الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 669الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, حول رسالة الغفران

Share

من حسنات الدهر أن تقدم السيدة بنت الشاطئ علي تحقيق رسالة الغفران وإخراجها بثوبها الزاهر هذا .

ولو أن للأدب قيمة عند القائمين بشئون الأمة العربية لعملوا برأي ابن الأثير الرامي إلى إقامة محتسب على الكتاب ( ١ ) تجنبًا للفوضى ، ولنالت السيدة الجائزة التي تستحقها من قبل المحتسب ، كما يدرر كثيرون ممن نالوا الألقاب الفخمة دون استحقاق لها .

قرأت الرسالة قراءة شخص يفتش عن نصوص أدبية تكون مرجعًا لتاريخ الأمة العربية التي لما يكتب تاريخها .

وأي نص أقوى من النصوص التي تأتي عن طريق أبي العلاء ؟ .

إن أبا العلاء رجل جامعي ، وقد اتصل برجالات بغداد سنة ٣٩٩ في عهد يعده الأدب عهدًا زاهرًا ، ويعده التاريخ القومي العربي من العهود السيئة التي طوحت بالعرب إلى العبودية والذل حتى يومنا هذا ، وهو عهد البويهين الفرس .

لهذا إن لهذه الرسالة قيمة أدبية تفوق ما يتذوق ، الأدباء ، كما أن للأديب مركزه الاجتماعي ؛ فهو قد يأتي ببيت شعر لنكتة ، وقد يأتي بقصة أو حادثة أو خبر ، يريد من وراء ذلك العبرة أو الزجر أو الوعظ والإرشاد .

فالأديب الألمعي ذلك الذي يستغل الظروف لإظهار ما عنده من الآراء والأفكار والغايات والأهداف .

والأديب الألمعي ذلك الذي خلق من شيء تافه أشياء كثيرة فيجمعها كما يريد ويبني من مادتها قصورًا وصروحًا .

ومن أحق من أبي العلاء بذلك ؟ . فرسالة الغفران حوت الشئ الكثير مما نعرف ، كما أنها حوت أشياء مما لا نعرفها ومالم نستطع العثور عليه ، على الرغم من وقوع حوادثها في العراق أو في البلاد الشرقية التي تتصل به .

إن السيدة المحترمة قد أجادت كل الإجادة في تحقيق النصوص ومع تقديم الشكر لها فإني أريد أن أعين القارئ على معرفة بعض ما ورد فيها من النصوص ، وبذلك أكون قد أعنت السيدة - إن أصبت بذلك - وأشركت القارئ فيما أشعر به .

أولا : إني وقفت عندما قرأت قصيدة عدي بن زيد العبادي الصادية في ( ص ٧١ ) فتذكرت ما يقوله التاريخ : إن عدي بن زيد العباد قد قرأ كتب العرب والفرس ( ١ وتذكرت أيضا قوله : إن العرب كانوا يسجلون الأحداث التي تقع عندهم ، إذ يذكر : وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالمًا مثبتًا عندهم في كنائسهم وأسفارهم ( ٢ ) .

فالقصيدة التى تحوي البيت الآتي :

أو من نسور حول موتى معًا

يا كان لحمًا من طري الفريص

أخذني إلى بومباي الهند حينما كنت أتاجر بالخيل فيها ، وكنت أمر بمكان مطل على البحر في جبل ( والي كيسر ) شيده المجوس لعرض جثث موتاهم إلى النسور ، وكان ذلك المكان يسمي بالإنجليزية ( أى برج السكون ، ثم عدت إلى ما نشرته في إحدى رسائلي فوجدت ما يأتي : ذكر الأستاذ برون في سياحته في بلاد الفرس أن ثمة ( في طهران ) برجًا أو ما يسمي في لغتهم ( داخمه ) ويطلق على ( داخمه ) اسمه برج السكون ، ثم يقول : ويقع برج السكون هذا في جنوبي مدينة طهران على إحدي ققم جبل ( كوهي - ببي - شهر - بانو ) وإن شهر بانو هذه هي ابنة يزدجرد الثالث الذي كتب له طالعة

أن يرى سقوط الانبراطورية بعينيه ، ثم يقول أيضًا : إن شهر بانو تزوجت من ( الحسين بن على ) فتوحد بذلك الدم الساساني ودم الأئمة الذين هم أقرباء النبي .

