ترجمة السيد أمين نظيف - ومراجعة الأمير مصطفى الشهابي نشرته الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية - القاهرة سنة ١٩٥٠
هذا كتاب كان من حقه أن يقدم إلى الناس منذ ظهر من أشهر ، وكان من حق الزراعيين أن يقولوا لنا رأيهم فيه ، لأنه يمس موضوعاً حيوياً بالنسبة إلى بلاد تعتمد في أغلب حياتها على الزراعة . ولأنه يتناول موضوع الزراعة في الشرق الأوسط تناولا صريحاً دقيقاً . ولأن مؤلفه " الدكتور كين " عالم زراعي من أشهر علماء الإنجليز ندبته حكومته في خلال الحرب العالمية الثانية ، ليقف من كتب على أساليب الزراعة في الشرق الأوسط ، وليدخل في صميم الحياة الزراعية في بلاده ، مستعينا على الخبرة والإطلاع والاستئناس بالرأى ، وهي أمور مكنتها له مهمته الرسمية .
ولم يكن الدكتور " كين " وحده هو الذي قام بعبء البعثة الزراعية لبلدان الشرق الأوسط ، فقد ساعده جماعة من المختصين فيما يتصل بالزراعة ، من حيث التربة والمياه والتعليم الريفي والحيوان الزراعي وأعاث الألبان ومنتجاتها وكل ما له صلة بهذا الموضوع الحيوي الخطير .
وعلى الرغم من أن مهمة البعثة كانت لخدمة أغراض الخلفاء في خلال حرب سخروا لها كل قوانينهم ومواردهم وجندوا لها كل وسائل علمهم ، فإن قيمة هذا التقرير الذي قدمته البعثة بقيت محتفظة بطابع المنفعة الدائمة لقضايا ما بعد الحرب . فلم تزل قيمة هذه الدراسات الثمينة بزوال الحرب ، ولم تكن مهمتها محدودة بزمن تصل فيه السيوف وتدمدم
القنابل . . ولكنها احتفظت بصبغة علمية دقيقة جعلتها عظيمة الجدوى حتى فيما بعد الحروب . مما حدا بولاة الأمور في انجلترة والولايات المتحدة إلى جعلها في متناول الجمهور هناك . وذلك بطبعها في كتاب مستقل
وظهر الكتاب في طبعته الإنجليزية يحتمل اهتمام القوم بأمثال هذه الأبحاث التي يرجى من ورائها خير كثير للمعاونة على التقدم الزراعي في بلاد لا تزال متخلفة عن ركب الحياة الصحيحة ، ولا يزال فيها من معوقات التقدم والتحسن ما أشار إليه واضعو التقرير في صراحة ، وعالجوه في فطنة تدل على فهم دقيق لمسائل الشرق الأسط ، سواء أكانت زراعية أم غير زراعية .
وقد أدركت الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية القيمة العلمية والمنفعة الصحيحة من وراء هذا الكتاب ، ورأت - بحدوها دافع من دوافع الإصلاح - أن بقاء هذا الكتاب في لغته الأصلية يحرم كثيراً من رجال الشرق العربي التمتع بمزاياه والاستفادة من مقترحاته ، ويجعل وجه النفعة منه محظورا على قوم هم أولى الناس بالانتفاع به والاستفادة منه . فقررت الإدارة الثقافية ترجمته إلى اللغة العربية فيما تخرجه إلى الناس من ثمرات الفكر الأوربي . واختارت لهذا العبء رجلا من أفاضل السوريين علما وأدبا ومعرفة بالزراعة ، هو الأمير مصطفى الشهابى ، فاعتذر من هذا العمل لأنه لا يعرف من اللغة الإنجليزية إلا مبادئها . .
ولكنها لم تعفة من مصير الكتاب وألقت عليه عبء . اختيار مترجم يثق به . كما ألقت عليه عبء الإشراف على الترجمة ، حتى يخرج الكتاب في قالب عربي لا يخرجه عن المعنى الذي قصده المؤلف ، ولا يضيع شيئاً من معالمه .
