من حسنات الدهر أن تقدم السيدة بنت الشاطئ علي تحقيق رسالة الغفران وإخراجها بثوبها الزاهر هذا .
ولو أن للأدب قيمة عند القائمين بشئون الأمة العربية لعملوا برأي ابن الأثير الرامي إلى إقامة محتسب على الكتاب ( ١ ) تجنبًا للفوضى ، ولنالت السيدة الجائزة التي تستحقها من قبل المحتسب ، كما يدرر كثيرون ممن نالوا الألقاب الفخمة دون استحقاق لها .
قرأت الرسالة قراءة شخص يفتش عن نصوص أدبية تكون مرجعًا لتاريخ الأمة العربية التي لما يكتب تاريخها .
وأي نص أقوى من النصوص التي تأتي عن طريق أبي العلاء ؟ .
إن أبا العلاء رجل جامعي ، وقد اتصل برجالات بغداد سنة ٣٩٩ في عهد يعده الأدب عهدًا زاهرًا ، ويعده التاريخ القومي العربي من العهود السيئة التي طوحت بالعرب إلى العبودية والذل حتى يومنا هذا ، وهو عهد البويهين الفرس .
لهذا إن لهذه الرسالة قيمة أدبية تفوق ما يتذوق ، الأدباء ، كما أن للأديب مركزه الاجتماعي ؛ فهو قد يأتي ببيت شعر لنكتة ، وقد يأتي بقصة أو حادثة أو خبر ، يريد من وراء ذلك العبرة أو الزجر أو الوعظ والإرشاد .
فالأديب الألمعي ذلك الذي يستغل الظروف لإظهار ما عنده من الآراء والأفكار والغايات والأهداف .
والأديب الألمعي ذلك الذي خلق من شيء تافه أشياء كثيرة فيجمعها كما يريد ويبني من مادتها قصورًا وصروحًا .
ومن أحق من أبي العلاء بذلك ؟ . فرسالة الغفران حوت الشئ الكثير مما نعرف ، كما أنها حوت أشياء مما لا نعرفها ومالم نستطع العثور عليه ، على الرغم من وقوع حوادثها في العراق أو في البلاد الشرقية التي تتصل به .
إن السيدة المحترمة قد أجادت كل الإجادة في تحقيق النصوص ومع تقديم الشكر لها فإني أريد أن أعين القارئ على معرفة بعض ما ورد فيها من النصوص ، وبذلك أكون قد أعنت السيدة - إن أصبت بذلك - وأشركت القارئ فيما أشعر به .
أولا : إني وقفت عندما قرأت قصيدة عدي بن زيد العبادي الصادية في ( ص ٧١ ) فتذكرت ما يقوله التاريخ : إن عدي بن زيد العباد قد قرأ كتب العرب والفرس ( ١ وتذكرت أيضا قوله : إن العرب كانوا يسجلون الأحداث التي تقع عندهم ، إذ يذكر : وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالمًا مثبتًا عندهم في كنائسهم وأسفارهم ( ٢ ) .
فالقصيدة التى تحوي البيت الآتي :
أو من نسور حول موتى معًا
يا كان لحمًا من طري الفريص
أخذني إلى بومباي الهند حينما كنت أتاجر بالخيل فيها ، وكنت أمر بمكان مطل على البحر في جبل ( والي كيسر ) شيده المجوس لعرض جثث موتاهم إلى النسور ، وكان ذلك المكان يسمي بالإنجليزية ( أى برج السكون ، ثم عدت إلى ما نشرته في إحدى رسائلي فوجدت ما يأتي : ذكر الأستاذ برون في سياحته في بلاد الفرس أن ثمة ( في طهران ) برجًا أو ما يسمي في لغتهم ( داخمه ) ويطلق على ( داخمه ) اسمه برج السكون ، ثم يقول : ويقع برج السكون هذا في جنوبي مدينة طهران على إحدي ققم جبل ( كوهي - ببي - شهر - بانو ) وإن شهر بانو هذه هي ابنة يزدجرد الثالث الذي كتب له طالعة
أن يرى سقوط الانبراطورية بعينيه ، ثم يقول أيضًا : إن شهر بانو تزوجت من ( الحسين بن على ) فتوحد بذلك الدم الساساني ودم الأئمة الذين هم أقرباء النبي .
