لست أدري ، أهو من علامات النضج والنهضة والحيوية ، أن تظهر مؤلفات كثيرة منوعة ، لقادة الفكر ، أو لشبابه ، في مختلف الدراسات والموضوعات ، الجديدة النافعة الحيوية ، ثم ينقضي وقت طويل ، دون أن نقرأ فصلا من الفصول في نقد هذه المؤلفات ، أو درسها ، أم أن ذلك من علامات الركود والضعف والكسل الذهنى المرير . .
ويقيني أن الصحافة اليومية ، السريعة المتعجلة ، هي التي جنت على الأدب والنقد ، معا ، هذه الجناية ، فاكتفى صاحب الرسالة ، أو مؤلف الكتاب ، بأن يكتب له هذا المحرر . أو ذاك ، كلمة ثناء . . في بضعة سطور ، ثم يمضي . .
وأصبح النقد الأدبي كريها إلى نفوس المؤلفين ، لأنه ينتقص من أقدارهم ، وبغض من قيمة إنتاجهم . . ونقاد الأدب ، هم الآخرون ، آثروا السلامة ، وقنعوا بالصمت ، ولاذوا بالجمود ، فخفقت روح النقد التي كانت قوية عارمة فياضة ، يشعر كل كاتب أن لها سيفا مصلتا ، وقوة مرهوبة ، ومبضعا جبارا ، فيحسن حين يكتب ، ويراجع ويبحث ، ويطيل المراجعة والبحث ، قبل أن يطلع على الجمهور بكتاباته وارائه . .
ومن الكتب التي ظهرت في عام ١٩٥٠ ، والتي وقف النقاد منها موقف الجمود والصمت ، كتاب الأستاذ العماوي " وهذا هو الاسلام . " والواقع أن هذا الكتاب خليق بالنقد والبحث ، فهو يحمل حملة قاسية على الصوفية ورجال الدين والجماعات الدينية . ويقدم خلاصات واضحة ، تدل على سعة الاطلاع ، وعلى البحث العميق ، لمختلف ما كتب عن
الإسلام والدين والروحية والحضارة ، سواء ما كتب في الشرق أو في الغرب .
والأستاذ العماوي من شباب المدرسة الحديثة ، فهو إذا يلفت النظر حين يتحدث عن الإسلام ، ويرغب في الإصلاح بهذه الروح المتحمسة ، الغيور ، الواعية .
وهو إلى ذلك قد أوتي وسائل الطبع والنشر كما أوتي وسائل التأليف والبحث ، سواء ، وإن كان لى أن أقول شيئا ، فإنما ذلك هو الرجاء الحار إلى المشتغلين بأمور الإصلاح والنهضة في الميدان الديني ، أن يطالعوا هذا الكتاب وأن يفصلوا القول فيما آثار مؤلفه من المسائل والآراء . وقد علمت أن الأستاذ عبد المتعال الصعيدى قد قرأ هذا الكتاب ،
وهو عالم من علماء الإسلام الأجلاء ، وإنا لحريصون أن نسمع رأيه ، كما نحب أن نسمع رأي من يهمهم شأن البحث في النهضة والإصلاح في الشرق الإسلامي . .
للمؤلف عذره عندنا ، أنه شاب مثقف ، تتلمذ على الأدب الحديث ، فإذا جاء ليتكلم اليوم في الإسلام وعن أسباب تأخر المسلمين ووسائل النهوض ، كان عليه أن يتمهل ، ويمحص ، وأن يطيل التأمل والنظر قبل أن يقول كلمته
لست أشك في أن الدراسات التي عرض لها المؤلف عن الإسلام والسيحية واليهودية ، وعوامل ازدهار الإسلام وعرضه للحاضر القاثم ، وللمجتمعات الغربية والشرقية والفلسفات والنظريات الأوربية في الوجودية والروحية وفلسفة الأديان ، لست أشك أن ذلك كله يدل على علم
عميق ، وعلى أن المؤلف قد شغل نفسه بالبحث شغلا جما ولكني لا اوافقه على كثير من آرائه عن مجتمعنا اليوم ، هذه الآراء التى أعتقد أن صاحبنا كان يلبس ، وهو يكنها ، منظارا أسود قاتما . .
إذ الواقع يشهد بأن الشرق كله يمضي في طريق النهضة بخطى واسعة ، وانه يسير في طريق معبدة قويمة ، وخير
ما أحيل عليه كاتبنا الشاب ، ذلك السفر الجليل الذي أصدره أستاذنا العلامة الكبير أحمد أمين بك " زعماء الإصلاح " فإن قرأه فسيقتنع بصدق ما أقول .
ويقيني أن الأستاذ العماوي لو نظر إلى الشرق بروح المصلح قبل أن ينظر بروح الفيلسوف لاقتنع بأننا نمضي إلي استكمال النهضة في قوة ومضاء . .

