الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580الرجوع إلى "الثقافة"

نقد الكتب, " بغداد "، لابن طيفور أبي الفضل أحمد بن طاهر الكاتب المروزي، نشر وتحقيق مكتب نشر الثقافة الإسلامية

Share

لا نكاد مع الأسف نعثر على ترجمة ضافية تعرفنا بابن طيفور ، إذا استثنينا تلك السطور المعدودة التى دونها البغدادي وياقوت وابن النديم ، ولقد أهمله ابن خلكان فلم يسلكه في وقباته. وسار في غباره ابن شاكر الكتبي فأسقطه من فواته . .

ومهما يكن من شئ فقد ولد صاحبنا أبو الفضل أحمد ابن طاهر الكاتب بمدينة بغداد يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر صفر عام ٢٠٤ ه - ٨١٩ م - وهو العام الذي دخل فيه المأمون مدينة المنصور - وبها توفى ودفن بمقابر " باب الشام " ليلة الأربعاء لأربع بقين من جمادي الأولى عام ٢٨٠-٨٩٣ م .

وقد انحدر أبو الفضل من أسرة فارسية خراسانية من " مرو الروز " . و طيفور لنسب آبيه ، قاطع بذلك ، فلست أميل إلى اشتقاق هذه الكلمة من أصول عربية ، وإنما أرى كما رأى فريق من الباحثين أنها مأخوه من الكلمة الفارسية " ياج يسر " ومعناها ابن التاج ، ولعل في ذلك ما يشير إلى أصول ملكية لأسرة أبي الفضل الفارسية هذه ، وأكثر الظن أنها كانت تتمتع قبل الإسلام بقسط كبير من الفضل والسيادة ، أما بعد الإسلام فقد عرفت هذه الأسرة بمناصرة البيت العباس والإخلاص له .

حتى لقد عرف أفرادها باسم " أبناء الدولة كما يحدثنا ابن النديم .

وهكذا ولد أبو الفضل من " أبناء الدولة يحمل معه في عقله العربي حضارة فارسية عريقة ، انحدرت إليه من أسلافه ، وكان لها - في أكبر الظن - الفضل الأول فيما خلف من آثار فكرية تمتاز بالعمق والدقة ، ناهزت خمسة وأربعين مؤلفا أصابها مع الأسف ما أصاب التراث الإسلامي كله من العدوان أو الفقدان ..

ومن خير ما ترك ابن طيفور كتابه " المنثور والمنظوم " الذي يقع في ثلاثة عشر مجلدا . . لم يبق منها جميعا غير المجلدين الحادي عشر والثاني عشر ، وهما مخطوطان بالمتحف البريطاني ، وقد طبع أولهما بالقاهرة عام ١٣٢٦ ه بعنوان " بلاغة النساء وطرائف كلامهن ! .

ومن امتع ما خلقه ابن طاهر كتابه عن " بغداد . الذي محدثك عنه اليوم ، وهو ايضا كسابقه لم يصل إلينا كاملا ، إذ لم يبق منه إلا المجلد السادس فحسب ، وهو مخطوط فريد بالملتحف البريطاني , وقد قام العلامة الألماني " هنس كلر " Hanas keller بطبع أصله العربي مع ترجمة ألمانية ، طبعة حجر بمدينة ليبسك عام ١٩٠٨ م .

ثم جاء مكتب نشر الثقافة الإسلامية لصاحبه البحاثة الأستاذ عزت العطار الحسيني ، فأعاد لنا وللباحثين طبع الكتاب بالحروف , يقول الأستاذ العطار :

" أما هذا الكتاب فهو من مؤلفات أبي الفضل أحمد ابن أبي طاهر طيفور الكاتب المروزي ، الذي عرف في حريم الأوساط العلمية بأنه امام من أئمة الأدب وعلم من أعلام الكتاب ، ومن أقدم من عرف بتدوين التاريخ ، بل هو أول من دون تاريخ مدينة السلام ، وقد أخذ عنه ابن جرير الطبري وأبو الفرج الأصبهاني وغيرهما من المؤرخين والكتاب . وقد سارت بحديث ما خلفه من الاثار العلمية والنفائس الأدبية والتاريخية الركبان ، فاهتم علماء الشرق والغرب بالبحث عنها فلم يعثروا إلا على هذه الضالة الفذة من بين كثير مما عبثت به الأيدي وطوحت به الأيام من مؤلفات هذا الكاتب الهمام . ولهذا رأيت من أوجب الواجبات تزويد الخزانة العربية بنشر هذا الكتاب النفيس ؛ وذلك لقدم تأليفه وكثرة فائدته وعظيم أهميته . . الخ