ويقال : إن ببي شهير بانو هربت إلى بلاد الفرس بعد وقوع كارثة آل علي ، وإنها اختفت في هذا المكان الذي احتفظ باسمها .
ويقال أيضًا : إن المكان الذي اختفت فيه يضم الآن ( مزارًا ) تحوطه معجزة لا تسمح للذكور أن يروه أو يصلوا إليه عدا النساء .
ثم إني عدت إلى السياحة نفسها فوجدته يذكر : أن في إيران في الوقت الحاضر خمسة أبراج للسكون ، واحد منها في طهران ، واثنان في برد ، واثنان في كرمان ، يستعملها المجوس لعرض جثث موتاهم إلى النسور وأنها تسمى ( داخمه ) (١) . إن ما تقدم يرينا ما عناه العبادي بقوله :
أو من نسور حول موتى معًا
يأكلن لحمًا من طرى الفريص
ومما لاشك فيه أنه قد كان في العراق أبراج كما في بلاد الفرس ، وأن وجود عظام مبعثرة في نوع من أنواع مقابر الفرس في العراق مما يجعلنا نعتقد أن تلك العظام المبعثرة هي بقية من بقايا آثار برج السكون أو ( داخمه ) .
ثانيا : رأيت في القصيدة التي عملها أبو بكر بن دريد في ص ٧٤ ما يأتي :
جيفر الوهاب أودي به دهر على هدم المعالي حريص
وابن دريد أزدى وهو عربي ، ومن عادة العرب أن يذكروا مآثر أسلافهم ويخلدوها في بطون الكتب لتكون عبرة لمن يخلفهم .
وبما أن ابن دريد ذكرًا جيفرًا ، وأن أبا العلاء الذي زار العراق زمن سيادة البويهيين فيه نقل ذلك فإني أنقل من التاريخ ما ذكره فيهم .
يذكر التاريخ أن الأزد - وهم قوم ابن دريد - كانوا الأغلبين على عمان ؛ وفي سنة ثمان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا زيد الأنصاري وعمرو بن العاص السهمي إلي
عبيد وجيفر ابني الجلندي بكتاب منه يدعوهما فيه إلى الإسلام ( ١ ) .
وقد بقيت عائلة الجلندي هذه حتى زمن أبي بكر الأزدي ، إذ يذكر ياقوت أن الديكدان قلعة عظيمة على سيف البحر قريبة من جزيرة هرمة المقابلة لجزيرة قيس بن عميرة ، تعرف بقلعة بني عمارة وتنسب إلى الجندي .
ثم ينتقل ياقوت ما ذكره الإصطخري في بيوتات فارس ، حيث يقول : منهم آل عمارة يعرفون بآل الجلندي ، ولهم مملكة عريضة وضياع كثيرة على سيف البحر بفارس متاخمة لحد كرمان ، ويزعمون أن ملكهم هناك قبل موسى بن عمران عليه السلام ، وأن الذي قال أن تبارك وتعالى ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) هو الجلندي ، وهم قوم من أزد اليمن ( ٢ ) . .
ثالثا : عند ذكر البيت الوارد في ص ٣٩٦ وهو :
رأيت ربي بمشي بلالكة في سوق محيي فكدت أنفطر
وكان التعليق ما يأتي : ما يزال قوله ( بلالكة ) غامضًا علينا رغم الذي بذلنا من جهد ، إلى آخر ما هنالك .