ويقال : إن ببي شهير بانو هربت إلى بلاد الفرس بعد وقوع كارثة آل علي ، وإنها اختفت في هذا المكان الذي احتفظ باسمها .

ويقال أيضًا : إن المكان الذي اختفت فيه يضم الآن ( مزارًا ) تحوطه معجزة لا تسمح للذكور أن يروه أو يصلوا إليه عدا النساء .

ثم إني عدت إلى السياحة نفسها فوجدته يذكر : أن في إيران في الوقت الحاضر خمسة أبراج للسكون ، واحد منها في طهران ، واثنان في برد ، واثنان في كرمان ، يستعملها المجوس لعرض جثث موتاهم إلى النسور وأنها تسمى ( داخمه ) (١) . إن ما تقدم يرينا ما عناه العبادي بقوله :

أو من نسور حول موتى معًا

يأكلن لحمًا من طرى الفريص

ومما لاشك فيه أنه قد كان في العراق أبراج كما في بلاد الفرس ، وأن وجود عظام مبعثرة في نوع من أنواع مقابر الفرس في العراق مما يجعلنا نعتقد أن تلك العظام المبعثرة هي بقية من بقايا آثار برج السكون أو ( داخمه ) .

ثانيا : رأيت في القصيدة التي عملها أبو بكر بن دريد في ص ٧٤ ما يأتي :

جيفر الوهاب أودي به    دهر على هدم المعالي حريص

وابن دريد أزدى وهو عربي ، ومن عادة العرب أن يذكروا مآثر أسلافهم ويخلدوها في بطون الكتب لتكون عبرة لمن يخلفهم .

وبما أن ابن دريد ذكرًا جيفرًا ، وأن أبا العلاء الذي زار العراق زمن سيادة البويهيين فيه نقل ذلك فإني أنقل من التاريخ ما ذكره فيهم .

يذكر التاريخ أن الأزد - وهم قوم ابن دريد - كانوا الأغلبين على عمان ؛ وفي سنة ثمان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا زيد الأنصاري وعمرو بن العاص السهمي إلي

عبيد وجيفر ابني الجلندي بكتاب منه يدعوهما فيه إلى الإسلام ( ١ ) .

وقد بقيت عائلة الجلندي هذه حتى زمن أبي بكر الأزدي ، إذ يذكر ياقوت أن الديكدان قلعة عظيمة على سيف البحر قريبة من جزيرة هرمة المقابلة لجزيرة قيس بن عميرة ، تعرف بقلعة بني عمارة وتنسب إلى الجندي .

ثم ينتقل ياقوت ما ذكره الإصطخري في بيوتات فارس ، حيث يقول : منهم آل عمارة يعرفون بآل الجلندي ، ولهم مملكة عريضة وضياع كثيرة على سيف البحر بفارس متاخمة لحد كرمان ، ويزعمون أن ملكهم هناك قبل موسى بن عمران عليه السلام ، وأن الذي قال أن تبارك وتعالى ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) هو الجلندي ، وهم قوم من أزد اليمن ( ٢ ) . .

ثالثا : عند ذكر البيت الوارد في ص ٣٩٦ وهو :

رأيت ربي بمشي بلالكة   في سوق محيي فكدت أنفطر

وكان التعليق ما يأتي : ما يزال قوله ( بلالكة ) غامضًا علينا رغم الذي بذلنا من جهد ، إلى آخر ما هنالك .