والحق أن الكتاب أول وأقدم وثيقة تؤرخ لمدينة السلام في عصر المأمون ، من عام ٢٠٤ ه - ٨١٩ م . إلى عام ٢١٨ ه - ٣ ٣ ٨ م . وحسبك أن الطبري شيخ المؤرخين قد أخذ عنه واعتمد عليه ، كما أخذ عنه أبو الفرج صاحب الأغاني . وأكبر الظن أن ابن طيفور كان معاصرا البلاذري المتوفي عام ٢٧٩ - ولابن واضح اليعقوبي المتوفي بعد عام ٢٩٢ ه وإن كانت المصادر التي تحت أيدينا لم تحمدثنا شئ عن ذلك .

ولست أشك في أن الخطيب البغدادي . أبا بكر أحمد ابن على المتوفي عام ٤٦٣ ه . قد انتفع كثيرا بكتاب ابن طيفور هذا حينما وضع لنا موسوعته الكبرى ) تاريخ بغداد فهو يترجم له بقوله :

" أحمد بن أبي طاهر أبو الفضل الكاتب ، واسم أبي طاهر طيفور ، وهو مروروزى الأصل ، كان أحد البلغاء الشعراء الرواة ، ومن أهل الفهم المذكورين بالعلم ، وله كتاب بغداد المصنف في أخبار الخلفاء وأيامهم

وذلك فنحن نعتب على البغدادي كثيرا إذ لم يترجم لأبي الفضل ترجمة تليق بمكانته كأستاذ له ، وكشخصية أدبية ممتازة لها خطرها .

والجزء الذي بين أيدينا من كتاب ابن طاهر هو من عمله دون ريب ، أما بقية الكتاب - وهي مفقودة - فقد اشترك معه فيها ابنه عبد الله ، الذي يحدثنا عنه ابن النديم في الفهرست فيقول :

" وسلك طريقة أبيه في التصنيف والتأليف ، وروايته أقل من رواية ابيه ، فأما الدراية والتأليف فكان أحمد ) ابن طيفور ( أحذق وأمهر . ولابنه من الكتب ، مازاده على كتاب أبيه في أخبار بغداد ، فإن أباه عمل إلى آخر أيام المهتدي ، وزاد ابنه أخبار المعتمد وأخبار المعتضد وأخبار المكتفي وأخبار المقتدر ولم يتمه " .

لابن طاهر في كتابه هذا أسلوب خاص وطريقة في التأريخ طريقة تلفت نظر الباحثين ، حدثنا عنها الأستاذ الكبير والشيخ الجليل زاهد الكوثري الذي أشرف على طبع الكتاب فقال :

" وطريقة المؤلف في تسجيل الأنباء مدعاة للاطمئنان بها ؛ لأنه يذكر أولا عدة ممن عنوا بتدوين أنباء ذلك الزمن ، ويقول عند ذكره للأنباء المتعاقبة - إذا اتفقوا علي حكاية نبأ منها - قالوا جميعا : كيت وكيت ، وعند انفراد أحدهم بنبأ يقول : حدثني فلان ، فتكون قيمة هذا النبأ بحسب هذا المفرد ، وهذه طريقة بديعة جدا تسهل مهمة الباحث المستقصي " .

ولا يسعنا في ختام حديثنا إلا أن نرحب كثيرا بكتاب ابن طاهر ، وأن نشكر الشيخ الكوثري والسيد الحسيني على عنايتهما في نشر هذه الوثيقة التاريخية الخطيرة ذات القيمة العلمية الكبيرة لشيخ المؤرخين ابن طيفور ، الذي كان أديبا ممتازا وشاعرا رقيقا ؛ وحسبك من شعره قوله :

حسب الفتى ان يكون ذا حسب

من نفسه ليس حسبه حسبه

ليس الذي يبتدي به نسب

مثل الذي ينتهي به نسبه

اشترك في نشرتنا البريدية