كان الدكتور مصطفي جواد قريبا مني حين قرأت البيت وما علق عليه ، فسألته عن الكلمة فأجاب حفظه الله فورًا : إنه نوع من الخفاف وقد نسب إلى صنعتها عالم متقدم ، وأشار على بمراجعة التاج .
فتحت التاج فوجدت فيه ما يأتي : واللكك نبات يصبغ به . واللكاء الجلود المصبوغة باللكك ، وجلد ملكوك مصبوغ باللكك ، واللكلوك بالضم هو اللولكك الذي يلبس في الرجل عامية .
ثم يقول : اللالكائي هو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري المحدث الشهور مؤلف كتاب السنة .
وبينما كان الدكتور يتصفح مختصر تاريخ الإسلام المذهبي قال : سبحان الله إن حسن النية تسوق صاحبها إلى النجاح ، إن في حوادث سنة ٥٣٦ من الكتاب هذا يوجد : أحمد بن
محور بن الحسين أبو الفائز ابن البزوري سمع محمد بن هبة الله اللالكائي وعنه أبو سعد السمعاني .
ثم خطر لي أن أعيد النظر في معجم الأدباء من أوله إلى آخره ، فلما شرعت في إعادته - وكانت النسخة التي عندي هي التي طبعت تحت إشراف الدكتور أحمد فريد الرفاعي - جمع الله موجة الحر في صيف ١٩٥١ التي كانت فوق المعدل ، كما يعبر بذلك علماء الأنواء الجوية ، وتلك الطبعة التى يطبق عليها المثل العامي البغدادي ( راد يكحلها عماها ) فسار الشغل شغلين والهم همين : اقتداء الفوائد من الكتاب أولًا وتصحيح ما فيه من الأغلاط حسب الإمكان ثانيًا .
لقد وجدت ذكرًا للخف هذا في معجم ياقوت في ثلاثة مواضع :
الأول : في اسم أحمد بن على أبي الحسن البني الكاتب الذي كان يكتب للغادر بالله عند مقامه بالبطيحة حين وصف قياس البني الكاتب قال : ثم ليس من بعد الدراعة وسلك في لبسه مذاهب الكتاب القدماء ، وكان يلبس الخفين والبطنة ويتمم العمة التفرية ، وإن لبس لاجة لم تكن إلا مربدية ( ١ ) .
والثاني : عند ذكر اسماعيل بن عباد الوزير حيث ذكر عادة الأعاجم حين يحضرون مجالس التعزية لكبارهم حفاة حسرًا ، ثم قال : فلما أراد القيام من المعزي بعد الثالث كان أول من أمر أن يقدم إليه اللكأ متوجهر بن قابوس ( ٢ ) .
والثالث : عند ذكر الحسن بن محمد المهلي الوزير في حادثة له مع أبي النجيب سداد بن ابراهيم الجزري ) لا كما ذكر الدكتور بأنه شداد ( : أن الوزير أخذ إلى أبي النجيب جبة وقميصًا وعمامة وسراويل . . وقال : فإن كنت غسلت التكة واللالكة فعرفني ( ٣ ) .
وقد رأيت في قاموس ريثاردسن أن لالك خف أو لالنفة . وإذا شاءت السيدة المحترمة الزيد من المعرفة لهذه الكلمة واستعمالها فإنها تجد ذلك في كتاب النشوار وكتاب الصابي .
رابعًا : إن التعليق الوارد في ( ص ٤٠٥ ) على عبارة ( ومن لك بزنج في ذكر ) لا تفي بما يريده أبو العلاء ، لأنه ذكر الفكر في معرض البحث في الزنادقة وعيادتهم وعقيدة التأله الموجودة في الغرائز ، كما قال في ( ص ٤٠٣ ) فتفسيرها بكلمة ( لعبة للزنج والحبش ) لا يلائم الموضوع ، وإنما هي رقص ديني للتعبد كما شاهدته عند الهنادكة في الهند .
