الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 645 الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, الهوامل والشوامل، لأبي حيان ومسكويه، نشرة الأستاذين الدكتور أحمد أمين بك ، والسيد أحمد صقر

Share

-١-

من الكتب ما تطالع وجهه فتجدك ماضيا في قراءته مشوقا ان تتوغل فيه ، وتطوي الصفحة إثر الصفحة حتى تبلغ الغاية .

وكتاب "الهوامل والشوامل " من هذا الطراز الممتع الذي يجتذب أوساط القراء كما يحتذب الخاصة من العلماء ، ولقد شرعت في قراءة الصفحة الأولى منه فوجدتني في مجلس هذا قد طالعت زهاء ستين صفحة في متعة جميلة ، وإعجاب عميق :

إعجاب بموضوع الكتاب وأسلوبه ؛ فالكتاب من كتب الحياة الخالدة التي تعالج مشاكل النفس والاجتماع والأخلاق ، تلك المشاكل التي تعرض للإنسان من حيث هو إنسان ، لا تتقيد بزمان ولا بمكان ، وكأن تلك المسائل التي سألها أبو حيان في " الهوامل " وأجاب عنها مسكويه في " الشوامل " هي أسئلة الأمس ، وهي أسئلة اليوم ، وهي الأسئلة التي ستتعرض للإنسان في القرون التالية إن قدر هذا الإنسان أن يعمر بعد اليوم قرونا .

وإعجاب بأسلوب الكتاب : أسلوبه العلمي الذي بني على الصراحة والتفكير الحر وانطلاق العقل ؛ فالسائل لا يمسك الخجل أن يعترف على نفسه بأخطائه النفسية والخلقية ، والمجيب يستجيب لذلك ويشركه في هذا الاعتراف لأن كلا منهما إنسان يخطئ ويصيب ، وينال من الخير مثل ما ينال من الشر .

وإعجاب بالأسلوب البياني ، وناهبك بأبي حيان كاتبا هو أشبه كتاب العربية بأبي عثمان الجاحظ في نصاعة بيانه .

وقدرته على معالجة توافه الأمور في إسهاب جميل وعرض بارع ، حتى ليخيل إليك أن ذلك التافه من الأمر قد عاد فيما تري العين نبيلا جليلا . وحسبك بمسكوبه صاحب بيان واضح يجمع إلى الوضوح دقة وإحكاما .

ونظرت في إخراج هذا الكتاب ؟ فوجدت الناشرين قد بدلا فيه غاية الجهد من العناية والاتصال بالقاريء حتى يتأدي إليه النص أقرب ما يكون إلى السلامة .

وهذه هي المهمة الأولى من مهمات الناشر الذي يكدح ويسعى غاية السعي ليحرر كتابه من رق التصحيف والتحريف ، ومن ربقة الاستقلاق والغموض

وقد قلتها بالأمس ، وأقولها اليوم : إن الناشر الذي يستطيع أن يخرج كتابا مبرأ من العيب ، سليما من الخطأ لم يخلق بعد ، وما أحوجنا نحن الناشرين أن نتبادل الأنوار في هذا الطريق المظلم ، وأن نتفق برحابة صدر وإخلاص للعلم . هذه النقدات التي يقصد بها خدمة العلم ، وخدمة الثقافة ، على أن يكون ذلك فيما بيننا بأسلوب مهذب عف بعيد عن ادب العامة ، قريب من ادب العلماء . فهذا هو النقد الذي يرجى نفعه ويخلق جوا صالحا يقارب بين العلماء ، لا كذلك الأسلوب العتيق البغيض الذي يحاول أن يجعل من العلم ساحة حرب وميدان نضال .

ولست أذيع سرا حين أذكر للقاريء أن الذي أشار على بكتابة هذا النقد لكتاب " الهوامل والشوامل " هو الأستاذ الكبير الدكتور أحمد أمين ؛ فقد سألني- حفظه الله - عن رأيي في إخراج الكتاب فأتثبت على الجهد

والعناية التي ظفر بها هذا الكتاب ، وذكرت أن هناك بعض هنات يفوت أمثالها كل ناشر ؛ فطلب إلي أن أطلعه على بعضها ففعلت ؛ فعزم على في سرور العالم المخلص للعلم أن أنشرها ، إيمانا منه بعظم فائدة النقد وشدة حاجة الناشر والقاريء إليه .

ظهر لي في أثناء قراءتي - وهي قراءة سريعة ساقني إليها جمال الكتاب - بعض هنات لا تغض من قيمة العمل فيه ، وإليك بعضها :

١ - ص ١٦:٧ جاء في الأصل :( وهذه الألفاظ الخمس ) فجعلها الناشر " الخمسة " وليس ما يقتضي العدول عن الأصل ؟ فإنه إنما يعكس العدد مع المعدود إذا تأخر المعدود ، وذلك في الأعداد من الثلاثة إلى التسعة ، أما إذا تقدم المعدود في ذلك وتأخر العدد فإنه يجوز فيه الأمران : المطابقة وعدمها . جاء في حاشية الصبان على الأشموني في أوائل ( باب العدد ) : " فلو قدم - أي الممدود - وجعل اسم العدد صفة جاز إجراء القاعدة وتركها كما لو حذف . تقول : مسائل تسع ورجال تسعة ، وبالعكس نقله الإمام النووي عن النحاة ؛ فاحفظها فإنها عزيزة !" .

