تشيع فى فرنسا اليوم فلسفة جديدة فى الفكر والحياة هى الفلسفة الوجودية ، وجان بول سارتر أهم دعاتها حتى ليطلق خصومه عليه وعلى أنصاره اسم " اتحاد شركات سارتر وأصحابه ، فقد دأب على الدعوة لها فى مجلته " العصور الحديثة " وفى رواياته ومسرحياته ، وعلى رأسها مسرحية الندم أو الذباب التى ترجمها زميلنا الفاضل الدكتور محمد القصاص ، حتى يطلع قراء العربية على حقيقة هذه الفلسفة ، ولعل ذلك ما جعله يقدم لها بمقدمة طويلة حاول فيها أن يرسم الخطوط الأساسية لفلسفة سارتر الوجودية .
وهى خطوط يبدؤها بما نزعمه الوجودية من أن الوجود متقدم على الماهية ، فنحن نوجد أولا ، ثم توجد ماهيتنا ، أو بعبارة أدق : نحن نوجد ، ثم نصنع ماهيتنا ، نصنعها بإرادتنا ؟ فكل منا يكيف حياته حسب مشيئته ، ولا شئ يسيطر عليه فى هذه المشيئة ، أو قل لا شئ يعطلها له من هذه الأوهام التى تسمى تأثيرات طبيعية أو اجتماعية . وحتى ماضى الإنسان نفسه لا يسيطر عليه منه شئ إلا ما يريد هو ، فهو الذى يحكم نفسه بنفسه ، وهو الذى يوجه نفسه لما يريده فى مستقبله .
وهذا الخط الكبير من خطوط الوجودية عند سارتر ينتهى بنا إلى الخط الثانى ، وهو الخط الذى يدعمه بكل ما يستطيع من قوة ، ونقصد خط الحرية . فكل منا حر فى تقرير مستقبله ومصيره . إذ كل منا يستطيع أن يحيا كما يريد غير متأثر بأى نوع من أنواع الجبر الزعومة أو الموهومة ، مما يسمونه تارة مؤثرات طبيعية ، وتارة أخرى مؤثرات علمية أو فنية أو سياسية أو خلقية .
الإنسان حر أو ينبغى أن يكون حرا أوسع ما تكون الحرية ، فهو الذى يصنع ماهيته ، وهو الذى يوجدها على النحو الذى يريده غير متقيد بأوضاع ولا يقيم سابقة ؟ فالحياة ليس فيها جبر ، لا من بيئة ، ولا من تربية ، ولا من أشياء ماضية ، أو ما يسمونه التاريخ ، ) إنما فيها الإنسان الحر الذى يسوى نفسه فى الصورة التى تبتغيها مشيئته وإرادته .
وليس معنى ذلك أن سارتر يلغى الوجود الجماعى للفرد البتة ، ويحيله إلى فردية خالصة ، فهو يرى أن كلا منا فى وجوده الفردى يكتشف وجود الآخرين ، عن طريق هذا التشابك او التلاصق فى الذاتية أو الوجود بين الفرد وغيره من الأفراد .
وما نزال فى هذه الأفكار التى يسوقها الدكتور القصاص حتى تنتهى إلى المسرحية ، وهى تقع فى ثلاثة فصول بث فيها سارتر فلسفته الوجودية . وقد دارت هذه الفصول فى أرجوس حيث نجد أهلها وملكهم وملكتهم يغطون ، أو قل يغرقون فى الفساد ؟ فقد قتلوا الملك المظفر أجاممنون " وارتضوا قاتله ملكا عليهم تشاطره زوجة أجاممنون الخائنة . وكان لأجاممنون ابن منها هو اورست بطل المسرحية ، وكان حين قتل أبوه لا يزال فى المهد صبيا ، فاصدر زوج امه أمرا بقتله ، ولكن الذين حملوه ليقتلوه أشفقوا عليه ، فطر حوه فى غابة ، والتقطه نفر من أعيان أثينا ، فرعوه أجمل رعاية ، وربوه خير تربية .
وتفتح اصول الرواية على منظر فى أرجوس حيث تمثال جوبيتر إله الذباب والموت ، ونرى نساء عجائز أقبلن فى مسوح سوداء ، وفى أيديهن زقاق الخمر ، ليرقنها أمام التمثال ، ويدخل أورست ومربيه وجوبيتر . ويدور الحوار أولا بين أورست ومربيه ، ثم بين اورست وجوبيتر ويطلع أورست على ما كان من خيانة أمه وزوجها الجديد ، وما غرقت فيه أرجوس من إثم وفساد ، ويتغير المنظر ، فإذا أخته إبليكترا ، فيتحاوران ، وتعلن إليه فى حوارها ما تصب عليها أمها وزوجها من أسواط العذاب ، فهى تعمل لها خادما مهينة . ويقول لها : إنه أخوها فلا تصدق ، لأنه لا يتقدم لتخليصها مما هى فيه ، ورد حريتها إليها ، وتسأله عن البلدة التى أقبل منها ، فيقول لها : إنها لا تعرف إلا المرح والغناء . وما يزال يحاورها حتى يتضح له طريقه فيقتل أمه وزوجها ، ويحرر أخته والبلدة من القيود الثقيلة التى رزحا تحت أعبائها
وأثناء هذه الفصول والمناظر الثقافية يبث سارتر آراءه الوجودية ، فهذا إيجست الملك يعلن فى حوار له مع جوبيتر أنه يصدر فى عمله عن مشيئته هو ، لا عن مشيئة جوبيتر ، يقول ص ١٠٧ : " منذ أن ملكت وكل أعمالى وكل كلماتى لا وجهة لها إلا تصوير صورتى ، أريد من كل واحد من
رعاياى أن يحملها فى نفسه ، وأن يحس حتى فى وحدته نظراتى القاسية تنوء بأخفى أفكاره . ولكنى كنت أول الضحايا ، فأصبحت لا أرانى إلا كما يروننى ، وأطل على البئر الفاغرة التى تكن أرواحهم وأرى صورتى فى أقصى القاع ، فتقززنى بقدر ما تأخذ بلبى . . وهل أكون إلا هذا الرعب الذى فى قلوب الآخرين منى " .
