الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 604الرجوع إلى "الثقافة"

نقد الكتب, الندم أو الذباب لجان بول سارتر، ترجمة الدكتور محمد القصاص

Share

تشيع فى فرنسا اليوم فلسفة جديدة فى الفكر والحياة هى الفلسفة الوجودية ، وجان بول سارتر أهم دعاتها حتى ليطلق خصومه عليه وعلى أنصاره اسم " اتحاد شركات سارتر وأصحابه ، فقد دأب على الدعوة لها فى مجلته " العصور الحديثة " وفى رواياته ومسرحياته ، وعلى رأسها مسرحية الندم أو الذباب التى ترجمها زميلنا الفاضل الدكتور محمد القصاص ، حتى يطلع قراء العربية على حقيقة هذه الفلسفة ، ولعل ذلك ما جعله يقدم لها بمقدمة طويلة حاول فيها أن يرسم الخطوط الأساسية لفلسفة سارتر الوجودية .

وهى خطوط يبدؤها بما نزعمه الوجودية من أن الوجود متقدم على الماهية ، فنحن نوجد أولا ، ثم توجد ماهيتنا ، أو بعبارة أدق : نحن نوجد ، ثم نصنع ماهيتنا ، نصنعها بإرادتنا ؟ فكل منا يكيف حياته حسب مشيئته ، ولا شئ يسيطر عليه فى هذه المشيئة ، أو قل لا شئ يعطلها له من هذه الأوهام التى تسمى تأثيرات طبيعية أو اجتماعية . وحتى ماضى الإنسان نفسه لا يسيطر عليه منه شئ إلا ما يريد هو ، فهو الذى يحكم نفسه بنفسه ، وهو الذى يوجه نفسه لما يريده فى مستقبله .

وهذا الخط الكبير من خطوط الوجودية عند سارتر ينتهى بنا إلى الخط الثانى ، وهو الخط الذى يدعمه بكل ما يستطيع من قوة ، ونقصد خط الحرية . فكل منا حر فى تقرير مستقبله ومصيره . إذ كل منا يستطيع أن يحيا كما يريد غير متأثر بأى نوع من أنواع الجبر الزعومة أو الموهومة ، مما يسمونه تارة مؤثرات طبيعية ، وتارة أخرى مؤثرات علمية أو فنية أو سياسية أو خلقية .

الإنسان حر أو ينبغى أن يكون حرا أوسع ما تكون الحرية ، فهو الذى يصنع ماهيته ، وهو الذى يوجدها على النحو الذى يريده غير متقيد بأوضاع ولا يقيم سابقة ؟ فالحياة ليس فيها جبر ، لا من بيئة ، ولا من تربية ، ولا من أشياء ماضية ، أو ما يسمونه التاريخ ، ) إنما فيها الإنسان الحر الذى يسوى نفسه فى الصورة التى تبتغيها مشيئته وإرادته .

وليس معنى ذلك أن سارتر يلغى الوجود الجماعى للفرد البتة ، ويحيله إلى فردية خالصة ، فهو يرى أن كلا منا فى وجوده الفردى يكتشف وجود الآخرين ، عن طريق هذا التشابك او التلاصق فى الذاتية أو الوجود بين الفرد وغيره من الأفراد .

وما نزال فى هذه الأفكار التى يسوقها الدكتور القصاص حتى تنتهى إلى المسرحية ، وهى تقع فى ثلاثة فصول بث فيها سارتر فلسفته الوجودية . وقد دارت هذه الفصول فى أرجوس حيث نجد أهلها وملكهم وملكتهم يغطون ، أو قل يغرقون فى الفساد ؟ فقد قتلوا الملك المظفر أجاممنون " وارتضوا قاتله ملكا عليهم تشاطره زوجة أجاممنون الخائنة . وكان لأجاممنون ابن منها هو اورست بطل المسرحية ، وكان حين قتل أبوه لا يزال فى المهد صبيا ، فاصدر زوج امه أمرا بقتله ، ولكن الذين حملوه ليقتلوه أشفقوا عليه ، فطر حوه فى غابة ، والتقطه نفر من أعيان أثينا ، فرعوه أجمل رعاية ، وربوه خير تربية .

وتفتح اصول الرواية على منظر فى أرجوس حيث تمثال جوبيتر إله الذباب والموت ، ونرى نساء عجائز أقبلن فى مسوح سوداء ، وفى أيديهن زقاق الخمر ، ليرقنها أمام التمثال ، ويدخل أورست ومربيه وجوبيتر . ويدور الحوار أولا بين أورست ومربيه ، ثم بين اورست وجوبيتر ويطلع أورست على ما كان من خيانة أمه وزوجها الجديد ، وما غرقت فيه أرجوس من إثم وفساد ، ويتغير المنظر ، فإذا أخته إبليكترا ، فيتحاوران ، وتعلن إليه فى حوارها ما تصب عليها أمها وزوجها من أسواط العذاب ، فهى تعمل لها خادما مهينة . ويقول لها : إنه أخوها فلا تصدق ، لأنه لا يتقدم لتخليصها مما هى فيه ، ورد حريتها إليها ، وتسأله عن البلدة التى أقبل منها ، فيقول لها : إنها لا تعرف إلا المرح والغناء . وما يزال يحاورها حتى يتضح له طريقه فيقتل أمه وزوجها ، ويحرر أخته والبلدة من القيود الثقيلة التى رزحا تحت أعبائها

وأثناء هذه الفصول والمناظر الثقافية يبث سارتر آراءه الوجودية ، فهذا إيجست الملك يعلن فى حوار له مع جوبيتر أنه يصدر فى عمله عن مشيئته هو ، لا عن مشيئة جوبيتر ، يقول ص ١٠٧ : " منذ أن ملكت وكل أعمالى وكل كلماتى لا وجهة لها إلا تصوير صورتى ، أريد من كل واحد من

رعاياى أن يحملها فى نفسه ، وأن يحس حتى فى وحدته نظراتى القاسية تنوء بأخفى أفكاره . ولكنى كنت أول الضحايا ، فأصبحت لا أرانى إلا كما يروننى ، وأطل على البئر الفاغرة التى تكن أرواحهم وأرى صورتى فى أقصى القاع ، فتقززنى بقدر ما تأخذ بلبى . . وهل أكون إلا هذا الرعب الذى فى قلوب الآخرين منى " .

وواضح أن إيجست ينكر الإيمان إلا بنفسه ، إذ يعلن أنه هو الذى صنع ماهيته أو صورته ، وأنه حملها من حوله من رعيته . ولم يلبث أن أصبح أول الضحايا عن طريق التشابك أو التلاصق فى الذاتية والشركة بينه وبين غيره فى الوجود ، فلم يعد إلا هذا الرعب الذى فى قلوب رعيته منه .

ثم هذا أورست بطل المسرحية يعلن فى غير موضع حريته وأنه جنى ما جنى حرا مختارا ، إذ وجد نفسه أو وجد ماهيته . يقول ص ١١٦ : " لقد فعلت فعلى يا إيلكترا وهو فعل حسن سأحمله على كاهلى كما يحمل المسافرين عابر الماء وسأعبر به إلى الشط الآخر لأقدم عنه الحساب ، وكلما ثقل على حمله قرت به عيناى لأنه هو حريتى ، وحريتى ليست شيئا سواه . بالأمس فقط كنت أهيم على وجهى تزجينى المصادفة المحضة ، وكانت آلاف الطرق تفر من تحت قدمى لأنها ملك لغيرى ، استعرتها جميعا من طريق صاحبى السفن ، تلك الطريق التى تسير محاذية للنهر إلى طريق البغالين إلى الطريق المرصوفة ، طريق سائقى المركبات . ولكن لم تكن لى واحدة من بينها ، واليوم ليس أمامى إلا طريق واحدة ، لا يعلم غايتها إلا الله ولكنها طريقى " .

وهكذا يطبق سارتر على أورست آراءه فى الحرية ، كما يطبق عليه نكرانه للجبرية فى أى صورة من صورها ، فقد نشأ بعيدا عن أرجوس ، ولكن لم ينفعه بعده ولا تربيته التى ترباها ، أو قل لم يعوقاه عن قتل أمه وزوجها لكى يحرر أخته وأهل أرجوس ؟ فالإنسان حر وهو يريد الحرية لغيره ،

وليس هناك شئ يحول بينه وبين ذلك ، لا من بيئة ولا من ثقافة ولا من أى ظروف اخرى . وقد انتهى اورست إلى ما انتهى إليه من هذا المصير الذى أراده أثناء تشابكه الذاتى أو تلاصقه الوجودى مع أخته .

وعلى هذه الشاكلة يكتب سارتر مسرحيات لكى ينشر آراءه ، وهى لا شك آراء فيها كثير من الغموض وفيها ايضا كثير من المخالفة للحقائق المعروفة ، فهو ينكر كل تأثير خارج عن الإنسان فى توجهه وتكوين مصيره . سواء اكان هذا التأثير من الطبيعة أو من المجتمع أو من التاريخ ؛ فلا شىء يصنع الإنسان ، إنما هو الذى يصنع نفسه أو يصنع ماهيته غير متاثر بعلة من العلل او سبب من الأسباب .

وهذا تطرف فى الرأى . فإننا لو درسنا شخصا فى يوم من الأيام لرأيناه يتأثر بمؤثرات كثيرة بعضها تافه وبعضها

حاد قوى . فصياغة الإنسان لنفسه نظرية أو فلسفة مبالغ فيها . ولندع فلسفة سارتر إلى المسرحية نفسها لنحكم عليها من الوجهة الفنية ، وأرانى لا أتردد فى القول بأن من يقرؤها يشعر أنه ليس لها نهاية محدودة ، إذ تسعى إلى رسم مواقف وأفكار دون رسم شخصيات . وأعترف بانى لم أشعر أثناء قراءتها لا بفرح ولا بحزن ، لأنى كنت أقرأ عقلا صرفا له اراؤه لا قلبا له عواطفه .

ومهما يكن فنحن نشكر الدكتور القصاص على ما بذل فى شرح آراء سارتر وترجمة مسرحيته من عناء ، ونثنى على هذا الجهد الخصب الموفق ، ولنا أمل وطيد فى أن يتحف قراء العربية بترجمة الآثار الآخرى لكاتب الوجودية الأكبر ، حتى تتضح آفاق هذه الفلسفة الجديدة من جميع جوانبها .

اشترك في نشرتنا البريدية