الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 600 الرجوع إلى "الثقافة"

نقد الكتب, بعد الأعاصير

Share

حين مضيت إلى صاحبى فى السوق أسأله عن ديوان العقاد الجديد كنت أتساءل : هل سيقدم الأستاذ بين يدى قصائده بمقدمة نقدية عن آرائه فى الشعر ومذهبه فى النقد وسبيله فى البيان الأدبى ، أم سيجرد الديوان من هذه المقدمة ويتركه للدارسين والناقدين والمتذوقين يقبلون عليه دون ما فكرة سابقة أو توجيه ممهد ؟ . . وكنت أقدر أن مقالتين كتبهما العقاد فى عددى الكتاب الأخيرين عن الشعر قد تكونان هذه المقدمة . . غير أنى لم أكد أتناول الكتاب حتى وجدتنى أمام ديوان جديد ومقدمة نقدية ممتعة ذات غرض محدد وهدف مقصود .

. وطبيعى أن يقترن ديوان العقاد بمثل هذه المقدمة النقدية ؛ فليس العقاد شاعرا فحسب ، بل قد يكون الشعر آخر ميزاته التى استوت له ، ولكنه مفكر وأديب وصاحب مذهب فى البيان وناقد عميق الفور شديد العارضة واسع الأفق ، نهض على تزود ثقافى شامل ، وتوفرت له  - مع الزمن - تجارب غنية ضخمة ؛ فمن حق شعره عليه  - وهو شعر ذو طبيعة خاصة - أن يقدم له ، وأن يمهد الطريق أمامه ، وأن يفتح ما بينه وبين نفوس الناس الذين لم يألفوه ، أو الذين هم فى أول عهدهم بتذوقه وإلفه .

وكذلك كان ، وكذلك قدم أستاذنا العقاد ديوانه . غير أنه لم يقدمه للناس جميعا ، ولا للأدباء والنقاد والمتذوقين عامة ، وإنما اختص به طائفة من (( القراء الأ كرمين )) نجوا أو هم يستطيعون أن ينجوا من الأخطاء التى علقت بالنقد وخرجت به عن سوائه . وعلى هذه الأخطاء وتعميمها

وتجريد النقد منها أقام الأستاذ العقاد صفحات المقدمة ، وهى أخطاء ثلاثة :

١ - طغيان العصبية المذهبية ، السياسية أو الفكرية ، واستخدام النقد الأدبى لترويج هذا المذهب ومحاربة خصومه .    ٢- إساءة فهم حركة التجديد فى الأدب وانتهاؤها إلى حركة تقليدية مريضة .    ٣ - اعتقاد أن الشعر وجدان ، حظ الفكر والتأمل فيه دون حظ المواجد والمشاعر .

فإذا كنت ولست لك عصبية مذهبية تجعلك تستخدم النقد الأدبى وسيلة لنصرة هذه العصبية ، وتصدر عنها فى الذمة والثناء - وإذا كنت وأنت من الذين وعوا التجديد الأدبى وعيا كاملا وأدركوا أنه ليس كلمات تلقى وجملا يتعلق بها - وإذا كنت من الذين يؤثرون الجانب الفكرى فى هذه المنطقة الشعورية ، أعنى منطقة الشعر ؛ فأنت إذا قد برئت من عيوب النقد ، ومن سلطان الهوى . ومن الأخطاء التى خالطت أذهان الناقدين ، وأنت إذا واحد من هؤلاء (( القراء الأ كرمين )) الذين قدم لهم الأستاذ ديوانه الجديد .