وواضح أن إيجست ينكر الإيمان إلا بنفسه ، إذ يعلن أنه هو الذى صنع ماهيته أو صورته ، وأنه حملها من حوله من رعيته . ولم يلبث أن أصبح أول الضحايا عن طريق التشابك أو التلاصق فى الذاتية والشركة بينه وبين غيره فى الوجود ، فلم يعد إلا هذا الرعب الذى فى قلوب رعيته منه .
ثم هذا أورست بطل المسرحية يعلن فى غير موضع حريته وأنه جنى ما جنى حرا مختارا ، إذ وجد نفسه أو وجد ماهيته . يقول ص ١١٦ : " لقد فعلت فعلى يا إيلكترا وهو فعل حسن سأحمله على كاهلى كما يحمل المسافرين عابر الماء وسأعبر به إلى الشط الآخر لأقدم عنه الحساب ، وكلما ثقل على حمله قرت به عيناى لأنه هو حريتى ، وحريتى ليست شيئا سواه . بالأمس فقط كنت أهيم على وجهى تزجينى المصادفة المحضة ، وكانت آلاف الطرق تفر من تحت قدمى لأنها ملك لغيرى ، استعرتها جميعا من طريق صاحبى السفن ، تلك الطريق التى تسير محاذية للنهر إلى طريق البغالين إلى الطريق المرصوفة ، طريق سائقى المركبات . ولكن لم تكن لى واحدة من بينها ، واليوم ليس أمامى إلا طريق واحدة ، لا يعلم غايتها إلا الله ولكنها طريقى " .
وهكذا يطبق سارتر على أورست آراءه فى الحرية ، كما يطبق عليه نكرانه للجبرية فى أى صورة من صورها ، فقد نشأ بعيدا عن أرجوس ، ولكن لم ينفعه بعده ولا تربيته التى ترباها ، أو قل لم يعوقاه عن قتل أمه وزوجها لكى يحرر أخته وأهل أرجوس ؟ فالإنسان حر وهو يريد الحرية لغيره ،
وليس هناك شئ يحول بينه وبين ذلك ، لا من بيئة ولا من ثقافة ولا من أى ظروف اخرى . وقد انتهى اورست إلى ما انتهى إليه من هذا المصير الذى أراده أثناء تشابكه الذاتى أو تلاصقه الوجودى مع أخته .
وعلى هذه الشاكلة يكتب سارتر مسرحيات لكى ينشر آراءه ، وهى لا شك آراء فيها كثير من الغموض وفيها ايضا كثير من المخالفة للحقائق المعروفة ، فهو ينكر كل تأثير خارج عن الإنسان فى توجهه وتكوين مصيره . سواء اكان هذا التأثير من الطبيعة أو من المجتمع أو من التاريخ ؛ فلا شىء يصنع الإنسان ، إنما هو الذى يصنع نفسه أو يصنع ماهيته غير متاثر بعلة من العلل او سبب من الأسباب .
وهذا تطرف فى الرأى . فإننا لو درسنا شخصا فى يوم من الأيام لرأيناه يتأثر بمؤثرات كثيرة بعضها تافه وبعضها
حاد قوى . فصياغة الإنسان لنفسه نظرية أو فلسفة مبالغ فيها . ولندع فلسفة سارتر إلى المسرحية نفسها لنحكم عليها من الوجهة الفنية ، وأرانى لا أتردد فى القول بأن من يقرؤها يشعر أنه ليس لها نهاية محدودة ، إذ تسعى إلى رسم مواقف وأفكار دون رسم شخصيات . وأعترف بانى لم أشعر أثناء قراءتها لا بفرح ولا بحزن ، لأنى كنت أقرأ عقلا صرفا له اراؤه لا قلبا له عواطفه .
ومهما يكن فنحن نشكر الدكتور القصاص على ما بذل فى شرح آراء سارتر وترجمة مسرحيته من عناء ، ونثنى على هذا الجهد الخصب الموفق ، ولنا أمل وطيد فى أن يتحف قراء العربية بترجمة الآثار الآخرى لكاتب الوجودية الأكبر ، حتى تتضح آفاق هذه الفلسفة الجديدة من جميع جوانبها .

