كنا فى ندوتنا المألوفة وفى ليلة من ليالى الصيف حين جاءنا الأديب العراقى الكبير الأستاذ روفائل بطى ومعه صديق له من أهل العراق ومن رجال السلك السياسى . وظننا أن هذا الدبلوماسى الرفيق الحاشية سينقلنا إلى احاديث السياسة التى تصدع الرءوس وتزهق النفوس . فإذا به يسوفنا فى رقة ولطف إلى الحديث عن الشاعر " عمر الخيام " وعن رباعياته .
ورأينا هذا الدبلوماسى العراقى يتحدث عن " الخيام " حديث العارف الخبير ، ويتحدث عن رباعياته كأنما يتحدث عن مسألة قتلها بحثاً ، وعرفنا من أمر هذا المحدث السياسى الأديب أنه ترجم من رباعيات الخيام ٣٧٦ رباعية ، وأنه بسبيل إخراجها عن طريق لجنة التأليف والترجمة والنشر مقرونة بدراسة واسعة للرباعيات ولصاحبها
وعرفت من لهجة المحدث أنه ثقة فيما يقول ، وعرفت من روايته لبعض الشعر العربى للخيام أنه جميل الذوق ، سليم النقد ، دقيق الحس ، خبير بأسرار اللفظ العربى ونسق الكلام فى استقامة وحسن نظام .
وكان مجلس هذا السياس الخيامى بجانب مجلسى حين أخذ يسمعنى بعض الرباعيات التى ترجمها شعراً إلى العربية ، فأحسست فى شعره - أو على الأصح فى ترجمته الشعرية للخيام - هزة عرش كيانى كله . وأيقنت أنني أجلس مع شاعر عربى كبير كان لعمر الخيام فضل تعريفنا به ، وتعرفنا إلى قيمته الشعرية التى لا يظاهرها قدرة على الترجمة فحسب ، ولكن تظاهرها طاقة شعرية وجدت فى الخيام منفذاً للتعبير عن القوة الكامنة فيها ، كما تظاهرها حاسة مرهفة خارقة استطاعت أن تصل إلى بعض أغوار الخيام فتسيرها سيراً .
ودارت الأيام بعد هذا اللقاء دورة كنت أعد الأيام خلالها لعلى أظفر بترجمة هذا الأديب العراقى لرباعيات الخيام التى أسكرنى فى تلك الليلة ببعض نماذج منها . وكنت أخشى أن يطول بى الانتظار ، وأنا رجل أتعجل الخير لنفسى وللناس . وقد أقنعنى المترجم بأن ترجمته فيها للأدب العربى وللعرب خير كثير . ولم يكن هذا الإقناع عن دعاية يصطنعها الأستاذ عبد الحق فاضل لنفسه ؛ فقد كان ساعة لقيته أبعد الناس عن الادعاء . وعن غرور كثير من الشعراء وكان - شهد الله - يسمعنى ترجمته للرباعيات وهو أشد حياء من فتاة حيية . وكان ف سمته وهدوئه ووقاره وثقته بنفسه وهو يلقى ، غير هؤلاء الشعراء الذين يتفلون على الناس بشعرهم وبحركاتهم لينزعوا منك أذناً للسمع وليرغموك على ذلك إرغاماً لا مفر لك منه ، ولا محيد عنه ...
وظهر كتاب " ثورة الخيام " من أيام ؛ فإذا هو ليس ترجمة صادقة قوية دقيقة لرباعيات عمر الخيام فحسب ، ولكنه دراسة عميقة رصينة للرباعيات ولصاحب الرباعيات ، وإذا بهذه الدراسة العلمية الدقيقة تطول حتى تكاد تدنو من نصف الكتاب ؛ وإذا بالأستاذ عبد الحق فاضل لا يبدو شاعراً قوياً أميناً فى نقل الرباعيات فحسب ، ولكنه يبدو باحثاً يجمله الصبر ، وتزينه الأناة التى يحتاج إليها حين تريد أن تنتج نتاجاً فكرياً يستحق أن يكتب له البقاء ، وأن يلقى من تقدير الدنيا ما تشاء .