وأحسب أن هذه المقدمة التى ضغطتها لك ، ستضعك وجها لوجه أمام بعض الخطوط الكبرى من شعر العقاد ، تتمثله قبل  أن تقرأه ، وتتخيله قبل أن تمضى فيه ، وتقف من مشكلاته موقفا واضحا : تعرف خصومه وأنصاره ، وتدرك محبذيه ومعارضيه ، وتستبين لك أنها خصومة عنيفة بين ألوان من المذاهب فى الأداء الشعرى يقف العقاد على الذروة

من مذهب منها : مذهب يرعى جانب الفكر ونصيب التامل ، ويفرط فى هذه الرعاية حتى لتنعكس أحيانا إهمالا لنوازع الحس ، أو سربلة لها فى نطاق الفكر - وإخفائا لهواجس الضمير ، أو تصعيدا بها إلى سماوات التأمل ، وحتى لتنعكس أحيانا أخرى استخفافا بالسبك أو باللفظ أو بهما معا ، وحتى لتبدو أنها تأخذ بيد القارئ من رأسه لا من قلبه ، ومن تفكيره لا من عاطفته ، لينقاد لها ويتجاوب معها .

ولن تجد جهدا فى إدراك ذلك والوقوف عليه ، فأسلوب المقدمة نفسه كفيل أن يقودك ويطلعك ويمكن لك من هذا الإدراك . فهذه المقدمة النقدية القوية التى كانت جديرة أن تكون عرضا هادئا للآراء ومناقشة متمهلة لألوان من التناول الشعرى ، جاءت ولها ثوب فضفاض من الدفاع وجرس واضح قوى من المرافعة والاتهام ، حتى عنوانها لم يخل من هذه الصبغة العاطفية التى تلونها حين سماه الشاعر (( فى ذمة النقد )) .

وتتساءل : لم كان ذلك ، أهوا اليأس من الإقناع ، أم هو الملل من المعاودة ، أم هى الأنفة أن يردد فى العقد السابع آراء له سبقت منذ سنين وسنين ؟ . ولكنك لا تقع على جواب تطمئن إليه ؛ فإذا كنت ، مثلى ، من الذين يعرفون لهذا الكاتب الكبير قدرته الفذة ، ويدركون منزلته الرفيعة ويثقون أنه يستطيع أن يقلب الأمر على كل وجه ، وأن يعرض فى كل صورة ما يريد عرضه ، إذا لرجوت لو كان حديث المقدمة عرضا ، ولم يكن دفاعا وما يضطر إليه الدفاع من تجاوز عن أمور ووقوف عند أخرى .

وتظلم نفسك وتظلمنى وتظلم الديوان ، إن أنت لم تقرأ هذه المقدمة مرتين قبل أن تحتويك جنة الشعر : تظلم نفسك لأنك تخسر هذه الملاحظ النقدية البارعة التى لخص بها سيرة النقد العربى فى معللها ، فى السنوات الأخيرة ، وتظلمنى لأنك قد تشاركنى هذا النقد دون أن يتاح لك مشاركتى هذا الإعجاب . وتظلم الديوان لأن فهمه وتذوقه إنما يقوم على إيمانك بهذه المسلمات النقدية التى أراد الأستاذ العقاد أن يمكن لها فى عقلك ونفسك .

والديوان بعد هذه المقدمة طائفة من القصائد والمقطوعات فى ست مجموعات : خواطر وهواجس - نجوى - فكاهة - وطنيات - تقدير - تأبين . . ثم . . ثم  هذا الشئ الذى قد تعجب له : ثلاث قطع منثورات ( حيرة العقول - سلام

على إبراهيم - عبقرية المازنى ) يجمع بينها وبين الديوان أنها مقالات تتصل بموضوع قصائد التأبين . . ولك حين تعرف هذا أن يزول عجبك ، ولك أن يقوى هذا العجب ويشتد حين تجد ما يغتفر فى مقال حيرة العقول ، لأنه رثاء للنقراشى ، ومقال سلام على إبراهيم لأنه رثاء للمازنى ، ولكن يعوزك أن تجد ما يغتفر فى (( عبقرية المازنى )) وهو كما تلمح من عنوانه ، وكما سماه الأستاذ العقاد ، وكما هو حين تقرؤه ، بحث . . بحث عن عبقرية المازنى .