كان الدكتور مصطفي جواد قريبا مني حين قرأت البيت وما علق عليه ، فسألته عن الكلمة فأجاب حفظه الله فورًا : إنه نوع من الخفاف وقد نسب إلى صنعتها عالم متقدم ، وأشار على بمراجعة التاج .

فتحت التاج فوجدت فيه ما يأتي : واللكك نبات يصبغ به . واللكاء الجلود المصبوغة باللكك ، وجلد ملكوك مصبوغ باللكك ، واللكلوك بالضم هو اللولكك الذي يلبس في الرجل عامية .

ثم يقول : اللالكائي هو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري المحدث الشهور مؤلف كتاب السنة .

وبينما كان الدكتور يتصفح مختصر تاريخ الإسلام المذهبي قال : سبحان الله إن حسن النية تسوق صاحبها إلى النجاح ، إن في حوادث سنة ٥٣٦ من الكتاب هذا يوجد : أحمد بن

محور بن الحسين أبو الفائز ابن البزوري سمع محمد بن هبة الله اللالكائي وعنه أبو سعد السمعاني .

ثم خطر لي أن أعيد النظر في معجم الأدباء من أوله إلى آخره ، فلما شرعت في إعادته - وكانت النسخة التي عندي هي التي طبعت تحت إشراف الدكتور أحمد فريد الرفاعي - جمع الله موجة الحر في صيف ١٩٥١ التي كانت فوق المعدل ، كما يعبر بذلك علماء الأنواء الجوية ، وتلك الطبعة التى يطبق عليها المثل العامي البغدادي ( راد يكحلها عماها ) فسار الشغل شغلين والهم همين : اقتداء الفوائد من الكتاب أولًا وتصحيح ما فيه من الأغلاط حسب الإمكان ثانيًا .

لقد وجدت ذكرًا للخف هذا في معجم ياقوت في ثلاثة مواضع :

الأول : في اسم أحمد بن على أبي الحسن البني الكاتب الذي كان يكتب للغادر بالله عند مقامه بالبطيحة حين وصف قياس البني الكاتب قال : ثم ليس من بعد الدراعة وسلك في لبسه مذاهب الكتاب القدماء ، وكان يلبس الخفين والبطنة ويتمم العمة التفرية ، وإن لبس لاجة لم تكن إلا مربدية ( ١ ) .

والثاني : عند ذكر اسماعيل بن عباد الوزير حيث ذكر عادة الأعاجم حين يحضرون مجالس التعزية لكبارهم حفاة حسرًا ، ثم قال : فلما أراد القيام من المعزي بعد الثالث كان أول من أمر أن يقدم إليه اللكأ متوجهر بن قابوس ( ٢ ) .

والثالث : عند ذكر الحسن بن محمد المهلي الوزير في حادثة له مع أبي النجيب سداد بن ابراهيم الجزري ) لا كما ذكر الدكتور بأنه شداد ( : أن الوزير أخذ إلى أبي النجيب جبة وقميصًا وعمامة وسراويل . . وقال : فإن كنت غسلت التكة واللالكة فعرفني ( ٣ ) .

وقد رأيت في قاموس ريثاردسن أن لالك خف أو لالنفة . وإذا شاءت السيدة المحترمة الزيد من المعرفة لهذه الكلمة واستعمالها فإنها تجد ذلك في كتاب النشوار وكتاب الصابي .

رابعًا : إن التعليق الوارد في ( ص ٤٠٥ ) على عبارة ( ومن لك بزنج في ذكر ) لا تفي بما يريده أبو العلاء ، لأنه ذكر الفكر في معرض البحث في الزنادقة وعيادتهم وعقيدة التأله الموجودة في الغرائز ، كما قال في ( ص ٤٠٣ ) فتفسيرها بكلمة ( لعبة للزنج والحبش ) لا يلائم الموضوع ، وإنما هي رقص ديني للتعبد كما شاهدته عند الهنادكة في الهند .