وإذا كان الأستاذ عبد الحق فاضل يستهويك محدثاً وراوياً ، فهو فى هذا الكتاب الثمين يستهويك كاتباً وباحثاً وشاعراً ، حتى ليحملك على المضى فى الكتاب منذ اللحظة التى تهم فيها مطالعته ؛ وقد أحس هذا الشعر نفسه الأستاذ
سعيد نفيسى أستاذ الأدب وتاريخه بجامعة طهران . وأنا على ثقة أن كل قارئ لهذا الكتاب سيحس هذا الإحساس وسيرى فيه نوعاً من التعاطف الفكرى الذى يؤلف نسباً قويًا بين القارئ والمؤلف ويجمعهما فى إخاء روحى ...
وهناك من المؤلفين وأصحاب الكتب من يشعرون بالاستعلاء وانت تقرؤه . ويحاول التعالى على قرائه بفرض الأحكام ، واعتساف الآراء اعتسافاً ، وبالدعوى العريضة السمجة التى تعافها النفس ويجعل بينها وبين صاحبها سداً ...
ولكن الأستاذ عبد الحق فاضل ليس من ذلك الطراز من الناس ؛ فهو لا يتعالى حين يبدى الرأى ؛ ولا يتسامى حين يناقش المسألة ، ولا يفرض عليك أحكامه ونتائجه ؛ ولكنه يناقشك فى تواضع ، ويعرض لك وجوه الرأى فى هدوء . ويدخل عليك بحسن مدخله فى الكلام ولطف ثأنيه للأمور . فلا تشعر إلا وأنت معه فى الرأى ، ولا تحس فى هذه العملية اللطيفة الدقيقة ثفلا ولا معاناة .
وعندنا على هذه الروح عشرات الأدلة من دراسته . فهو حين يعالج موضوع التمييز بين صحيح الرباعيات وفاسدها يقول : ( أما أنا فأعترف بعجزى عن تمييز رباعيات الخيام مما عداها تمييزاً تطمئن إليه نفسى. لهذا أنفض يدى من هذه المهمة التى تبدو أقرب إلى المحال ) ص ٤١
وهو حين يبحث المرأة فى رباعيات الخيام تصادفه عقبات من قلة المراجع عن حياة الخيام ، وعن المجتمع الإسلامى فى عصره . ويصادفه ذلك الحجاب الكثيف من الصمت المطبق عن حياة شاعر كبير اتصل بالملوك والأمراء فيقول : ( إن الموضوع بكر لم يتصد له أحد من الباحثين الخياميين فيما أعلم ، ولعل البحث سيكشف فيه عن جديد . ومهما يكن من الأمر فانى إخال حياته الجنسية لم تكن طبيعية راوية . وإنما كان يغلب عليها الحرمان ، وقد اثر ذلك من غير مراء فى نهمه وأطواره على نحو ما ) ص ٨٨ .
وهو حين يتحدث عن فلسفة الخيام يقول : ( ولى على تأثر الخيام بالمعرى دليل غير دامغ . . ولكنه لا يخلو من وجاهة . ولعلك لاحظته معى . وهو انتهاج الخيام طريقة المعرى حين التزم ما لا يلزم فى قافية المقطوعتين الأوليين من شعره العربى الذى مر بنا آنفا . ومن يدرى ؛ لعله انتوى أن يؤلف كالمعرى ديوانا من اللزوميات ، ثم أقلع ) ص ١٢١ وهو حين يتصدى لموضوع الصهباء عند الخيام يستعرض
القضية من جميع أطرافها ثم يقول بعد وقوع الخبير على الشواهد : ( وقد لحظت من غير شك أننى لأجزم بأن الخيام كان يشرب الخمر ، ولكن لا اتفق مع من يجزم بأنه لم يشربها ) ص ٨٦ .