هل نقول إنه الوفاء لصديقه . . ولكن ألا يكون الوفاء إلا على هذه الصورة من الجمع المشوش ؟

سمى الأستاذ العقاد ديوانه (( بعد الأعاصير )) ومثل هذه التسمية توحى إليك بالهدوء والدعة ، وقد تجد لها رائحة الاستقرار ، وربما سكت فى أذنيك نعما من الطمأنينة . . وقد يسهم الأستاذ العقاد كدلك فى أن يخدعك عن نفسك فيقول لك إنه (( قد يكون فى هذا الديوان غير شاهد واحد من شواهد الاستقرار بعد الإعصار )) ولكن حذار . .  فليست هذه التسمية أكثر من تسمية شعرية شكلية لأنه (( أول ديوان يصدر بعد الديوان السابق ( أعاصير مغرب ) )) .

أما الأعاصير فلا تزال أعاصير ، لا تزال هذه الرياح الهوج من الحيرة والقلق . وهذه الدروب المضطربة من التساؤل والتعجب . . لا تزال نفس العقاد هذا المحيط الكبير الذى يموج بالتيار المتدافع ولا ينى عن مد وجزر وحركة واضطرام . وخير مجموعات الديوان التى تمثل ذلك وتعبر عنه المجموعتان الأوليان : خواطر - ونجوى . وستقرأ فتجد فى الخواطر هذا القلق المشبوب دائما وهذه الأسئلة التى لا تزال تعيش فى صدر العقاد فيقذف بها على لسانه : ما المبدأ والمصير ؟ ما الكون والحياة ؟ ما الأزل والأبد ؟ ما الخير والشر ؟ أين كنا وإلى أين يكون محط القافلة ؟ أتتشاءم أم تتفاءل ؟ ما الناس وكيف ركبت فيهم هذه الطبائع ؟ ما الأنثى وكيف تنقى ؟ ما الموت وما البعث ؟ . . هذه المشاكل الكبرى فى الذهن أو فى الحياة تتنفس عند العقاد شعرا قلقا متسائلا متحيزا . . يزيد قلقه وغموضه من جماله واستئثاره بالقارئ حتى ليدعه تهب تصورات لا يخلص منها أو لا يكاد . ليس هنا فى هذه المجموعة شاهد استقرار بعد إعصار .

وحين تجاوزها بعد وقفة مستأنية عندها وقراءة معادة لبعض مقطوعاتها ( أم لعبة تتمادى ٢٧ ، تهنئة بمولد ٢٩ ، يوم ميلادى ٢١ ) إلى مجموعة نجوى ( وهى تسمية جديدة لنوازع الهوى وغوايات النفس ، فرضها وفاء السن على الأستاذ العقاد ) فإنك لن تجد هذا الاستقرار إلا فى هذه التسمية الهادئة ، أما ما وراء ذلك فأنت واجد ما شئت من استيفاز الحس ويقظة الهوى وخصب المشاعر . . وأنت سامع ما شئت من حوار ونداء ، وضراعة ورجاء وحنين ووجد ، ونفس تعيش فى الثلاثين ، لم تخفت السنون حدتها ولم تذهب الأيام بوهجها وضرامها .

هاتان المجموعتان من الديوان خير ما فيه ، على الخير الذى فيه ، عمق شعور فى الثانية ، وبعد تأمل فى الأولى . . ففى مجموعة خواطر وهواجس تتمثل كل قيم العقاد متشعبة فى فرعين اثنين ، ينفصلان حينا ويتجاوران حينا ، وقد يتمازجان حينا ثالثا : قيمه الأخلاقية من نحو ( شعراء ، صحف ماجنة ، السم الصامت . . ) وقيمه أو صيحاته الفكرية من نحو آخر ( لا فناء ، أيهما المستحيل ، على الحالين ، أغلب الظن . . )     وفى مجموعة نجوى تتضح كل المثالية التى يريدها العقاد للحب مقرونة إلى كل الواقعية التى تكتنف هذا الحب . . وقصائده هنا مزيج عجيب من الصورة المثلى ومن الواقع الواضح . . إنه يتمنى الحب خالدا خلود الدهر ، ولكن أنى له . . ويتمناه وفاء لا انفلات منه ، ولكن بين النساء والوفاء أرض ملأى بالعثرات . . ويتمناه حبا موحدا لا إشراك له فيه ، ولكن ليس باختيار منه كان هذا الإشراك . . ويتمنى لذة الحب الطاهر الذى يحلق فى السماء ، ولكنها لا تأتى إلا بعد هذا الحب الذى يلاصق الأرض ( مقاطع من عام رابع ٣٦ ، نعمة من نقمة ، أواخر قبثارة تبعث . . )

