الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 593الرجوع إلى "الثقافة"

نقد الكتب, تلخيص كتاب النفس، الأبي الوليد بن رشد

Share

نشر وتحقيق الدكتور أحمد فؤاد الأهواني - ١٨٨-٦٢ صفحة - القاهرة سنة ١٩٥٠

لابن باجة - أو ابن الصايغ الأندلسي - ثلاث طرق في حصول المعقولات : ) طريق الجمهور ( ، وهو النظر في الموضوعات أولا للوصول إلى المعقول ؛ ) وطريق النظار ( بالنظر إلى المعقول أولا وإلى الموضوعات ثانيا ؛ ) وطريق السعداء ( وهم الذين يرون الشئ بنفسه . وقد حاولت - شهد الله أن أحصل على شيء ذي بال من مسائل النفس والعقل في هذا الكتاب فلم أظفر بكثير جدوي . .

حاولت أن أسلك طريق الجمهور - ونحن في عسر ديموقراطي - حتى لا أخرج عن إجماع العصر ، فلم أصل إلى شئ . . وحاولت أن أسلك طريق النظار فلم يزدنى النظر إلى العقول إلا جهلا بالمعقول . فلم يبق إلا طريق السعداء من طرق ابن الصابغ الأندلسي ، وهو طريق لم احاول - في الحق - أن أسلكه خشية أن لا أكون أهلا للسير فيه ، أو مخافة أن لا أكون معدا لمثل هذا الطريق .

ولا أكتم القارئ أنني اتهمت ) نفسى ( ، واتهمت ) عقلي ( حين لم أخرج من هذا الكتاب بكبير طائل وإلا فما الذي يعنيني أن تكون ) العقول ( أربعة أو أربعين أو ما شئت أن تضاعف ذلك من الأعداد ! وما الذي يفيدني أن يكون الفيلسوف العربي ) الكندي ( قد قسم العقول

إلى أربعة ، على حين أن ) الإسكندر الأفروديسي ( قد قسمها إلى ثلاثة ؟ .

أؤكد لك أنني لم أبال من ذلك الخلاف بين ) العقول ( في قليل ولا كثير . . على حين أن الدكتور الأهواني قد أخذ المسألة إخذه الجد ، فراح يوفق بين رأي الكندي ورأي الإسكندر الأفروديسي ، لأن الإسكندري هذا يتحدث عن عقل رابع أو صفة للعقل بالفعل . و " أو " هذه هي التى حيرتني في منطق الدكتور الأهواني وفي إدراكه للعقول ، لأن الصفة للعقل بالفعل لا يلزم منها أن تكون عقلا رابعا . فكيف يجعل الصفة لعقل قائم عقلا جديدا ؟ اللهم إلا أن تكون محاولة التوفيق بين فيلسوف وفيلسوف هي التي تقذف بنا إلى مثل هذه المماحكات .

وقد يسأل سائل كريم : وما دخل الكندي هنا في كتاب عنوانه " تلخيص كتاب النفس لابن رشد " ٢ . ولكن الحق أن هذا الكتاب الذي أخرجه الدكتور الأهواني هو خمسة كتب في كتاب ) واحد ( . ولفظ ) الواحد ( هنا في كلامي أنا ليس إلا تعبيرا بسيطا عن المعنى الذي تفهمه جميعا من كلمة " واحد " أما ) الواحد ( بالمعنى الفلسفي الذي ذكره الدكتور الأهواني في صفحة ٥٠ شرحا لنظرية المعرفة والاتصال عند ابن باجة ، فذلك ما لم أرده ولا أود أن أريده لأنه ) واحد ( غير مفهوم .

وأعود إلى هذه الكتب الخمسة في هذا الكتاب الواحد ؛ ألا تذكرنا بكتب المجاميع التي تضم فيها رسالة إلي رسالة ليتكون من الرسائل كتاب ؟ وما في ذلك يأس إذا كانت الرسائل ينظمها سلك واحد ويؤلف بينها موضوع واحد . والسلك هنا في هذا الكتاب الذي تتحدث عنه أقوي ما يكون ظهورا . فهو النفس والعقل واتصال العقل بالإنسان .