فنحن فى الحق أمام هذه الأمثلة مما ذكرنا ، وأمام غيرها مما لم نذكر ، نجد انفسنا مع باحث من طراز وقور لا يخفف حلمه أمام رأى لا يوافقه ولا يحاول أدنى محاولة لكى يقسرك على آرائه قسراً ، فهو " يخال " و " لا يحزم " و " له دليل غير دامغ " وغير ذلك من هذه الأساليب الديبلوماسية التى قد يكون صاحبا تعطها من السلك السياسى الذى يشغل مكانا كريما فيه .
ولعل هذا الهدوء لم يفارق الأستاذ عبد الحق إلا مرة واحدة فى الكتاب كله . . نعم مرة واحدة حين حاول جاهداً أن يقيم الدليل على الحاد الخيام . . فهنا نرى المؤلف ينزع عن نفسه ثوب الظن والشك ويلبس ثياب اليقين بأن عمر الخيام ملحد . وهنا نراه يقف وجها لوجه أمام البحانة المرحوم " فروغى " فيعجب من أنه أثبت إيمان الخيام وسلامة عقيدته .
وليس عجيباً أن يدافع الأستاذ فروغى عن إيمان الشاعر الخيام ، ولكن العجيب أن يثبت الأستاذ عبد الحق فاضل الإلحاد والكفر لهذا الشاعر الحائر بكل ما أوتى من قوة .
فيقول بعد إيراد أبيات عربية من شعر الخيام أو من الشعر المنسوب إليه : ( فكفره فى البيت الأول صراح لا لبس فيه ) . ص ٧٥
والبيت الذى يقصده المؤلف هو :
تدين لى الدنيا بل السبعة العلا
بل الأفق الأعلى ، إذا جاش خاطرى
وهو من أبيات أربعة لا يعلم على وجه اليقين قضينها إلى الخيام وقد وقف أمامها الأستاذ أحمد حامد الصراف المحامى ومترجم الرباعيات تبوأ موقفا يكاد ينكر هذا التفاخر على شاعر الطين والصلصال والتراب فيقول : ( لم أجد الخيام متفاخراً بل عرفته آية فى التواضع ) . انظر كتاب " عمر الخيام " ص ١٠٦ الطبعة الأولى .
وأعجب ما فى كلام الأستاذ عبد الحق فى هذا المقام أنه يطمئن إلى صحة نسبة هذه الأبيات وأخواتها القليلة إلى الشاعر الخيام . وهو اطمئنان لا أوافق المؤلف عليه ، وخاصة بعد أن دلل عليه بقوله : ( فأسلوبها كما يرى القارئ أشبه
بالعلماء منه بالشعراء . وإن ما فيها من استعارات وتشابه ، وذكر للأفلاك . والمناحس والمساعد ، وانقضاض القواعد ، وانقلاب الريح ، وانفتال الظل ، يشير إلى أن قائلها من المشتغلين بالطبيعة والأفلاك ) . فذكر الطبيعة والأفلاك . والنحس والسعد ، فى تلك الآيات هو دليل الأستاذ عبد الحق على أنها للخيام . وهو دليل لا يستقيم معنا إذا حاولنا تطبيقه على شعراء آخرين . فهل بعد ذكر البحترى لليالى والكوكب والمشترى والنحس فى قوله فى وصف إيوان كسرى :
عكست حظه الليالى فات ال
مشترى فيه وهو كوكب نحس
هل بعد هذا دليلاً على اشتغال البحترى بالفلك وعلم الهيئة ؟ ثم من قال إن اشتمال تلك الأبيات على الطبيعة والفلك والنحس والسعد والريح والظل هو الدليل بل أنها لعمر الخيام لمجرد انه كان مشتغلاً بالطبيعة والفلك ؟ فقد تكون لشاعر آخر غير الخيام ممن كان له اشتغال بمسائل علم الطبيعة والأفلاك . .