كان رجل التحقيق الفذ الأب انستاس ماري الكرمل الحالي كتب بامضائه المستعار ( امكح ) في مجلة المقتطف مقالًا تحت عنوان ( عبادة الدكا كبر عند العرب ) قال فيه : إنها إكرام بعض العروض أو الأشياء المنحوتة والسجود لها والاعتقاد أنها آلهة ، وهي في أغلب الأحيان تشبه بعض المخلوقات الأرضية من نبات وحيوان .
ثم قال : وهي غير الوثنية ، لأن الوثنية هي عبادة الأصنام التى يعتقد عبادها أنها صورة الآلهة أو الآلهة قد حلت بها .
ثم قال : وقد سمي علماء الأفرنج هذه العبادة الغريبة باسم فانشيسم .
ثم قال : إلا أن العرب كانوا قد سبقوا الافرنج إلى معرفة هذه الديانة وملاحظتها في أهل الغرب ، وسموا هذه المعبودات ( الدكاكير ) ، ومن ذكرها عبيد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي في كتابه المسالك و . الخ ( ١ ) .
خامسًا : إن التعليق على شاباس الوارد في ( ص ٤٤١ ) غير جدير بأن يكون علميًا ، لأنه قد ذكر أن شاباسًا كان بالبصرة والبصرة في جنوبي العراق ، فالواجب العلمي يحتم البحث عن شاباس في المصادر العراقية إلا إذا فقدت تلك المصادر ، فحينئذ يجوز اللجوء إلى ابن حزم الأندلسي .
ذكر ابن الجوزي في كتابه النظم في حوادث سنة ٤٤٤ ما يأتي : فمن الحوادث فيها أن أبا الحسن على بن الحسين ابن محمود البغدادي المعروف بالشباس توفي بالبصرة ، وكان هذا الرجل هو وأبوه وعمه مستقرين فيها ومستوعبين بها ، وكانت الظنون تختلف في المذهب الذي يعتقدونه ، إلا أن الأولى في أنهم من الشيعة الإمامية والغلاة الباطنية أغلب ، وكانت لهم ثم نعم واسعة وأملاك كثيرة وشيعة من سواد البصرة
والقرامطة والبطون المتفرقة يسرون طاعتهم ، ومحملون إليه ما يجرونه مجري زكواتهم . .
وقد نقل ابن الجوزي من خط أبي الوفاء ابن عقيل شيئًا من استعماله الطيور لنقل الأخبار والحوادث تمويهًا على شيعته بأنه يعلم الغيب ، وأنه يعلم ما حدث في ديارهم . . ( ١ ) .
وذكره ياقوت في مادة الصيمرة فقال : جاءهم في حدود سنة ٤٥٠ رجل يقال له ابن الشباس ( يلاحظ غلط في الرقم لاختلافه عما ذكره ابن الجوزي ) فادعي عندهم أنه إله ، فاستخف عقولهم بترهات فانقادوا له وعبدوه ، وقد ذكرت من خبره جملة في كتاب المبدأ والمآل عند ذكر فرق الإسلام ( ٢ ) .
وبالختام فإن في إمكان السيدة المحترمة بعد أن أخرجت
النص الأصلي صحيحًا ، أن يجعل من هذه الطريقة الأدبية رسالة توجيهية تبنى دعائمها على الأدب العربي والخلق الإسلامي .
فمثلا ثقف عند الكلام الوارد في ص ٩٣ : إن الملوك يأنفون من تسمية نسائهم ، فتكتب ما شاءت بالنظر إلى ما يجري يومئذ .
وعند قوله في ص ٦٩ : وأهل الجنة أذكياء لا مخالطهم الأغبياء .
وعند قوله في شفاعة قريش الذين هم عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم الأقربون للخطيئة ، ودخوله الجنة لصدقه ، والصدق رأس الفضائل .
وعند قوله في عقوبة الزنديق ، وما كتب في الزندقة والزنادقة ، وكثير من ذلك .