ليس هذا فحسب ، ولكن (( نجوى )) فى (( بعد الأعاصير )) قصة كاملة بعيدة الصور ، ضلل صاحبها الطريق إليها . . وهى رغم كل التزمت الذى أحاطها به الأستاذ العقاد ، حتى ليخرجها أحيانا إلى منطقة التأمل الصرف ، تتكشف للناقد عن صراع عنيف وتحكى قصة طويلة موزعة على أكثر من قصيدة ( معجزة وبرهان ، عام رابع ، رأيت . . ) ربما كانت هى القصة التى تشغل قلب العقاد اليوم ، وقصصا جانبية أخرى ربما لم يبق منها إلا الذكر والأطلال .      وأقصى الانطلاق فى هذه المجموعة هذه الأبيات الراقصة

التى تنضح إغراء : ضمى ثغيرك يابنيه . . ( ٣٧ ) وقد اجتمع لها فى هذين الصغيرين الحلوين إلى جانب رشاقة الوزن وأسلوب الحديث وهذا التجمع والتلاصق والتكامل كل ما يشاء الشيطان الذى أراد الشاعر أن يطرده .     أما أقصى التزمت والهدوء ومراجعة النفس ففى مقطوعة (( الحب أحمق )) .

فى المجموعات الأخرى من الديوان مجال لحديث طويل لا تتسع له هذه العجالة الطائرة ، ولكنه حديث يتصل وثيقا بالمقدمة ويلتقى بها . . ذلك أن أكثر القصائد الباقية جاءت فى نطاق المقدمة النقدية وعلى شروطها ، بل لعل جزءا  من هذه المقدمة كان تبريرا أو شرحا لهذه القصائد . . ولذلك فإن حظها من التقديم إنما هو تبع لحظ المذهب النقدى من الصواب ، أو من الإيمان به ، وعلى قدر انسياقك مع هذا المذهب وانسجامك مع شروطه وفروضه يكون تقديرك لهذه القصائد ووزنك لها .

ومع ذلك فقد يبقى لك أن تتساءل ، كائنا ما كان أمر المقدمة : كيف جاءت قصائد التقدير والتأبين ، أعنى المديح والرئاء فى ٤٦ صفحة متجاوزة كل شعر الديوان الآخر ، الذى لا يبلغ ٤٠ صفحة . . فلو ضممت المنثورات ، وهى ذات صلة بقصائد الرثاء ، لكان ثلثا الديوان شعر تقدير وتأبين ؟ !     ثم يبقى أن نتساءل ونرجو الأستاذ العقاد لو يجيب : ما سر هذه الظاهرة فى الإقبال على الأوزان القصار إقبالا غريبا حتى لا تتجاوز الأبيات من البحر الطويل بضعا وعشرين بيتا باستثناء القصيدة الأولى فى رثاء محمد محمود باشا ، والأبيات من البحر البسيط ستة عشر بينا ، ثم تتوزع الديوان بعد ذلك أوزان مطربة قصار ؟ !

وأخيرا ، حين تنتهى من مطالعة الديوان ، ستتساءل معى : أترى أن للشاعر ، حين يطلع على الناس بشعره ، أن يختار لهم ، أو أن يسوق لهم كل نتاجه ثم يترك لهم أن يختاروا ؟ . . ولن يعجزك الجواب فى هذه المرة . . لن يعجزك أن تقول إن علما كبيرا كأستاذنا العقاد جدير أن يطلع على الناس بكل ما يقول . . فما أشد ما ينفعك فى التفسير ما لا ترضى عنه فى التعبير ، وما لا يستثيرك فى سن مبكرة قد يلهيك فى سن متأخرة . . وهل الشعر إلا تجاوب ؟ القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية