ومن الأفذاذ الذين يفخر بهم العراق خاصة والعالم العربى عامة ، الأستاذ المحقق " عبد الحق فاضل " الذى جمع بين فضيلتى العلم والسياسة ، فهو من ناحية يقضى نهاره بين ملفات دائرته السياسية يحل مشاكلها ، كما أنه من ناحية أخرى يقتل ليله بين مجموعة من كتبه ، ليستقط على شاردة ، أو يتسقط واردة ، كل ذلك وهو منصرف إلى مهنتيه السياسية والعلمية يقوم بهما بدون ضوضاء . ومن غير ما كلام ، وبسكون وتؤدة لا يمكن أن يشعر بهما أحد حتى أقرب الناس إليه ، وإذا ما قابلته على غير معرفة ، ومن غير مناقشة لا تجزم أنك ستجد من هذا الساكت المتكلم ، والساكن المتحرك . والحليم الهائج ، والمسالم التأثر ، أدباً جماً ، وعماً غزيراً ، ودراسة دقيقة ، وتحقيقاً فاحصاً . وغوراً عميقاً . ثم إذا بهذه الشخصية الساكنة المسالممة تخرج لك كتاباً يعكس عليك " الخيام " بحقيقته الناصعة ، وعبقريته اللامعة فى " ثورة الخيام " تلك الثورة التى أزاحت لنا الستار الكثيف الذى كان منسدلاً على حقيقة هذه الشخصية الفذة عدة قرون . بالرغم من أن المعنيين بالخيام لم يقصروا فى ترجمة رباعياته نظماً ونثراً . إلا أنه لم يقم واحد من هؤلاء الباحثين يتناول الخيام ورباعياته ليبزرهما لنا صورة صحيحة منه كأنها هو . وكأن رباعياته هي ، هي ! . .
إلا أن الأستاذ عبد الحق لما أحس بهذا النقص العظيم شمر عن ساعد الجد ، فدرس أولاً ثمة الخيام " الفارسية " دراسة علمية ، وأخذ بعد أن أصبح قادراً على التفاهم مباشرة ، وبدون واسطة ، يدرس شخصية الخيام ورباعياته ويقدمها للقراء فشيبة من حيث جودة الطبع . وغزارة المادة ؛ وحسب الأستاذ الفاضل فخراً تلك الشهادة العظيمة
التى جاءت من أهلها - التى قدم بها الكتاب حضرة الأستاذ الكبير " سعيد نفيسى " أستاذ تاريخ الأدب ، وتاريخ التصوف . وتاريخ التمدن فى جامعة طهران . والعضو الدائمى فى المجمع العلمى الإيرانى ، وهذه الشهادة التى لا تحتمل التعديل والتعليل ، أكبر برهان على أن هذه " الثورة " لم يقم بها أحد قبلاً ولا بعداً ، ولا أغالى إذا قلت إننى لم اكتف أيضاً بهذه الشهادة وحدها ، وإنما قمت بدورى بدراسة " الثورة " دراسة بحث وتحقيق ونقد ، ووصلت إلى نتيجة واحدة هى تأييد شهادة الأستاذ " نفيسى "
لقد كان الأستاذ المؤلف ، طبيعياً فى أسلوبه ، طبيعياً فى طريقة تحقيقة ، إذ أنك تجده يسترسل فى الموضوع بلا تكلف ولا تعقد ، فيبرز لك الحقائق سافرة ناصعة لا غبار عليها ، ويصور لك الوقائع كأنك تلمسها لمساً ، ولا يغالى فى الادعاء . وإنما يسرد لك الحوادث كما تبينها هو بطريقة تقرر لك الواقع . لا أثر للخيال والتكلف فيها ، وهذه الطريقة فى البحث والكتابة لا يعنى بها إلا أولو التحقيق من الباحثين .
أما القول عن الترجمة ومطابقتها للأصل الفارسى ، فإننى لم استطع التعمق فى هذه الناحية من دراسة الكتاب لقلة بضاعتى من اللغة الفارسية ، لهذا فقد تركت ذلك لمن له إلمام باللغتين ، ومع ذلك فهذا لا يمنعنى من أن أقول كلمة حق فى تقرير الواقع ؛ إن المتانة والقوة فى ترجمة الرباعيات ، وصوغها شعراً جاءت بشكل يدلنا على أن الأستاذ المترجم ، له من الإلمام باللغة العربية ، وموازين الشعر اليد الطولى ، والنصيب الأكبر ، وإذا ما حقق القارئ وأمعن فى الترجمة يجدها كلها على وتيرة واحدة من حيث الجودة ، والمتانة ، والقوة والجزالة .
أما من ناحية الدراسة ، فإن المؤلف قد مهد فى أول الكتاب وبين أنه كيف قام بالترجمة بكل دقة لأن تظهر مطابقة للأصل كل المطابقة ، بالرغم من أن ترجمة الشعر إلى شعر مثله من الأمور الصعبة جداً ، ومع ذلك كله فإنه قد وفق توفيقاً رائعاً فى إظهار ترجمته كأنها رباعية نظمت بالعربية رأسا .
وقد ترجم رباعيات لم يسبق أن ترجمت إلى العربية ، وهذه فضيلة أخرى تضاف إلى عمل المؤلف الشاق .
والحقيقة أن المترجم قد نقل الذوق الفارسى والأسلوب الخيامي إلى قراء العربية .
ولقد حاول المترجم أن لا يقع فيما وقع فيه الخيام نفسه من التكرار ، فالتزم المطابقة مع عدم ترديد ما هو مردد فى الرباعيات على قدر الإمكان .
وعندما محص المؤلف الرباعيات لم يحزم بأن جميع الرباعيات التى سارت على الألسن هى للخيام . ولعل الوصول إلى الرباعيات الحقيقية يتعذر على الباحث ، لأن الخيام لم يجمع رباعياته فى حياته . ولعله إذا كان قد جمعها أو جمع قسماً منها ، فإنه لم يظهرها إلا لخاصته ، وإن هذا التكتم كان مبنياً على خوف الخيام من الصراحة الموجودة فيها ضد الدين . والثورة على الأديان . والمجتمع ، ومع كل هذا التكتم فقد اتهموه بالكفر .
وبهذه المناسبة فقد تناول الرباعيات واختلاطها مع رباعيات نسبت للخيام ، واستخلص من هذه ما اعتقد بأنه للخيام ، كما انه تطرق إلي التحريف الذى طرأ على الرباعيات ، وبين أيضاً كيف تعمد بعض الناس أن يضيفوا إلى الخيام رباعيات ليست له ، وأن آخرين رووا هذه الرباعيات محجورة مخالفة لأصلها الصحيح ، وإلى ما أصاب الرباعيات جملة من تحريف النساخ فى عصور مختلفة .
كما أنه لاحظ عند تحقيقه ان قسماً من الرباعيات دخل ضمن دواوين الشعراء مما ذهب إليه المستشرق الروسى جوكوفسكى ، واعتبر مثل هذه " رباعيات جؤالة " .
ثم تكلم عن نظرية الأستاذ ذ كريستنس ، الذى قال : " بأن كل رباعية ورد اسم الخيام فيها فهى له " ففندها
ولم يعتد بها لأنها تحمل الباحث على نفى كل الرباعيات إلا قليلاً لا يتجاوز أصابع اليدين .
ورجع على من قال : إن كل ما جاء فى الرباعيات بضمير الغائب أو بصيغة الماضى فهى لم تكن له . ودفع هذا القول بالحجة القاطعة فقال : " فإذا تمسكنا بمنطق الدكتور "روزن " لم يبقى لنا إلا أن نفترض أن الخيام نظم هذه الرباعيات بعد وفاته لأن ما جاء فيها بصيغة الماضى .
هذا وإنه رد قول المرحوم " فروغى " فى عدم اعترافه بقسم من الرباعيات باعتبار أنها لأبيه رداً ماديًا تؤيده أقوال " السمرقندى " المعاصر للخيام و "النسوى " الذى قال فى مطلع مقطوعته :
إن كنت ترعين يا رع الصبا ذمعى
فاقرى السلام على العلامة الخيمى
كما انه أورد الحجج الدامغة بأمثلة ناصعة من الرباعيات رد فيها على أقوال " فروغى " فى الرباعيات " الست والستين " واستخلص من ذلك أنها لم تكن مقياساً دقيقاً ، ومقياسا غير دقيق .
ثم تناول عدد الرباعيات ، وركزها بشكل لا تحرج فيه للتخلص من الخطأ فى الاختيار . وترك ذلك لتخمين القارئ . لم يستطع تحديداً لأعدادها ، وحينما أراد التمييز من الرباعيات ، ما كان منها للخيام ، وما كان منها لغيره متحولا له ، فقد اعترف المؤلف بأنه عاجز عن التمييز ، إلا أنه يقول : إن هذه التى اختارها سواء كانت متحولة أو صحيحة ، فهى تمثل " مدرسة الخيام ولهذا فإن مجموعنه هذه جاءت جامعة أكثر منها مانعة .
وقد تطرق المؤلف الفاضل إلى شعر الخيام العربى ، وأضافه إلى رباعياته المعتمدة ، بعد أن أورد الأدلة المقنعة على أنها للخيام ، وهذا التدليل عندى يؤكد نسبة كثير من الرباعيات التى اختارها المؤلف إلى الخيام ، لمطابقتها لشعره العربى تمام المطابقة لفظاً ومعنى .
وقد عرفنا الثائر الفاضل فى البحث عن عقلية الخيام . بأنه علاوة على شاعريته فإنه كان فقيها فيلسوفاً ، طبيباً ، فلكياً ، رياضياً لاهوتياً عالماً باللغة والقراءة . وله اليد الطولى
فى التفسير والحديث والكلام ، إلا أنه كان قليل التأليف شأن كثير من العباقرة الذين ذاع صيتهم فى الآفاق ولم يتركوا من الآثار إلا النزر القليل .
وأبان علاوة على ما للخيام من تعمق فى علوم كثيرة فإنه فنان عبقرى برباعياته التى ذاعت فى الآفاق شرقية وغريبة وترجمت إلى عدة لغات ، واعتنى بها العلماء والفلاسفة أيما عناية .
ولقد كان المؤلف منصفاً تمام الإنصاف حينما تطرق إلى عقيدة الخيام ، وأنحى باللائمة على المرحوم " فروغى " الذى كان يدافع عن الخيام لتخليصه من طعنه بالزندقة ، وبإيراده بعض رباعياته تكفى لدعم دعواه بالبينة الراجحة . على أننى وإن كنت أماشى الأستاذ فيما ذهب إليه من زندقة الخيام حيث إنه أعلم به من غيره فلا أتفق معه فى طعن المعرى بالزندقة لأن لى شخصياً رأيا خاصا فى عقيدته (١)
هذا وإنه عند مقارنته بين الخيام والمعرى . جعل المعرى بين الزندقة والإيمان ، مع أنه أثبت زندقة الخيام بصورة فاطعة .
وقد نفى " التناسخ " عن الخيام لضعف الأدلة الواردة على قوله به .
وقد عرض صورة جذابة لإلحاد الخيام الرياضى . كان لهذا العرض أعمق الأثر فى نفس القارئ . وقد أصدر حكمه الرائع فى " تقية " الخيام مفنداً بذلك ما ذهب إليه " فردريك روزف " من " سعة الأفكار . وتنوع النظريات " معللا بها نفى الإلحاد والزندقة عن الخيام
وحين تناول موضوع معافرة الخيام للخمر ، رد على المرحوم " فروغى " رداً حسنا ، ثم لم ينزه الخيام عنها . ولم يثبتها إثباتاً قاطعاً . وإنما سلك سبيلاً وسطاً فى حكمه .
وما ألطف تصويره الخيام بعد انهى هذا الفصل بقوله : " إنى لأتصوره أحياناً عائداً إلى بيته ، متأبطا بعض كتبه وأوراقه ، وقد دس محبرته ومقلمته فى نطاقه . وهو كئيب النفس ، ضيق الصدر ، لما لاقى من عنت البيئة ، ومزعجات
الزمان ، أو لما انتابه من فكر فى الموت ، أو تبرم بالحياة ، فإذا هو أراد أن يكتب ويؤلف ، عكرت عليه الأشجان صفو قريحته ، فيتناول كتاباً ليقرأ ، فيركبه الغم ، ويستعصى عليه الفهم ، فيلجأ إلى إبريق الصهباء يشرب من دمه القانى حتى يثمل وبنام "
إشرب الراح ؛ فإن العمر يتلوه الحمام
لخليق أن تقضيه بسكر ، أو منام
ولقد كان المؤلف منصفاً أيضاً فى موضوع علاقة الخيام بالحسناء التى ترددت كثيراً فى رباعياته كما أنصفه فى سائر تحقيقاته عنه .
أما من قال يتنبؤ الخيام بالغيب ، وتكهنه بالتنجم فقد قام بتفنيدها تفنيداً ماديًا وعقلياً ، بحيث لم يترك للقارئ ريبة فى النزول عنده .
ولقد عز المؤلف على شخصية الخيام مر الكرام ، إذ صوره كما هو بلا زيادة ولا نقصان ، وما ألف الرباعية التى استشهد بها قوله :-
كم تذل النفس فى خدمة أوغاد لثام
تلتحى كل طعام ، كالدباب المترامى
كل رغيفاً كل يومين بسلا من الأنام
فلأن تطوى خير لك من خبز الكرام
ومن هذه الرباعية يمكنك أن تعلم ما انطوى عليه الخيام من نفس ذكية أبيه حتى عن خبز الكرام فضلاً عن منح اللئام ، وما أكثرهم فى هذه الأيام .