وقام السيد أمين نظيف - مدير الزراعة في وزارة الزراعة السورية - بترجمة الكتاب . وقام الأمير مصطفى الشهابي بالمراجعة والإشراف . . مع اعترافه بأنه لا يعرف من اللغة الإنجليزية - وهي اللغة المترجم عنها الكتاب - إلا مبادئها ...! ولعل ذلك هو الذي حمل الأمير الشهابي على أن يجيز لنفسه أن يتصرف في الكتاب قليلا ، وأن يركب ذلك مضطرا كما يقول . حتى يتم ( وضع الترجمة في قالب يجوز تسميته بقالب عربي ) . والذي نعرفه أن وضع أي كتاب أو أي نص في قالب يجوز تسميته بقالب عربي لا يبيح المترجم ان يتصرف ، وخاصة في الكتب العلمية وفي التقارير الموضوعية ؛ ولو جاز ذلك في قصة أو رواية لما جاز في كتاب علمي تقريري .
وأنا لا أعرف أصل الكتاب الإنجليزي ولم أطلع عليه حتى أحكم على مدى تصرف الأمير الشهابي في النص - كما يعترف هو نفسه في الكلمة التي قدم بها الكتاب . ولكنني أرجو مخلصا أن لا يكون ذلك على حساب الحقائق العلمية في هذا الكتاب . وإذا لم يكن من التصرف مناص أفما كان أولى أن يترك الأصل كما هو ، ثم يحال كل تصرف أو تعليق أو تفسير إلى هامش الكتاب ، كما فعل الأمير في جمهرة من الصفحات ؟
ولعل الفصل الخاص بعقبات الإصلاح الزراعي في بلدان الشرق الأوسط ، هو من وجهة نظري - على الأقل - أكثر فصول الكتاب أهمية للقارىء ، المهتم بالزراعة . فهناك من العوامل الاجتماعية ما يزيد مشكلة الزراعة في الشرق العربي تعقيدا . ولا يخفى التقرير أن يذكر في صراحة أن مستوي التغذية دنيء ، على حين أن عدد السكان يتزايد بسرعة ، ولا سيما في مصر المكتظة بالسكان . فاجتماع عامل ازدياد السكان السريع ، وعامل النظام الزراعي الذي قصاراه ضمانة مستوى غذائي دنئ . ينذر
بوقوع كارثة مضاعفة ، لأن مستوى العيش الذي هو في الأساس منخفض انخفاضا خطيراً سيزداد تدنياً ، ولأن العاملين في الأرض سيمعنون في استغلالها ، للحصول على غلات أغزر ، وسيحتفظون بعدد اكبر من الحيوانات ضمن الأصول الزراعية القديمة ، وهكذا ستزداد حال الأرض سوءا .
ولا يؤمن واضعو التقرير - وعلى رأسهم الدكتور كين -(Dr. B A. Keen) بأن الإصلاح الزراعي في بلاد الشرق الأوسط يمكن أن يأتي من داخل البلاد . فإن التطور في عدد من بلاد الشرق الأوسط هو في دور يعوزه رأس المال والخبرة ، والرجال المتصفون بالصفات التى يتطلبها مثل هذا التطور في هذه الأيام . وكل ذلك يجب أن يأتي من خارج البلاد إجمالا . . ولا يجوز - في نظر أصحاب التقرير - المثابرة على الوضع الحاضر ، وهو أن تترك إلى المصادقات قضية تدارك هذه المساعدات ، بل يجب جعلها تابعة للمراقبة ولنظام معين .
ويرى واضعوا التقرير أن إشاعة الثقافة الزراعية الصحيحة في جمهور الفلاحين وملاك الأراضي كفيل بإيجاد انقلاب زراعي شامل ينقذ الزراعة في بلدان الشرق الأوسط من وحدتها .
فتنمية الشعور بالتبعة والمسئولية في كبار الملاك تجاه أرضهم وتجاه فلاحيهم الذين يكدحون فيها ، وغرس حب الإصلاح في الفلاحين المشتغلين بالمزارعة ، والمالكين لمساحات صغيرة من الأرض ، وإيجاد طريقة صالحة لتعليم أبناء الريف ، وتحبيب البيئة الريفية إليهم بمختلف الطرق . وإعداد معلمين لمدارس الريف وموظفين ذوي كفاية وخبرة لوزارات الزراعة ، كل ذلك كفيل بأن يعين أكبر العون على إحداث تطور زراعي سريع .
*** ولم يغفل التقرير في تفصيله كثيراً من المسائل المتصلة بالزراعة ، سواء أكانت هذه المسائل القوم على تربة الحقل نفسه ، أو تقوم قريباً أو بعيداً منها . . فتجويد الماشية وتحسين سلالاتها وتكثيرها ومعالجة أمراضها ، مما يحتاج إليه قطر زراعي لا يستغني عن الماشية في كثير من أغراض
الزراعة وفي كثير من الصناعات الزراعية . والتربة في بلاد الشرق الأوسط تحتاج إلى دراسة عاجلة على يد المختصين بالأتربة ، وبالتفاعلات الكيمياوية والطبيعية المتعلقة بالري . ونظام الرى - عند أصحاب التقرير - لم يعد مشروعاً هندسياً صرفاً يعني بأحسن الوسائل إلى ضبط المياه وتصريفها إلي البقاع المنخفضة . وإنما لابد من مشاركة خبراء التربة لرجال مشروعات الري ، حتى لا تتغلب منفعة المياه إلى مضرة للأرض .
