هذا كتاب جديد في عنوانه وموضوعاته ، قديم مادته وشهرته ؛ فالخيام اسم شائع يحرفه أدباء الشرق والغرب ، ورباعياته عنوان ضخم تتداوله الأسماع ويعتمد متعد الصدارة بين عناوين الأدب ، وإذا كانت لغات العالم الحالية قد ظفرت بنقل هذه الرباعيات إليها فإن حظ العربية منها عظيم .
والفارسية نفسها قد فخرت بهذه الرباعيات واعتزت بها ، فكان في هذا الفخر إغراء لتدويها وإغراء روايتها حتى صار الأمر إذا أرادت رباعية أن يكتب لها الخلود تدحرجت على رباعيات الخيام وتدثرت ببحاره . وألف الناس سماع
ذلك وتسابقوا في الانتحال والوضع ، فترا كمت أعدادها واختلفت مجموعاتها ، فهي بين ١٥٨ وبين ألف ، ومجموعها خمسة آلاف رباعية مدونة في مخطوطات محفوظة في مكتبات العالم وفي أسواق الكتب ، هي معين الأدباء والمترجمين ، يقتطفون منها ما يشتهون ويترحمون ما يريدون ، ويتسابقون في إجادة العرض وحسن الاصطفاء . وفي هذا العرض الجديد إبداع وانكار وطبيعة ساقبة وذوق سليم زان هذه الرباعيات فأبرزها تمثالا رائع الحسن بديع التقويم ، فلفتت روعته أندية الأدب في فارس . وأقبل الأدباء والفضلاء على
شاعرنا يهنئونه . وحفل به ذوو السلطان فقلدته وزارة المعارف في جمع كبير وسام العلم نيشان فرهنك " وقررت طبع كتابه بالفارسية . وهكذا قدت العربية بحثا علميا دقيقا في تخصيص الرباعيات وباء هيكلها الجديد ، واستقبلت شعرا فارسيا في بلاغتها ووضوحها دون أن تفرط في أسلوب الشاعر ومرامية . وإنك إذا قرأت هذا البحث الممتع وخلصت منه إلي الرباعيات وأتممتها لا تلبث أن تشترك مع القوم في إعجابهم وتهنثهم وحفاوتهم في دقة هذا البحث وفساحة هذه الترجمة . وإذا طويت الكتاب وتركت لخيالك أن يستعرض صور القاضي رجع يحمل إليك ما يضعه بين بديك ، فإذا هذا الذي تراه صورة لذلك التراث الذي بعثه الصراع العلمي والأدبي علي سهول الرافدين في أيام العباسيين الزاهرة يفنون الأدب والترجمة ، ورأيت في هذا الهيكل الذي بناء عبيد الحق توفيقا يخبط عليه ، ولم يكن هذا التوفيق وليد المصادقة ، إنما هو وليد البحث والاستقراء والتمحيص وطول التأتي والقدرة على تمييز الأفكار وتوافقها حتى خاص إلي هذه الصورة التي تمثل ما كان يدور في أفكار الشعراء والأدباء وحفل به أندية العلم وأسواق الأدب وما يبعث المراه والجدل في زندقة ابن المقفع ومزدكية بشار ومانوبة أبي نواس وأبي العتاهية وحلول الحلاج معاني للمتنبى وأبي العلاء وبقية من آثار شعراء الصحراء التي انحدرت في أصلاب الزمن ولم تغيرها طراوة الحضارة
في هذه الرباعيات إيمان وتوحيد وفيها إلحاد وإنكار البحث والجنة والنار ، وفيها غزل وإقبال علي الذات ، وفيها شك وحيرة ، فيها عزوف عن الدنيا واعتكاف في الزوايا ، فيها جبرية وخضوع للقضاء والقدر ، فها ثورة نفس أرادت أن توجد شيئا فاصطدمت وتراجعت ، ثم انهزمت ، ثم اعادت الكرة ، فهي في كر وفر وثورة واستسلام ، فإن الخيام في ثورته على السماء لا يختلف عن معارضة ابن المقفع للقرآن إلا في أسلوب العرض . فقد كان ابن المقفع عنيفا فى مناقشة العقاب والثواب ، أما الخيام فإنه هادي رفيق بالسؤال ومناقشة الرأي ، وهي إحدي الطرائق التي تسلكها المانوية في إثارة الشك في العقيدة والتغلغل فيها لنسفها من أساسها .
وهو في جبريته التي يري فيها " كل ما يحدث قد قدر من يوم القدم " لا يختلف عن بشار بن برد الذي يري أنه طبع على ما هو عليه غير مختبر هواء ، وانه يريد فلا يعطي ويعطي ولم يرد ، ويتفق معه في إباحيته المطلقة ويختلف معه بالإيمان بالرجعة ، فإن بشارا يؤمن بها والخيام يمجدها . وقد اتهم الاثنان بالزندقه . واتخذ كل واحد منهما الحج وقاية لإبعاد التهمة فلم ينفعهما ، وهو وأبو نواس صنوان متعاونان في إغراء الناس بمعاقرة الصهباء ذاك ملأ بها ديوان شعره ، وهذا بني رباعياته عليها ، هذا يقول لأصحابه ما جاءنا أحد يخبر أنه في جنة من مات أو في نار ، والخيام يقول : لم ير الجنة والنار بشر ، ولم يأت من العالم الثاني آت يخبر ، وان ماتخشاه لا حقيقة له .