كان رجل التحقيق الفذ الأب انستاس ماري الكرمل الحالي كتب بامضائه المستعار ( امكح ) في مجلة المقتطف مقالًا تحت عنوان ( عبادة الدكا كبر عند العرب ) قال فيه : إنها إكرام بعض العروض أو الأشياء المنحوتة والسجود لها والاعتقاد أنها آلهة ، وهي في أغلب الأحيان تشبه بعض المخلوقات الأرضية من نبات وحيوان .

ثم قال : وهي غير الوثنية ، لأن الوثنية هي عبادة الأصنام التى يعتقد عبادها أنها صورة الآلهة أو الآلهة قد حلت بها .

ثم قال : وقد سمي علماء الأفرنج هذه العبادة الغريبة باسم فانشيسم .

ثم قال : إلا أن العرب كانوا قد سبقوا الافرنج إلى معرفة هذه الديانة وملاحظتها في أهل الغرب ، وسموا هذه المعبودات ( الدكاكير ) ، ومن ذكرها عبيد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي في كتابه المسالك و . الخ ( ١ ) .

خامسًا : إن التعليق على شاباس الوارد في ( ص ٤٤١ ) غير جدير بأن يكون علميًا ، لأنه قد ذكر أن شاباسًا كان بالبصرة والبصرة في جنوبي العراق ، فالواجب العلمي يحتم البحث عن شاباس في المصادر العراقية إلا إذا فقدت تلك المصادر ، فحينئذ يجوز اللجوء إلى ابن حزم الأندلسي .

ذكر ابن الجوزي في كتابه النظم في حوادث سنة ٤٤٤ ما يأتي : فمن الحوادث فيها أن أبا الحسن على بن الحسين ابن محمود البغدادي المعروف بالشباس توفي بالبصرة ، وكان هذا الرجل هو وأبوه وعمه مستقرين فيها ومستوعبين بها ، وكانت الظنون تختلف في المذهب الذي يعتقدونه ، إلا أن الأولى في أنهم من الشيعة الإمامية والغلاة الباطنية أغلب ، وكانت لهم ثم نعم واسعة وأملاك كثيرة وشيعة من سواد البصرة

والقرامطة والبطون المتفرقة يسرون طاعتهم ، ومحملون إليه ما يجرونه مجري زكواتهم . .

وقد نقل ابن الجوزي من خط أبي الوفاء ابن عقيل شيئًا من استعماله الطيور لنقل الأخبار والحوادث تمويهًا على شيعته بأنه يعلم الغيب ، وأنه يعلم ما حدث في ديارهم . . ( ١ ) .

وذكره ياقوت في مادة الصيمرة فقال : جاءهم في حدود سنة ٤٥٠ رجل يقال له ابن الشباس ( يلاحظ غلط في الرقم لاختلافه عما ذكره ابن الجوزي ) فادعي عندهم أنه إله ، فاستخف عقولهم بترهات فانقادوا له وعبدوه ، وقد ذكرت من خبره جملة في كتاب المبدأ والمآل عند ذكر فرق الإسلام ( ٢ ) .

وبالختام فإن في إمكان السيدة المحترمة بعد أن أخرجت

النص الأصلي صحيحًا ، أن يجعل من هذه الطريقة الأدبية رسالة توجيهية تبنى دعائمها على الأدب العربي والخلق الإسلامي .

فمثلا ثقف عند الكلام الوارد في ص ٩٣ : إن الملوك يأنفون من تسمية نسائهم ، فتكتب ما شاءت بالنظر إلى ما يجري يومئذ .

وعند قوله في ص ٦٩ : وأهل الجنة أذكياء لا مخالطهم الأغبياء .

وعند قوله في شفاعة قريش الذين هم عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم الأقربون للخطيئة ، ودخوله الجنة لصدقه ، والصدق رأس الفضائل .

وعند قوله في عقوبة الزنديق ، وما كتب في الزندقة والزنادقة ، وكثير من ذلك .

اشترك في نشرتنا البريدية