وكتاب النفس هو لأبي الوليد بن رشد ، ورسالة النفس الأخرى هي المنسوبة لإسحاقي بن حنين ، ورسالة العقل هي ليعقوب الكندي ، والرسالة الأولى من الاتصال هي لأبي بكر بن الصايغ الأندلسي ، والثانية هي لولد ابن رشد أو لابن ابن رشد ، وقد آثر صديقنا المحقق أن ينسبها على الغلاف إلى ابن رشد ، وأن يحقق نسبها في ص ١١٩ إلى ولد ابن رشد الذي أخذها من أبيه في حياته ؛ وعدها صاحبنا من هذا الوجه من كلام ابن رشد .

وكم كنت أوثر أن يكون ترتيب الدكتور الأهواني لهذه الرسائل - من حيث تقديم بعضها على بعض - أكثر تمشيا مع منطق الأشياء ؛ ذلك المنطق الذي ترتاح إليه النفس للطمئنة وترضي به . فقد كان طبيعيا أن تاتي رسائل النفس والعقل أولا ثم تليها رسالنا الاتصال ) حتى يكون موضوع النفس والعقل في طرف ، وموضوع اتصالهم بالإنسان في طرف آخر . أما هذا القفز من النفس إلي الاتصال ، ثم العودة ثانية إلي النفس فالعقل ، فترتيب ما أجدره ، أن يسمي غير ترتيب .

وكم كان يزعجني ، وأنا اقرأ هذا الكتاب ، أن انتقل من نفس ، إلى اتصال ، إلى نفس ، كأنما كنت أنوقل مرتفعا وهى الصخور ؛ ولطالما سالت نفسى : الم يكف ما في الرسائل نفسها من صعوبة وعدم طواعية للفهم حتى يزيد الدكتور الأهواني طريقها وعورة فقدان الترتيب والتسلسل ، وهما سبيل إلي الفهم ؟

ويخيل إلي أن ترتيب الرسائل وترتيب المقدمة الطويلة للناشر المحقق ، قد عرض لهما من الأمر ما لم يكن في طوق صديقنا الدكتور الأهواني . . ففي رسالة العقل للكندي

وهي آخر رسائل الكتاب يقول الدكتور في التمهيد لها :

وسوف نعرض لهذه الرسالة بشكل أوفي عند الكلام في المقدمة الموضوعية عن العقل وتطوره منذ أرسطو إلي شراحه اليونانيين والإسلاميين .

وتبحث بعد ذلك - عن هذه المقدمة الموضوعية التي " سوف يعرض لها المحقق " فتراها قد سبقت في أول الكتاب ، وأخذت مكانها منه ؛ فلم يكن هناك حاجة إلى هذا " التسويف " الذي لم يكن له محل . .

ولنعرج على " طريقة النشر " التي سار عليها صديقنا المحقق والتي عالن بها في مقدمة الكتاب . فقد ذكر أن هناك طريقتين للنشر : الأولى الاعتماد في مخطوطة تثبت في المتن ، ويوضح الفروق بينها وبين النسخ الأخرى في الهامش ؛ والثانية إدماج النسخ في نسخة واحدة يري الناشر أنها اليق ما يدرج في النص مع إثبات الفروق في الهامش . وآثر الطريقة الأولى ، لأنه كان أمام مخطوطتين بينهما خلاف كبير . فأثبت نسخة مدريد في متن الكتاب ، لأنها هي التى ارتضاها ابن رشيد وصححها . ولكنه بعد ذلك يقول :

ومع ذلك ، فقد رفعنا من الهامش إلى المتن بعض ألفاظ وعبارات وفقرات عن نسخة القاهرة ، إما لأنها أصح وإما لأنها طويلة رأينا إبرازها في المتن .