وقد لعب الخيام لعبا جميلا في بيت أبي العلاء المعري المشهور في قصيدته المعروفة ، بل اتخذ من هذه القصيدة معينا صافيا يصور منه ما تشاء لغته الجميلة التي أفرغها عبد الحق مرة ثانية في آنية الضاد
فإذا كان أبو العلاء أجمل كل معانيه في استلطاف الناس أن عينوا الوطء على الأرض ، فإن الخيام يري في طين الكواز رءوس آياته وتفور الفاتنات المحصنات ومحاسن الفتيان وذلة العزة التي كان ينجح بها الملوك وذو السلطان ، وعزة الدلة التى كان ينوء بها الفقراء المنكفون و . . ولا أريد أن أطل الوقوف عند موقف الخيام من معاني أبي العلاء وأعرضها مرة ثانية بعد أن كفانا بها مترجمنا الفاضل بهذه للمقارنة الشاملة التى الحقها بثورة الخيام .
وإذا كان الحلاج لم ير في الجنة إلا الله فإن الخيام لم يكتف في هذا الرأي ، بل هدته عقليته الرياضية أن يتخذ من هذا امعنى سبيلا لتبرير أعماله التي سوف لا يجد عليها عقابا ، وكيف يجوز العقاب واين تكون النار والخيام مطمئن واثق أنه لن يكون عذاب في مكان يكون الله فيه . وهذا المكان الذي لا تحيط ، قدرة الإله لا وجود له . ولذلك محرج من مقدماته ونتائجه أن الله في كل مكان ، وإذا كان الله في كل مكان فإن النار لا وجود لها . وإذا امتنع وجود النار امتنع وجود العقاب . والخيام كما روى : عالم مثقف رياضي ذكي العقل ، أو كما يقول مريدوه إمام تفتح له الولاية والتقوي مغاليق
المستقبل ، عالم بالعربية ضليع بآدابها ، يقع على محاسنها فيصوغ من معانها ما يحمل معانيه فهو يأخذ البيت البليغ من المتنبي فيبنى منه رباعية أو أكثر من رباعية ، وهو في زهده وعزوفه عن الدنيا تلميذ أبي العتاهية ووريث المناوبين في هذه الفكرة التى دخلت على الأدب العربي دون استئذان
أعود إلي الرباعيات مرة ثانية وأقف من صديقي عبد الحق موقف السائل المستفسر : هل هذه الرباعيات نتاج الخيام فيلسوف أم شاعر ؛ إننا تعلم أن المشتغلين بالبحث والعلم حذروا ما ينطوى عليه أديم الشاعر وما ينطوي عليه أديم الفيلسوف . ووضحوا مقاصد الفلسفة ومقاصد الشعر . ولكل فيها براء من الحي تسبب ؟ على أن بعض الناس قد جمع بين الشعر والفلسفة في صعيد واحد ؛ ولست راغبا في فتح هذا الباب على مصراعه فإنني هنا لا أعدو تقدير كتاب حملت به المكتبة العربية وأعجبت في بحثه وترجمته .
ويحمل بي أن أعرض هنا مثلا متواضعا أوحته إلى هذه الرباعيات ، لعل فيه توضيحا وتحديدا لمعني الفيلسوف والشاعر ، ومعينا على رأي أرتبه ولا افيد به غيري ، وهو :
هب أن فتاة جميلة في فتاه السن وضعت على فراش التشريح لإجراء عملية فيها موت أو حياة ، والفتاة بين يدي الحبيب والطبيب ؛ فالطبيب يفتح الجرح أو بشق العضو ، وقد بينه ويتحرك مشرطة في بدء ليصل إلى نتيجة يحفظ هذا الكائن . أما الحبيب فإن عينه وقلبه بثبعان المشرط في خوف ورهبة ، وقد تدمع العين ويجف القلب ويغيب عن الصواب ؛ فالطبيب يفعل فيه في المريض من حيث هو كأن حي بقطع عضو ليستمر وجوده . أما الحبيب فإنه ينظر إليها أنها إنسان من لحم ودم يجب أن يعيش وتمتد بها الحياة وتتفرع دون أن يبتر العضو - فنظرة الطبيب نظرة الفيلسوف ، ونظرة الحبيب نظرة الشاعر ، ذاك عقل هادىء مطمئن يريد أن يصل إلى قرارة المعين ، وهذا عاطمة جاعة عنيفة ، وقد تكون هادئة . تنظر إلى صفحة العين فيروقها صفاؤه فتطرب وتكتفي ، وقد يخيفها منظر آخر في مثل آخر فتهرب ، والذي وجدته في رباعيات الخيام إنما هو من طراز شعراء العصر العباسي ، فيه عاطفة باعجة ثائرة .
ومستشفعة هادئة وخائفة واجفة متراجعة وهاربة ؛ في كل صورة من هذه الصور استطاع صديقي عبد الحق أن يبرز الخيام شاعر واضحا كل ما للشعراء السالفين من المعاني بلغة رقيقة لطيفة ذات جرس ورتين ومهارة ذائفة تعطيك ماشاعرنا الموهوب من ذكاء وطبع صاف ؛ فله من تهنئة الأخوة وله من المسكتبة العربية الحمد والثناء .

