لا تزال مصر الإسلامية وفية لمياسمها الأصيلة ومعالمها الخالدة ، حفية بأعيادها الدينية والقومية ، لا تفتر حكومة وشعباً عن بعث الأمجاد وتكريم الذكريات التى ترتبط بروح الجمهور والوطن .
وكان آخر هذه الذكريات المكرمة مولد السيدة زينب بنت الإمام والزهراء ، ففى إبان هذه الذكرى الغالية أخرجت الأديبة الدكتورة بنت الشاطئ كتابها " زينب بطلة كربلاء " وقد جعلته تحية لهذا الموسم الشعبى الحافل .
قالت المؤلفة فى مقدمة كتابها : " إنها لم تضعه تاريخاً بحثاً ولا قصة خالصة ، وإن أخذ مادته من التاريخ واصطنع الأسلوب القصصى فى العرض والأداء ، وإنما هو صورة للسيدة زينب بنت الزهراء التى كانت مشاركة فى صنع التاريخ الإسلامى بموقفها بعد الفجيعة فى كربلاء " .
وقد رأت المؤلفة الفاضلة أن لا نقتصر على ما رسم المؤرخون الموثوق بهم ، بل تمازج بين ما صوروا من حقيقة السيدة زينب وما أضاف " المنقبيون " من ظلال شبه أسطورية ، وكان يعز عليها - كما قالت - أن تهدر هذه الظلال أو تهون من شأنها ، لأنها عنصر فى صورة السيدة الخالدة ، فألفت بينها وبين ألوان من التاريخ لتجلو منها هذه الصورة .
فإذا مضينا فى استعراض الفكر والأداء فى هذا الكتاب تبين لنا أن ما جاء فى صميم الصورة الأصلية لا يتجاوز العشرين صفحة ، إذ امتلأ باستطراد لملمته المؤلفة ، وربطت بين أطرافه وحواشيه ربطاً واضحاً لتجسيم هذه الصورة تجسيماً يتجافى عنه فن القصة ولا يقره التاريخ ، غير عابثة بالحقائق العلمية التى لها حرمتها ، مهما أجاز المؤلف لنفسه
المداورة فيها وصبغها بالألوان التى تلائم الصورة وتستجيب لفحواها .
أما قول المؤلفة إنها أضافت إلى تصوير المؤرخين ظلالاً شبه أسطورية ، فهذا أمر عجب إذا فهمنا معنى الأسطورة بأنها خرافة ومحض اختلاق وتزويق ، وتاريخ آل البيت رضي الله عنهم براء منها ، لا يخفف من هذا المعنى أن يكون أشباهاً أو ظلالاً مهما كانت ، لأن شبه الشىء مثيله وظله منتسب إليه ، ولم يكن هذا من المؤلفة الفاضلة بصدد الأطوار النفسية أو تحليل الشعور والمزاج ، بل اصطنعته كما اصطنعه من قبل بعض الذين آثروا اتجاهاً خاصاً ؛ ويلحظ هذا قارئ الكتاب ، إذ يجد أن المؤلفة لم تأتنا بجديد فيه ، ولم يكن لها رأى أو استنباط فى أية نقطة من نقاط الموضوع ، بل مضت فى تأليفها على غرار المتحيزين إلى فئة دون أخرى ، فسردت كل ما من شأنه الغض من قوم والنيل منهم ، وحشدت كل ما يعزو إلى عائشة أم المؤمنين أسباب الفتن والمحن التى وقعت فى عهدها ، وقد عرفت المؤلفة الفاضلة بترديدها لكلمة البحث العلمى والمنهج فى التأليف ، فكيف لم تتخذهما هدى ومناراً فى هذه القضية التاريخية الخطيرة التى حان للعالم الإسلامى فى عصر التحقيق العلمى والاستقراء المجرد أن يخفف من تعنته وتحيزه فيها ؟ ومما يؤسف أن هذا الميراث الجدلى القديم فى شئون محفوفة بالشوك والويل ما يزال إلى اليوم موضوعات حية نافقة لمؤلفين شرقيين ومستشرقين ، سيحاسبهم عليها الجيل الجديد الذى ينشد البناء لا التحطيم والحقيقة المجردة لا الملق أو التمويه ؛ ولو أدرك هؤلاء المؤلفون المتورطون أنهم إنما يخدمون بصنعهم مصالح المستعمرين لكفوا أو خففوا من هذا الضرب فى التأليف .
ولقد مرت المؤلفة الفاضلة فى كتابها هذا بأمور كثيرة ينبغى الوقوف عندها والتثبت منها ، لكي لا تعد لدى ذوى السذاجة حقائق مقضية ، كما أكدت أن المستقر الأخير لبطلة كربلاء كان بمصر ، وهى تعلم أن المؤرخين والباحثين فى القديم والحديث قد اختلفوا فى هذا التحقيق ، فمنهم من يؤيد توكيد المؤلفة ومنهم من يعارضه .
ولم يخل الكتاب على اتساق عبارته ووضوحه وروعة حوادثه وألوانه من هنات فى اللغة ، مثل استعمال المؤلفة لفظ الابنة حيث لا يسوغ إلا لفظ البنت ، والظاهر أن قلمها يعاوده الحنين إلى توقيعها من قبل "ابنة الشاطئ " .
وقالت المؤرخون الثفاة " ص ١١ ، والصواب الثفات ، وفى ص ١٦ شجو وشجن وكلاهما بمعنى واحد ، وكررت كلمة برهة فى مثل قولها " ثم صمت برهة " و " فتأملها برهة " ص ٧٢ و ١٥١ . والصواب هنيهة أو لحظات .