أما فلسفة الخيام ، وهى الأصل فى الموضوع الذى من أجله وضع المؤلف كتابه هذا ، فقد لخص فلسفته فى تلك الصورة التى رسمها لنا ، وهى أوصال ذلك التمثال الرائع المتناثرة التى لا تتشابه . ولا تتفق مع بعضها وهى أجزاء ، وإذا ما جمعت أصبحت هيكلا تاما متناسق الأعضاء ، متوافق الأطراف ، يعجبك تركيبه وتدهشك روعته . هذه هى فلسفة الخيام ، لا كما اعرفها أنا ، ولكن كما عرفنا إياها من غاس غور هذا البحر المتلاطم ، فأخرج لنا درره صافية رائعة لا شية فيها ولا عيب .
وهكذا فقد استقرت فلسفة الخيام عنده ، واستنبط من رباعياته " فهارس الثورة " ولخص ثورته على المجتمع :
بأنه بعد أن ندد بهم ، وبأعمالهم وعاداتهم . وحركاتهم وسكناتهم ، ذوى وجهه عنهم ، وزهد فيهم ، وثار عليهم ، كما ثار على الدجالين من رجال الدين - وما أكثرهم فى زماننا هذا - وثار على الدين وكان له رأى خاص فيه . وثار على السماء حتى دار رأسه وعجز عن إدراك الحقيقة ، تلك الحقيقة التى يريدها الخيام أن تكون رياضية كمن يجمع بين عددين ثم ثار على الدهر والأفلاك ، وثورته هذه كثوراته على الدين والسماء ؛ وبعد أن يتيه فى بحر من الألغاز ، يثور على العقل ، ويرجع من ثورته هذه وهو لا يعرف شيئاً ، ثم يقف وفقة الحائر المفكر المضطرب تجاه حقيقة واحدة ، هى " الموت " وهكذا يقول عنه المؤلف : - ما كره الخيام شيئاً كما كره الموت ، ولا هاب شيئا كما هاب الموت ، ولا شغل فكره شئ كما شغله الموت ، ولكن الشئ الوحيد الذى لم يثر عليه ، ولم يناقشه الحساب هو الموت ، إنني حللت مشكلات الكون كلها ، ووثبت من كل أحبولة نفسها الخداع لاقتناصى ففضحت كل الأسرار إلا سر الموت "
ولما أن علم أن الموت سيطوبه فى سجله فشلت ثورته . وأناب وفر من الحياة التى عرف نتائج نتائجها فراراً لا رجوع بعده ، وراح بشرب نخب الهموم ليغفل عن نفسه ، وشرب نخب الموت ، لأنه خشى أن يدهمه الأجل قبل أن ينال نصيبه منه ، وشرب نخب شيوع الحان ، فوجد آخرهم منهوكا من فرط ما شرب ، متمتما " الله لطيف بعباده "
وشرب نخب الزاهد الدجال قائلا له : " وانينا يرسله الحمار فى جوف الدجى ، لخبر من تأوه الزاهدين الكاذبين " وشرب نخب الدين قائلا : - " فمن أراد أن يعرف دينى فهو الفراغ من الدين والكفر " .
وشرب نخب " الله كريم " مردداً : - فإن الله غنى عن تقواك ، ومعصيتك " .
وشرب نخب العقل ، وصاح قائلا : " لأطلقن العقل والدين ثلاثاً " .
وشرب نخب اللحظة الحاضرة ، واغتنمها لأنه لا يملك سواها فى هذه الحياة .
وشرب نخب الحبيب ؛ لأنه لم يرد أن يضيع فى حياته يوما يمضى فى غير غرام .
وشرب نخب الأنخاب أخيراً ، وطلب من ندمائه ، أن يذكروه من بعده وان يقلبوا كأسه .
وما ألطف ما علق المؤلف على هذه الأنخاب " بانتهاء الفيلسوف إلى حيث يبدأ رجل الشارع وينتهى فيلتقيان " .
ويختم المؤلف تحقيقاته هذه الغنية ببحوثها ، الثمينة بدارستها ، السلسلة بأسلوبها بشعار الخيام بقوله : " فليقل من شاء ، فى ما شاء " . وبعد ، فإن هذه الثورة التى قام بإشعال نارها " الأستاذ عبد الحق فاضل ، لجديرة بأن تقلب نظام الحكم السائد قديماً فى النظر إلى دولة الخيام .