٢ - س ٧:٢٢ ( ومثال ذلك مزمار فيه ثقب ، متى اطلاق الإنسان فيه النفس وخرق موضعا بإصبع إصبع اختلفت الأصوات في السمع حسب قربه وبعده ) ، في هذه العبارة نقص والوجه " موضعا موضعا " وقد ورد في س ١٩ من الصفحة نفسها " كخرق الصوت بالمزمار في موضع بعد موضع " ، ويقرن العبارتين يفهم النقص في العبارة الأولى .

٣-٥:٢٤ ( والأصوات المستكرهة التي ليس لها قبول في النفس كثيرة ، ولا عناية للناس بها فتؤلف ، وإنما نجدها مفردة بالاتفاق ، كصرير الباب ) . الصواب : " فتؤلف " يدل عليه مقابلته بكلمة " مفردة" ففى الأصوات ما هو مركب مؤلف ، وفيها ما هو مفرد . وقد جاء في ص ٢٣ : " سوى أن للتركيب والتأليف تعلقا بالصناعة كما ضربنا به المثل في نظم الحرز ونظم الأصوات في الموسيقى .

لأن الموسيقار ليس يعمل أكثر من تأليف هذه الأصوات بعضها إلى بعض " .

٤ - وفي الصفحة نفسها س ١٤-١٥( حتى إنك لا تجد على أديمها إلا متلقنا إلى فإنيها حزينا ، أو هائما على حاضرها مفتونا ، أو متمنيا لها ( في الستقبل معني ) . وفي هذه العبارة أخطاء وإهمال ضبط يؤدي إلى لبس . أما الخطأ ففي كلة " فانيها " والصواب " فائنها " أى ماضيها ، فهو يقرن بين الماضي الفائت ، والحاضر ، والمستقبل . كما ان وجه الكلام فيما بعد " أو متيما بها في المستقبل " ، وهو ما تقتضيه المزاوجة بكلمة " معنى " وأما الإهمال فإهمال "معنى" ؟ لأن تركها بهذه الصورة يؤدي إلى أنها واحدة المعاني ، وليس ذلك مرادا ، فالوجه أن تضبط " معني " والعرب كثيرا ما يقرنون المتيم بالمعنى ، أى الذي تيمه الحب وعناء .

٥-١٠:٢٦-١٢ ( خطرت خطران الفحل ، ومشبت العرضنة ومررت في خبلائك ، ومضيت على غلوائك حتى أشفقت أن تعثر في فضل خطابك ) . فهو يشبه بالفحل المختال النشيط الذي قد خلى وشأنه ، لا يرده راد ولا يكبح جماحه خطام ، فهو يعثر في فضل ذلك الخطام . فالصواب المتعين إن شاء الله : " في فضل خطامك " .

٦-١٧:٣٣ ( من ضغفت غريزته ، وساء أدبه . وجرؤ مقدمه ) . وإنما هي عبارة عن التهجم والاندفاع في الحكم . فالصواب " وجرؤ مقدمه " بضم الميم ، وهو مصدر ميمي بمعنى الإقدام والجرأة ، وهي مبالغة نظير قولهم جد جده .

٧-٣٩ في نهاية الصفحة ( تعرض للجهال الذين غايتهم الانهماك في الطبيعة والحواس ، وطلب ملاذها الكاذبة لا التماس الصحة ولا بلوغ السعادة " لا وجه لنصب الكلمتين ، ولا لبنائهما على الفتح ، فليست " لا " هذه لا التبرئة ، وإنما هي " لا " العاطفة ، والكلمتان معطوفتان على الانهماك ، فالوجه فيهما الرفع .

٨-١٣:٤٥ ( وغرض فاعل ذلك احتراز مودة صاحبه إلى نفسه بإظهار مودته له ، ومحبته إياه) ، إنما يقال احترزت من كذا ، أي توقيته ، وكلمة " احتراز "

بمعنى التوفي لا وجه لها هنا ، كما أنها لم نسمع بمعني الإحراز ، ولو افترضنا صحتها اللغوية لوقفت عقبة أخرى ، هي كلمة : " إلى نفسه " التي توحي بأن صوابها " اجترار مودة صاحبه إلى نفسه " أى جرها واجتلابها .