وكذا لفظ " الحماس " ص ١٨ و ٦٦ . والأصح الحماسة حسب المعنى الوارد .
ومن أخطاء " فن القول " تكرار الإضافة فى مثل قول المؤلفة : " على إحياء ذكرى خطيئة الذين " ص ١٨٩.
وجاء فى ص ١٦٦ بلسان المؤلفة : " وتفتقد السيدة زينب فى المأتم الذى أقامه عبد الله بن جعفر لولديه فيخيل إلينا أنها أغفت مجهدة بعد أن الح عليها السهاد "، فكيف تخيلت المؤلفة هذا الإغفاء والسهاد فى الأم المتجوعة وأخت الشهيد الأكبر ، ومن حولها أهلها وذووها فى ندب وعويل ؟ وكان من العجب أن يخلو هذا الكتاب من أى أثر أوتصوير لأولاد زينب .
وفى ص ٥٢ جاء قولها : " وكانت السيدة يومئذ فى الخامسة والخمسين من عمرها غريبة متعبة مفجوعة ثكلى ، فكيف بها إبان الشباب قبل أن تأكلها السنون وتطحنها الأحزان " ثم تجد فى مكان آخر أن السيدة توفيت فى عنفوان الشباب . ويبدو هذا الاضطراب بشأن عمرها حين موتها ورحيلها من العراق والشام فى تضاعيف الكتاب .
وفى ١٨٩ حصرت المؤلفة وجود الشيعة فى العراق ، وهم منتشرون فى الأرض ، وفيهم أئمة العلم والتقوى من الداعين إلى ترك الجدل القديم والتحيز الطائفى المقيت ، إن كان
أكثرهم فى العجم " إيران " وفى العراق وسورية ولبنان .
وبعد فإن التنويه ببطولة السيدة زينب رضى الله عنها وبكرامة أمثالها من أمهات المؤمنين وأخوات الشهداء أمر يبعثه الشعور بالفضل والإنصاف ، وفيه تقدير للمزايا المثلى التى ما أوثبت مثلها كل أنثى من بلاغة وإيثار وبطولة وقداء ، ولأن كلا من هؤلاء الفضليات كان لها أثر مرموق وجيد فى دنيا العرب والإسلام ، وكن حجة التاريخ على الرجال .
ولقد عجبت أن رأيت مؤلفة "بطلة كربلاء " تعبر فى كتابها هذا عن إعجابها بواحدة ممن نوهت بفضلهن فى كتابى " أمهات المؤمنين وأخوات الشهداء " وفيهن زوجات الرسول عليه السلام وبفتاه فاطمة وزينب وبطلة كربلاء وبعض الصحابيات والمجاهدات . وما كنت فى تأليفى إلا كدأبى متجردة للحقيقة غير متحيزة ولا متزيدة ؛ غير أن الأخت الفاضلة السيدة بنت الشاطئ لم يرقها صنعى ورأيى ، فنقدته نقداً عنيفاً فى مجلة "الكتاب"(١ )بعد أن قرأته فى " الاهرام " وقد راعها قولى فى مقدمة كتابى : " لم تنجب مثلهن أمة من الأمم فى قديم الدهر وحديثه" (٢ )فكان من تعليقها فى نقدها منهكة مستهجنة : " وفى هذا غلو لا أرضاء للأخت ، وادعاء لا ترضاه الحقيقة العلمية التى لا ترى العبقرية وقفاً على أمة واحدة فى فترة واحدة تصاب الانسانية بعدها بالعقم وتبتلى بالإفلاس " .
" ونحن نحس عدوان هذه الفتنة الأمسية على اكثر ما روت الكاتبة من أحاديث هؤلاء الأمهات والأخوات ، فكل صحيفة من تاريخهن غراء محجلة " .
على أن الناقدة الفاضلة لم تطلع على الناس حتى اليوم بما يؤيد رأيها وبرد الحقائق التاريخية والنفسية التى توخيتها وأثبتها فى كتابى ، اللهم إلا صورة واحدة فى " ست البيت " التى نشرتها فى " الهلال" (٢ ) دحضا لكلامى ، إذ لم تجد أفضل منها مثلا أعلى امتيات اليوم بديلا من أمهات المؤمنين وأخوات الشهداء. ولعل القارئ المتتبع يذكر هذه الصورة التى نشرت دون تعليق أو استغراب .
ومما آخذتنى به قولها : " فمن خطأ النهج أن بدأت
الكاتبة تعالج موضوعها متأثرة برأى فيه ، وهذا يعطل حرية تفكيرها ويعوق نفاذها فى التحليل لشخصياتها المختارة ، ويحول بينها وبين الإنصاف للحق والتاريخ " .
فما بال الأخت الأديبة قد عطلت حرية تفكيرها وأهملت المنهج الذى تدعو إليه ، فجاءتنا بصورة ملمومة حشوها الاستطراد وملؤها المناقضة والتزويق ؛ لقد حرمت على بالأمس ما أحلت اليوم لنفسها ، وما كنت صادرة إلا عن نفسى
ووجهتى ، مخلصة للحق والفكر فيما صورت وأظهرت .
ومهما يكن الأمر فإن تصوير الدكتورة بنت الشاطئ حياة السيدة زينب بنت الإمام والزهراء اعتراف منها بالفضل والإحسان ، ومحمدة لها جديدة ، برجعتها إلى الحق والانصاف ، وإنها لجديرة بالثناء على جهدها واهتمامها بتكريم الذكريات .
(القاهرة )