وليأذن لنا الصديق المحقق أن هذا الاضطراب في الطريق لا يتفق وأصول النشر العلمي مهما حاول أن يجد له من أسباب . ولو أنه سار على الطريقة الثانية - طريقة إدماج النسخ الخطية في نسخة واحدة لكان أقوم سبيلا من الخلط بين طريق وطريق . إلا أنه - على كل حال - متفضل بتقديم هذه الرسائل إلى المطبعة العربية لأول مرة ؟ وبهذا أتاح لها أن تري النور من جديد بعد أن كانت مطوية في ظلام المخطوطات . وبهذا أيضا أتاح للناس أو سيتيح لهم - أن يقرءوها ، وأن يعرفوا وجهة نظر هؤلاء الفلاسفة في النفس والعقل وكيفية اتصال العقل بالإنسان .

وأعود فاسأل نفسى وأسأل الدكتور الأهواني : ما قيمة الاشتغال بهذه البواطن والبحث عن جوهرها

وحقيقتها الأولى ، وهو - كما يقول صاحبنا المحقق . مطلب عسير المنال بعيد عن حدود العقل البشري ؛ وإذا كان علم النفس الحديث يبحث في السلوك والمشاهدات ليصل من الملاحظة والتجرية إلى القوانين العامة فلماذا تصدع رءوسنا بمباحث النفس والعقل عند القدماء - يونانا وعربا - وهي مباحث تدخل في المغيبات التي لا تدركها عقولنا حتى ولو كانت عقول الفلاسفة أو المشتغلين بالفلسفة .

على أن الدكتور الأهواني معذور حين يخرج لنا هذه المباحث القديمة ) بل فرض عليه وعلى المشتغلين بالفلسفة أن يخرجوها ، لندرك - على الأقل - مدى تصور القدماء للعقل والنفس ؛ وقد أحسن الناشر بهذه المقدمة الطويلة - التي يتواضع فيصفها بالإنجاز - والتي عرض فيها تطور فكرة العقل والمعرفة من أرسطو - عند اليونان - إلى ابن رشد عند المسلمين

وبعد : فقد قرأت كتاب النفس لابن رشد ، وقرأت معه الرسائل الأربع في فترة من الحر اللافح الذي اجتاح القاهرة من أيام فجعل عذاب النفوس فيها غراما . . ولعل لتلك الموجة الشاوية أثرا في تقديري لهذا الكتاب ، وسأعيد قراءته حين تسكن النفوس . فلعل المعاودة لمثل هذه الكتب أحري بالتغلب عليها ؛ على أني لا أكتم الحق أنني أحدث من مسائله الجدلية اللطيفة بما يهون المشقة في قراءته وفهمه . فما الطف تساؤل الفيلسوف وهو يقول : ) ما بال الحواس لا تحس أنفسها ، مثل البصر لا يبصر نفسه ، ولا الذوق يذوق نفسه ، ولا سائر الحواس تحس بأنفسها ؟ ( ، والفيلسوف هنا هو أرسطو ، ومترجم كلامه هو إسحاق بن حنين المترجم الإسلامي المشهور .

وما ألطف الاعتراض على " أفلوطين " القائل بالنفس الواحدة لجميع الناس ، والرد على الاعتراض من أفلوطين نفسه . فإن هذا الفيلسوف الذي يعرفه المسلمون وتعرفه الفلسفة الإسلامية يقول بأن النفس الإنسانية لا تقبل التجزئة البتة ، فإذا اعترض عليه بأنه إذا كانت هناك نفس واحدة لجميع الناس فكيف يحدث أن يحس إنسان

ما لا يحسه الآخر ، وان ينفعل الواحد من الناس مما لا ينفعل به الآخر - إذا اعترض عليه بذلك أجاب بقوله : إن النفس واحدة في الناس ، ولكن الأفراد الذين يتركب الواحد منهم من نفس وبدن مختلفون . فإذا وجد شئ واحد في شيئين مختلفين اختلفت صفاته . وهكذا لا يحرمنا هذا الكتاب من متع عقلية لذيذة ، ولعلها - وهي منثورة مبعثرة في ثنايا الكتاب أشبه بالواحات الظليلة في صحراء تنقطع فيها الأنفاس . .

اشترك في نشرتنا البريدية