وإخال أن الأستاذ عبد الحق فاضل شديد الوطأة على الخيام فى ناحية الدين والإيمان ، حتى لقد حمله الاتهام له على أن يتعرض للعروض السمرقندى وهو يروى لنا حكايتين عن كهانته وتنبئه . فقد زعم العروضى أن الخيام تنبأ بصفة القبر الذى سيدفن فيه فصحت نبوءته كما روى حكاية اخرى عن " تنجيم " الخيام فيما يتصل بالصحو والطر .
ولقد كان موقف المؤلف هنا موقف صاحب العقل الذى لا يدع للوهم سبيلا إلى اعتقاده . فناقش حكاية التنبؤ بصفة القبر عن طريق الفهم لفعل فارسى هو " باشد " وناقش حكاية التنبؤ بالجو عن طريق معرفة الخيام بعلم الأرصاد الجوية . على أن الأستاذ عبد الحق قد ظن أن وصف العروضى السمرقندى للخيام بالإمام طورا وبحجة الحق طورا هو من دلائل توهمه بأن الخيام من الأولياء أرباب الكرامات ، ولا أدرى من كان الوصف بالإمام وحجة الحق دليلاً على الولاية ؛ ومن أين أخذ الأستاذ عبد الحق هذه الدلالة ؟ فإذا صح هذا المنطق الجديد جاز لنا أن نقول إن المسلمين اليوم توهموا الشيخ محمد عبده من أرباب الكرامات والأولياء لأنهم وصفوه " بالإمام " ! ولم يقل قائل إن الشيخ محمد عبده كان ولياً لأنه سمى بالإمام ؛ كما لا يجوز أن يقال إن الخيام ظن أنه من أهل الكرامات لأنه
لقب من تلميذ العروضى السمرقندى بالإمام .. .
قلت لك إن ظهور " ثورة الخيام " فيها خير كثير للأدب العربى ، لأنها دراسة جادة عميقة للخيام ورباعياته ، ولأنها ترجمة جميلة رقيقة لعدد من الرباعيات لم تظفر به المكتبة العربية منذ بدأ البستانى والسباعى وأحمد رامى والتنجقى والصراف ترجماتهم . فإذا تركت البحث فى الخيام إلى معانيه نفسها وإلى الطرق المختلفة لترجمة شعراء العربية وكتابها لها وجدت نفسك أمام طاقة من الزهر ، عمل فيها كل زهرة طابعها الخاص وعطرها الخاص . فتسمع " وديع البستانى " يقول :
قصر جمشيد مجمع الدمان
صار كنا للخشف فى الصحصحان
وتفيلا للضب والتعلبان
( وابن جور ) الصياد صيد وأردى
ومن العرش خط حطا للحد . .
وتسمع " أحمد حامد الصراف " يقول فى الرباعية نفسها نثراً :
" إن القصر الذى كان جمشيد يتعاطى فيه الأقداح ، قد ولدت فيه الظيبة ، واطمأن فيه التعلب . ويهرام الذى كان يصيد حمار الوحشى طول عمره . أرأيت كيف صاد القبر بهراما ؟ "
ونسمع اليوم صاحبنا " عبد الحق فاضل " وهو يقول فى الرباعية نفسها :
الجمشيد وقصر كان فيه يشرب
ولدت فيه ظبالا واستكن الثعلب
بالهرام الذى كان يصيد العير عمرا
أرأيت القبر كيف اصطاده لا يرهب ؟
إن أسماء كثيرة قد ظهرت فى اللغة الإنجليزية بجانب اسم " فتزجرالد " الذى أبدع ترجمة الرباعيات ، كما ظهرت فى الفرنسية بعض الأسماء . فإذا أضاف الأستاذ الشاعر عبد الحق فاضل اسمه إلى حفنة الأسماء العربية الكريمة التى ترجمت الخيام إلى لغة الضاد ، فذلك ربح نرجو أن ينال حقه من التقدير الصحيح ، وهو فى ذمة الزمان الفسيح . .
