ( have been Misinformed ) وشتان بين العبارتين ، فإن المقصود أن بركهاردت قد أبلغ معلومات غير صحيحة ، لا أنه استفهم خطأ كما فى الترجمة .
ثم أجد فى الكتاب ص ٢٤٦ ( إن تحريم الخمر ... جعل المسلمين ) . مع أن الأصل الانجليزى ص ٣٣٨ ( The greater number ) بين - أي جعل أكثر عدد من المسلمين . وفرق دقيق بين الأثنين .
ثم أجد فى صفحة ٢٠٤ ( ويستشهد المسلمون حتى أشدهم تقى بالقرآن عند المزاح ، وقد حدث مرة أن طلب أحدهم أن أهدى إليه ساعة ، فأوعز إلى بهذه العبارة الملتبسة : إن الساعة آتية أكاد أخفيها - الآية ١٥ من سورة طه ) . والتعبير كله بعيد عن الدقة فى الترجمة من وجوه ، أحدها : أن كلمة يستشهدون لا محل لها ، وقد تكون كلمة يقتبسون أقرب إلى المراد . والثانى أن وصف العبارة القرآنية (( وبالملتبسة )) قد يسىء قصد المؤلف الانجليزى . فوق أن الأصل لا يحمل هذا . وغرض المؤلف أن يقول
إن صاحبه استهداء ساعة ، فلجأ إلى آية قرآنية فيها كلمة الساعة يعني يوم القيامة . فليس فى العبارة القرآنية (( التباس )) كما تدل الترجمة العربية ، وكل ما هنالك أن رجلا لجأ إلى تورية قرآنية ليستهدى صاحبه ساعة .
على أننى كنت أرجو لو تمهل الأستاذ عدلى نور فى اللغة - نحوا وتركيبا - قبل أن يتعرض للنقد أو يستهدف للأقلام ؛ وقد كان عنده من سعة الوقت حين بدأ يترجم الكتاب ما لا عذر له معه . وما اعتذاره عن قوله صفحة ٤٠٩ ( وقد قيل إن هناك نور خارق للعادة يظهر فى القبر المقدس بأورشليم ) ، والصواب نورا خارفا .
وعن قوله فى صفحة ٢٣١ ( عدد البيض المعطوب ) . والعطب لغة الهلاك . ولا يقال عطب البيض . وعطبت الفاكهة . والصواب أن يقال مذرت البيضة أى فسدت . وبيض مذر .
وما اعتذاره عن قوله فى صفحة ٢٣ ( فى إحدى شوارع القاهرة ) . والسواب أحد شوارع القاهرة ، لأن الشارع مذكر لا مؤنث .
وما اعتذاره عن قوله فى صفحة ٢٨ بالهامش ( تميز ثلاث عناصر ) . والصواب ثلاثة عناصر . لأن العدد هنا يؤنث نظرا لتذكير المعدود وهو العنصر . وما اعتذاره عن كتابته للتعبير إن شاء الله هكذا ( إنشاء الله ) ص ٢٠٨ .
وما اعتذاره عن كثير غير هذا ، مما قد يظنه بعضهم شيئا يسيرا إوحادثا تافها ؛ ولكن الجادين فى ثقهم وفى عملهم وفى صدق الخدمة التى يؤدونها لأمتهم حين يؤلفون وحين يترجمون ينأون بأنفسهم من هذه الزلات التى لم يعد لها احتمال فى مثل هذا الزمان .
وأعجب ما راعنى - أو روعنى - أن المستشرق الإنجليزى (( لابن )) كان أكثر دقة وأمانة حين يستشهد بآية من القرآن الكريم ، وحين يضعها فى كتابه الإنجليزى مترجمة إلى الإنجليزية ؛ على حين أن صديقنا الأستاذ عدلى طاهر نور قد نقل هذه الآيات خطأ ، وردها إلى عربيتها محرفة - ولو أنه كان يترجم هنا أيضا - حين يرد الآية بالإنجليزية إلى أصلها العربى - لقلت خطأ فى الترجمة يلتمس تصويبا ؛ ولكن ما عذره هذه المرة أيضا والقرآن العربى
الكريم بين يديه وتحت عينيه ؟؟ فما باله لا يتثبت من الآية قبل نقلها ؟ ويستيقن من صحتها قبل كتابتها ؟ . فمن الآيات المحرفة ما جاء فى صفحة ٢٠٢ ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض ) . وصحة الآية الكريمة ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ) سورة المائدة آية ٥١ .
ومن الآيات المحرفة ما جاء فى صفحة ٢٠٤ ( إن الله يغفر الذنوب جميعا وهو الغفور الرحيم ) . وصحة الآية الكريمة ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم ) سورة الزمر آية رقم ٥٣ .
على أن هذه المآخذ - قلت أم كثرت - لا تمنع أن نقول كلمة الحق فى الجهد الذى بذله المؤلف حتى يسدى إلى العربية فضل ترجمة هذا الكتاب . فما كان عملا يسيرا أن يترجم كتاب إدوارد لابن إلى اللغة العربية .
ولكن الأستاذ عدلى نور استسهل فيه كل صعب حتى زلت له مقارنه ؛ ولا أنساه وهو على شاطىء النيل بالمنصورة أو فى ركن من أركان القاهرة ، والأصل الإنجليزى بين يديه أو تحت إبطه . كأنما كان له شغلا شاغلا .
وإذا كنت قد صادفت له فى الترجمة قلة من المخالفات فإننى أشهد الله أنه كان فى أغلب المواطن أمينا فى الترجمة أمانة تكاد - كما يقول - لمطابقتها الأصل أن تكون حرفية . على أنه استطاع أن يختلس بعض الأوقات ليحمل هوامش الكتاب ببعض تعليقات كنت أود لو كثرت فى الكتاب . فإن مثل الكلام فى صفحة ١٠١ عن الاعتقاد الشائع بفساد الزواج فى شهر المحرم كان يستحق من المترجم تعليقا . فالزواج فى المحرم و رمضان جائز شرعا كما يحوز فى بقية شهور العام ولكننا نسرف إذا طلبنا من الأستاذ عدلى نور أكثر من الترجمة ؛ ولكنه هو الذى اختار لنفسه التعليق فى بعض المواضع ، فوددنا لو اتسع وقته لأكثر من هذا . على أنه مشكور أطيب الشكر بما صنع . والله يوفق خطواته فى سبيل أمته التى تنتظر من توالى إنتاجه - بعد هذه الباكورة الطبية - خيرا كثيرا ،