٩-١٧:٤٧ جاء في سؤال أبي حيان : ( لم حمق الشاب إذا تشايخ . وأخذ نفسه بالزماتة والمتانة ( والمتانة : الشدة والقوة ، وليست من صفة الشيوخ ، ولو أراد بها متانة الخلق لصرح وقال : " ومتانة الخلق " فليس من المألوف أن يقال شيخ ذو متانة ، وإنما يقال " ذو تأله " أي ذو تنسك وعبادة ، وهي من أخص خصائص الشيوخ ، فالوجه " بالزماتة والتأله " وكلمة " التأله"وردت في بعض مواضع من كلام أبي حيان ، انظر منها ص ١٤٨ .

١٠- ٥٦ : ٧ -٨ ) هيهات هيهات ! اشتد اللفظ وكثر الغلط ، ورجع كل إلى الشطط . وفات الله الفهم والفاهم ، والوهم والواهم ) . وفي هذه العبارة أربعة أخطاء . وصوابها : " وقات والله الفهم الفاهم . والوهم الواهم " . أي ادرك الناس الغباء في معرفة الحق أو تصوره ، وفاتهم الفهم الصحيح والتصور الصادق .

١١-٥٩ : ١٦ ) وليس يمكن أن يتكلم فيه إلا بعد تحصيل جميع المقدمات التى قدمت له و مهتدت له ) والمعروف في المقدمات أنها هي التي تمهد لما بعدها ، وتكون بين يديه تيسيرا وتسهيلا . فوجه الضبط " التي قدمت له ، ومهدت لأجله" .

١٢-٦٠ : ٣ ( ولو كان إلي معرفة هذا الموضع طريق غير ما ذكرناه لسلكه القدماء وأهل الحرص على إشاعة الحكمة وإذاعتها ، فإنهم - رضي الله عنهم ما أسفوا ولا بخلوا ، ولكن لم يجدوا إلى هذا المطلوب إلا طريقا واحدا فسلكوه وسهلوه بغاية جهدهم ) . وليس لعدم الأسف هاهنا وجه ، بل المراد أنهم لم ينقصوا شيئا من جهدهم ، ولم يبخلوا ببذل مجهودهم في سبيل العثور علي الحقيقة . فالوجه إن شاء الله " ما أشفوا " أى ما نقصوا . وفي اللسان : " يقال شف الدرهم يشف . إذا زاد وإذا نقص . وأشفته غيره بشفه " .

١٣: ٦٦ :١٣ (فإذا اختلفت الجماعة التى تتعاون

فيه . ولم تصدر عن رأي واحد ظهر فيه من الخلل والوهن والتفاوت ما يظهر في غيره ) .

الصواب " ولم تصدر" أي لم يكن منها صدور عن رأي واحد .

١٤: ٧٤: ٣ ) فإن الحياة المحبوبة والعيش المضبوط ) وليست كذلك تقال إنما هي " والعيش المغبوط " أى الذي يتمني مثله لطيبه ونعمته .

١٥-٨٤: ٥ ( وما حد الظلم أولا ؟ فإن المتكلمين ينفكون ( ٢ ) في هذه المواضيع كثيرا ) . جاء في الحاشية : ( ٢ ) استعمل ينفك هنا في موضع انطلق وأفاض ) . وهذا التفسير لا يستقيم ، فإن " ينفكون" هنا مستعملة في معناها الطبيعي ، أى يختلفون وينفصلون وتتباين آراؤهم ولا تتحد . وبهذا المعنى فسر بعضهم قوله تعالى : " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين " . انظر تفسير أبي حيان ٨: ٤٨٩ . قال : " والظاهر أن المعنى لم يكونوا منفكين ، أي منفصلا بعضهم من بعض ، بل كان كل منهم مقر الآخر على ما هو عليه " .

١٦-٩٧: ١٣ ( فأما الشجاعة فهي استعمال قوة العصب بقدر ما ينبغي ) . وليس بقول الحكماء في اصلاحهم ( قوة العصب ) ولا ( القوة العصبية ) وإنما يقولون ( قوة الغضب ) و ( القوة الغضبية ) .

وفي ص ١٥٤ : " وقد ذكرنا أن قسوة الغضب ربما كلت ونقصت عما ينبغى فتكون رذيلة ومنقصة ولا تسمى شجاعة " وفي ص ٣٢٧ " لأنه يستعمل فيه قوة الغضب والشجاعة " . وجاء في تهذيب الأخلاق لمسكويه ص ١٩ : " وانت تكتفي في تعلم الأخلاق بأنها قوي ثلاث متباينة تقوي إحداها وتضعف بحسب المزاج ، أو العادة ، أو التأديب . فالقوة الناطقة هي التي تسمى الملكية ، وآلتها التي تستعملها من البدن الدماغ . والقوة الشهوية هي التي تسمى بالبهيمية ، وآلتها التي تستعمها من البدن الكبد ، والقوة الغضبية هي التي تسمى السبعية ، وآلتها التي تستعملها في البدن القلب " .

( للنقد بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية