أكبر الظن أني لست في حاجة إلى أن أقدم للقراء استاذنا الكبير ، الدكتور أحمد أمين بك ، فقد عرفوه دون ريب ، قائدا من قادة الفكر ، وعلما من أعلام الثقافة الإسلامية الأصيلة ، ذات الينابيع الثرة الفياضة ، كما عرفوه أحد أساطين الأدب العربي في العصر الحديث ، وإن تراثه الفكري لا سيما ذلك الذي يتسم بطابع الدراسات الإسلامية كفجر الإسلام وضحاه ليعد بحق من خير وامتع ما أنتجه الباحثون .
وقد أخرج استاذنا الكبير هذه الأيام لجمهور الأدباء كتيبا صغيرا في سلسلة اقرأ " بعنوان المهدي والمهدوية ، تناول فيه بالدراسة والبحث فكرة المهدية ، من بدء ظهورها حتى اليوم ، وإنه ليقول ) ص ٧ مقدمة (
" أردت أن أشرح هذه الفكرة وأتتبع تاريخها من أول عهدنا بها فكان هذا الكتيب " .
وقد تلقفت هذا البحث حين صدوره ، وصحبته إلي مكتبي ساعة أو تزيد ، فرغت منه بعدها وأنا أحمد لأستاذنا الكبير هذا الجهد المشكور ، فقد أرخ لهذه الأسطورة منذ أقدم العصور الإسلامية حتى اليوم ، وأوضح لنا عواملها ، وحدثنا عن الدول التي أقامتها كدولة بني عبيد ، والموحدين ، ومهدي السودان ، كما حدثنا عن الفرق والطوائف الدينية التي كانت تدين بها كالفراهطة ، والحشاشين ) الإسماعيلية ( ، والبابيين والبهائيين والقادبانيين . يبد أني رأيت في البحث أشياء ، في النفس منها أشياء ، فأحببت أن أناقش فيها أستاذنا الكبير ، وان أشرك معي قراء الثقافة ، فاضعها أو بعضها في الميزان ، بحثا وراء الحق ونشدانا له ، والحقيقة - كما قيل بنت البحث .
) ١ ( يقول المؤلف ) ص ١٠ ( .
" ونشات فرقة تسمى الكيسانية نسبة إلى كيسان ، يتزعمها المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وزعم هو وفرقته أن محمد بن الحنفية هو الإمام وهو المهدي ، ولكنه نقل كلمة
المهدي إلى معنى آخر لزمها إلى اليوم وهو أن هذا المهدى لم يمت . . الخ
ونحن نناقش هذه العبارة من أوجه ثلاثة :
أولا : ينسب المؤلف الكيسانية إلي " كيسان " ثم لا يعرف القارئ بكيسان هذا ، حتى يستطيع أن يربط بينه وبين زعيم الطائفة المختار " ويتفهم مدى العلاقة بينهما ، تلك العلاقة التي تفرض على الزعيم أن يسمى الطائفة " الكيسانية " باسمه .
فهل كان " كيسان مولى لعلي بن أبي طالب ، وعلي يديه تلقى المختار العلم وعرف عنه قتلة الحسين فلقب بلقبه ؛ أو أن كيسان " هذا كان صاحب شرطة المختار المسكني أبا عمرة ، وكان فتاكا سفاكا للدماء ) يفوق في ذلك زعيمه ابن أبي عبيد، فنسبت الطائفة إليه ؟ أو أن المختار نفسه - كما يقول البغدادي - كان يلقب أصالة بكيسان ؟
ثانيا : يذكر المؤلف أن المختار هو أول من نقل كلمة المهدى " من معناها اللغوي إلى معناها الحالي وقد اكد لنا هذا المعنى مرة ثانية في قوله ) ص ١١ ( : " ومن هنا ليست الكلمة معاني اخر . . الخ ، ومرة ثالثة في قوله ) ص ٤٢ ( متحدثا عن المختار أنه " اخترع فكرة المهدى الجديدة .
والحق أن شيئا من ذلك لم يكن ، فابن أبي عبيد لم يخترع ولم يبتدع ، ولم يكن هو أبدأ أول من نقل كلمة المهدى من معناها اللغوي البسيط إلى معناها الحالي المعقد . أما صاحب الابتداع والاختراع فهو - بحق - ابن السوداء عبد الله ابن سبأ اليهودي اليمني المتسلم ، الذي يعتبر - دون شك - رأس كل الفتن والاضطرابات التى حافت بالمجتمع الإسلامي الأول ، وهو صاحب فرقة ) السبأية " التي تحمل اسمه ، والتي تعتبر أسبق فرق الشيعة وجودا في التاريخ .
ولقد كان ابن السوداء أول من ادخل هذه العقيدة " عقيدة المهدية " البيئة الإسلامية ، وقد زعمها في على بن
أبي طالب ، الذي ضاق بمزاعمه - من مهدية حينا وجزء إلهي حينا آخر - ذرعا فهم بقتله ، بعد أن أحرق بالنار كثيرا من أتباعه ، فصاح الناس : " يا امير المؤمنين أتقتل رجلا يدعو إلى حكم أهل البيت والبراءة من أعدائك ؟ " فاستجاب على لنداء القوم ، ونفى ابن السوداء إلى ساباط المدائن ، خوفا من شماتة أهل الشام واختلاف أصحابه عليه كما يقول البغدادي . ولما بلغ ابن سبأ نعي علي ، قال الذي نعاه : " كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلا ، لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ، ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ، ويملك الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا " .
وهكذا كان على أول " مهدى " - بالمعنى الجديد - في تاريخ الإسلام ، وكان ابن السوداء أول من صنع هذه الصناعة وأدخل هذه البضاعة ، أدخلها من المعتقدات اليهودية ؟ فالنبي إيلياء " أو " إلياس الذي رفع عندهم إلى السماء والذي لابد أن يعود يوما إلى الأرض في آخر الزمان لإقامة دعائم الحق ، هو تماما الأ نموذج الأول لأسطورة المسيح وللآئمة المختلفين
والعلامة " النوبختي " يحدثنا في كتابه " فرق الشيعة " أن ابن السوداء كان يقول بمهدية " يوشع بن نون " أيام تهوده ، ومن الطريف هنا أن صاحبنا هذا كان يستدل على مهدية علي ورجعته بقوله تعالى " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم " مدعيا أن الآية تشير إلى رجعة على كمهدي ، زاعما انه هنا هو الدابة
ثالثا : تدل عبارة المؤلف السابقة على أن المختار وفرقته الكيسانية ، كانوا جميعا يدينون بمهدية ابن الحنفية بعد وفاته ، وإن كانوا هم طبعا لا يعترفون بموته .
والحق أن المختار لم يكن جادا في دعواه مهدية ابن الحنفية ، فكان يقول بها سياسة لا تدينا ، قال بها حال حياة ابن الحنفية فحسب ، بل شطرا من حياته ، ليتاجر بنفوذه الروحي ، توصلا للحكم وانتقاما من ابن الزبير وبني أمية جميعا ، ولما تم له الأمر ، توجه إلى ابن الحنفية ليقاسمه المظفر بعد أن حارب ابن أبي عبيد باسمه ونفوذه ، وأكبر الظن أن ابن الحنفية كان راضيا كل الرضى عن تلقيبه بالمهدي . وإن شك في ذلك " مرجليوث " margoliauth وأكبر الظن ايضا أنه كان كأبيه على ، لا يعرف أساليب السياسة الماكرة ، فوثق من المختار وأخذ طريقه إليه ، وحينما علم
المختار بقدومه إليه بالكوفة قال لجنده
" إن للمهدى علامة وهي أن يضرب بالسيف ضربة ، فإن لم يقطع جلده فهو المهدى . . وما كاد صاحبنا ابن الحنفية يعلم في طريقه بهذا النبا حتى قفل راجعا فرارا بجلده وخوفا على حياته ، وبذلك تخلص منه المختار وصفا له الجو .
وبعد وفاة ابن الحنفية ، انقسمت الكيسانية ؛ فمنهم من اعترف بموته ، وهم بذلك لا يدينون بمهديته ، ومنهم " الكربة " اتباع " أبي كرب الضرير " وهؤلاء ، وحدهم هم الذين لم يؤمنوا بموت ابن الحنفية ، وقالوا بمهديته ، وأنه حي يرزق بجبال رضوى ، عنده عسل وماء .
) ٢ ( وفي صفحة ) ١١ ( أورد المؤلف لكثير عزة - وكان كربيا كيسانيا - قوله :
وسبط لا يذوق الموت حتى
يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا
برضوى عنده عسل وماء
وأكبر الظن أن هذين البيتين وأخوانهما ، ليست جميعا من شعر كثير ، وإنما هي من شعر السيد الحمبري ، وكان - كصاحبه - كربيا كيسانيا ، وهي تسند خطأ إلى كثير لتشابه الشاعرين في المشرب والمنزع ، ولذلك جعلها شارح ديوانه المطبوع بالجزائر من الشعر المتحول إليه .
) ٣ ( وفي صفحة ) ١٢ ( يقول المؤلف إن المتصور سمي بغداد " دار السلام تشبها بالجنة " .
والحق أن ذلك لم يكن ، فالخليفة أبو جعفر لم يسم بغداد أبدأ بدار السلام ، وإنما سماها - كما يقول البغدادي - " مدينة السلام " أما تشبيهها بالجنة وتلقيبها بدار السلام فكان في العصور المتأخرة .
) ٤ ( وفي صفحة ) ١٦ ( أورد المؤلف لابن هانئ الأندلسي قوله :
إذا كان أمن يشمل الأرض كلها
فلا بد فيها من دليل مقدم
ونحن لا نعرف حكمة لوجود هذا الدليل المقدم إذا شمل الأمن الأرض كلها ؟ :
وصواب البيت ، كما في الديوان ) طبع بولاق عام ١٢٧٤ ( ه :
إذا كان أمر يشمل الأرض كلها
فلا بد فيه من دليل مقدم
) ٥ ( وفي صفحة ) ١٧ ( أورد لابن هانئ أيضا :
وروح هدى في نور جسم يمده
شعاع من الأعلى الذي لم يجسم
ولا تدري كيف تحل الروح في نور يمده شعاع ؟ ! وصواب البيت " وروح هدى في جسم نور يمده " الخ . ) ٦ ( وفي صفحة ) ١٩ ( أورد المؤلف لابن هانئ كذلك
لو كان علمك بالإله مقسما في الناس ما بعث الإله رسولا
لو كان لفظك فيهم ما انزل ال
قرآن والتوراة والإنجيلا
ولا ندري من أين جاء أستاذنا بهذين البيتين ، اللذين لا وجود لهما في ديوان ابن هانئ ؟ وقد بحثت عنهما فيه طويلا دون جدوى ، وما أشك أبدأ في أنهما محرفان .
) ٧ ( وفي صفحة ) ٢٤ ( ذكر المؤلف أن عدد رسائل إخوان الصفا اثنتان وخمسون .
وأكبر الظن أن الرسائل إحدى وخمسون فقط ؛ فالتوحيدي وهو ذلك المصدر الهام الذي حدثنا عن هذه الرسائل وأماط عن مؤلفها اللثام ، ويقول في " الإمتاع والمؤانسة " :
" وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة ، علميها وعمليها ، وأفردوا لها فهر ستا وسموها رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء . . " الخ .
والعلامة ) دى بور de boer يقول في كتابه ) تاريخ الفلسفة في الإسلام " :
" وتتألف هذه الدائرة من إحدى وخمسين رسالة " . و " ساجي خليفة " صاحب " كشف الظنون ، يعدها أيضا إحدي وخمسين .
) ٨ ( وفي صفحة ) ٣١ ( يقول المؤلف ، بعد التحدث عن الحضارة الفاطمية كأثر لعقيدة المهدى :
" وقد انشأ الشيعيون القصائد في مدح هذا المهدى وسموه صاحب الزمان ، وكان ممن مدحه بهاء الدين العاملي ؟ .
وفي هذه العبارة شيء من اللبس ، إذ لم يكن للمتشيعين مهدى واحد ، بل تعدد مهديوهم بتعدد فرقهم ، والمهدي الذي لقب بصاحب الزمان ومدحه العاملي ، ليس مهدي الشيعة على الإطلاق ، وإنما هو مهدي الإمامية الاثني عشرية فحسب ، هو محمد بن الحسن العسكري ، الذي اختفى - بزعمهم - في سرداب بمدينة " الحلة قرب بغداد ، منذ ألف عام ونيف . .
ولقد يكون أقرب إلى غرض المؤلف أن يقول : " وقد انشأ الشيعيون القصائد في مدح مهديهم ، وكان
ممن فعل ذلك ، بهاء الدين العاملي ، الذي امتدح محمد بن الحسن العسكري ، مهدى الآثني عشرية ، والملقب بصاحب الزمان
) ٩ ( وفي صفحة ) ٣١ ( ايضا ، أورد المؤلف للعاملي قوله :
علوم الورى في جنب أبحر علمه كنقرة كف أو كغمسة منقار
والصواب " كغرفة كف " . ) ١٠ ( وفي نهاية الشعر الذي أورده المؤلف لبهاء الدين العاملي يقول :
" وقد شرح القصيدة في آخر كتابه الكشكول " . ويفهم القارئ من هذه العبارة أن العاملي هو الذي شرح قصيدته بنهاية كتابه الكشكول ، والحق أن الذي قام بشرحها هو " المتنبي " أحمد بن علي .
) ١١ ( وفي صفحة ٣٢ج ( يقول المؤلف : " وكان انتشار المهدية في بلاد الغرب أكثر منها في بلاد المشرق " . ثم يعود بعد ذلك فيقول صفحة ) ٤١ ( :
" وكما لعبت فكرة المهدى والتشيع في الغرب لعبت كذلك مثلها أو أكثر منها في الشرق " وبين العبارتين
تضارب واضح
) ١٢ ( وفي صفحة ٣٥ - ( يقول المؤلف ، بصدد التحدث عن ابن تومرت إنه " شيعي من نسل على بن أبي طالب " .
والحق أن ابن نومرت لم يكن من أرومة عربية ، وإنما كان بربريا لحما ودما ، وذا نسب في البربرية عريق ، فهو مرغي من " مرغة " أحد بطون " مصمودة " ، وهي بربرية بشهادة ابن حزم الفاطمة في " جمهرة أنساب العرب وقد أدرجها ايضا ضمن قبائل البربر ، صاحب كتاب ) مفاخر البربر ( الذي نشره العلامة " بروفنسال provencal ، كما حدثنا عنها أيضا كقبيلة بربرية العلامة " يفر " yver في " دائرة المعارف الإسلامية .
وابن خلدون ، الذي انتفع بأبحاث ابن حزم ، يحدثنا أن هذا الداعية ، اسمه " أمغار " وهي كلمة بربرية معناها " رئيس " كما أن كنيته " ابن نومرت " بربرية كذلك ، وإذا استثنينا أباه فإنا نجد أسماء أجداده بربرية أيضا .
أما ذلك النسب المصطنع الذي يرتفع به إلى على بن أبي طالب ، فكان امرا لابد منه لتاييد دعوى المهدية ، ليس عند صاحبنا هذا - ابن نومرت - فحسب ، بل عند كل ثائر يدعي هذه الدعوى ، حتى تؤيده " مجموعة الأحاديث " المفتعلة ، التى لا تنصر مهديا من غير آل البيت .
) للمستند بقية (