ويوصي التقرير في النهاية بإنشاء " معهد مركزي للتطور الزراعي " بغية إتمام الأعمال التي تقوم بها أقطار الشرق الأوسط منفردة . وفي استطاعة هذا المعهد المركزي - كما يقول التقرير - أن يخدم الشرق الأوسط في جملته ، ويسهل في الوقت نفسه الاستفادة - إلى أبعد الحدود - من الأشخاص المدربين ، ومن الوسائل العلمية الحديثة .
ويبدو لقارئ هذا الكتاب - وهو يرى ازدحامه بألوان من الثقافة الزراعية ومن قضايا بلاد الشرق العربي خاصة - أن المترجم قد بذل فيه من الجهد ما يؤكده لنا تلك الكلمة التي زكى بها الأمير الشهابي ترجمة السيد أمين نظيف . وهي تزكية لا تمنعنا أن ننسى أيضا فضل الأمير الشهابي نفسه في تعليقاته الكثيرة ، وتصحيحاته اللغوية ، وفوائده الطريقة التي تعرفها عنه في " معجمه الزراعي " الجليل ، وفي أبحاثه المتفرقة هنا وهناك .
ولا شك أن إمداد الأمير الشهابي لدائرة معارفنا الزراعية بهذه الألفاظ العربية الفصاح مما يعين على جعل العربية لغة علم لا تضيق بمصطلحات العلوم والفنون ، ولا تقل عن أخواتها من لغات العالم .
" فالتحويل " : لفظة يستعملها الأمير لزرع الأرض حولاً وتبويرها حولاً لتستريح .
" والعدمى " : الزرع لا يسقى غير المطر . " والسقى ، والسقوى " : الزرع الذي يسقى بإحدى طرائق الإسقاء . " ومعيلات الأشجار " : هي التي تسقط أوراقها في الشتاء .
" والطشوج " : كلة قديمة كانت تستعمل في العراق في مقال " الكورة " أو ما يسمي بالمنطقة الزراعية . " والنسب " : من الحجارة هو ترجمة لفظة Basalt " والمرؤ " : من الحجارة هو ترجمة لفظة Quartz " والطلق : من الحجارة هو ترجمة لفظة Mica وهكذا يمضي الأمير الشهابي في استعمال ألفاظ صحاح فصاح ! فيحي بذلك الاستعمال كثيراً من الكلمات التي ظلت محجوبة في معاجم اللغة زمانًا طويلاً
على أن ذلك الجهد الذي بذله المترجم والمراجع لم يسلم من هفوات لا تنقص من قدره بقدر ما تدل على وجود النقص في جملة البشر . . فففظة "الوادي" تجمع في هذا الكتاب على " وديان " والذي حرفه من كتب اللغة أن جمع الوادي : " أوداء " و " أودية " و " أوداة " و " أوداية " .
وفي صفحة ١٣٧ يستعمل المترجم الفعل " يعيق " بمعنى يمنع . والصواب أن يكون " يعوق " مثل قال يقول ، أو يعوق مثل علم يعلم . أما الفعل " أعاق " والمصدر منه " إعاقة فمن أخطاء الولدين .
وفي هامش صفحة ١٤ أن " العذى " جمع أعذاء . وهذا عكس المراد ؟ فإن العذى جمعه أعذاء . فالعذى مفرد ، والأعذاء جمع .
ولماذا يستعمل الأمير الجليل لفظة " ملاك " بصيغة الإفراد والبالغة ، بدلا من " مالك " التى جمع على " مالكين " جمع مذكر سالماً ، وتجمع على " ملاك " بضم اليم جمع تكسير ؟ وأيهما أسهل طريقاً : المالكون الأرض كما نقول ، أم الملا كون الأرض كما يكتبها الأمير الجليل ؟ .
ومهما يكن من أمر ، فإن الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية ، والسيد أمين نظيف . والأمير مصطفى الشهابي ، مشكورون أجزل الشكر على إخراج هذا الكتاب الحيوي الثمين .

