الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 690الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, شروق من الغرب، تأليف الدكتور زكي نجيب محمود

Share

هذا كتاب يجمع بين دفتيه مقالات دبجتها براعة الدكتور زكى نجيب محمود فى أوقات مختلفة نثر فيها نفسه وعقله ومجاميع من الأصداء العاطفية والذهنية انسكبت من دنيا الواقع المحسوس ، ولم تلبث أن تحولت إلى الفرطاس فكرا وفنا .

وانت لا تقرأ فيه حتى تتحول إليه ، فهو يستولى على من يقرأ بقوة إيمانه بما يكتب وقدرته على تحليل ما يقع له أيا كان ، فكل ما حولنا من مرئيات ومشاهدات صالح لأن يكون مادة لمقالة ممتازة فى التصوير والتعبير ، بل فى التفكير والتعقيل إن صح هذا التعبير .

فقد مضى على لغتنا أزمان كانت لغة صياغة ، وخرج أدبنا من شعر و نثر أدب شكل لا أدب مادة ، ليس له محتويات من المعانى ولا من امتداد الأفكار إلا ما يأتى عرضا فى بيت أو فى سطر ، ثم تعود آلية الصياغة تجرى كما كانت تجرى من قديم .

الصياغة ، الصياغة ، هذا هو موطن الداء من أدبنا ، إذ نرى أصحابه يجترون صيغا وعبارات محفوظة ، ألهتهم عن التفكير فى تجديد موضوعاته ، بل فى إحداث موضوعات له يطرقها الكتاب والشعراء . وبذلك بدا الأدب العربى كأنه أدب بدون موضوع ، فلا قصة ولا مسرحية ، ولا رسالة تدور فى عقلنا ، وإنما صحف من كتابات إنشائية يبدو من خلالها أحيانا بعض الوميض وبعض الأمل ، فيظهر الجاحظ ويظهر أبو العلاء ، ويظهر قليل غيرهما ، ولكن سرعان ما يسدل الستار ، ولا يعم الضوء أمام المتفرجين كأنهم في استراحة ؛ بل يعم الظلام ، ويطبق من كل الجوانب .

وتظهر للقامة فى هذه الثياب المهلهلة من الصياغة ، فلا تكون فيها قصة حقيقية لمجتمع ، ولا صورة لأفكار مركبة أو محللة ، وإنما تكون صورا من زخرف وزينة ، فالمهم هندسة العبارة الأنيقة ، لا هندسة العقول الدقيقة .

ويخيل إلى متصفح الأدب العربى أن الناس كانوا يعيشون على السطح ، سطح حياتهم وسطح نفوسهم وعقولهم ، فلا عمق ولا دراسة ، ولا فكرة في الحياة إلا ما يأتى نادرا ؛ كأنهم لا يعيشون في الدنيا ، أو كأنهم لا يشعرون أنهم يعيشون فى دنيا لها ضجيجها من الحركات والانفعالات والأحداث .

كأن الفرد لم يكن يشعر لنفسه بأهمية ، فلم يسجل نفسه ، ولم يسجل خواطره ، ولم يشعر أن عليه لقرائه حقوقا ، أن يبرز لهم عالم المرئيات من حوله وما يضطرب فى عقله وعقولهم من صدى لهذه المرئيات فى ألوانها المفرحة والمحزنة . كان أدبنا لفظا خالصا وصياغة خالصة ، فلم تنفجر فيه

هذه الينابيع الصافية أو الكدرة للنفس الإنسانية وما يتخلل ذلك من تحليل وتدقيق . ولم يعمل الأدباء من كتاب وشعراء عقولهم فى الحياة من حولهم واستخراج صورها الفاعلة فى الإنسان وفي مزاجه وروحه .

كل ذلك لأنهم لم يحاولوا أن يعيشوا فى عالم المعانى وما يتصل بها من تحليل وتعليل ، بل عاشوا فى عالم الألفاظ ، هذا العالم الذي أسدلت عليهم فيه الكلمات والصياغات حجابا مغلفا كثيفا لم يستطيعوا أن يتبينوا خلاله الأشياء ، بل لم يستطيعوا أن يتبينوا فيه أنفسهم وعقولهم .

وعمت الحيلة أو الخدعة جميع الكتاب والشعراء ، فقلما استطاع كاتب أو شاعر أن يفلت من شباكها ، كأنها كانت شباكا سحرية ، فالكل مشدوه ، والكل مشدود ، بل الكل يحاول أن يتعلق بخيط لامع من خيوط اللفظ والصيغة . وما زالوا بهذه الخيوط يلونون ويوشون بما يعرفون من زخرف البديع .

ولم يدر بخلد شاعر أو كاتب أن الحياة قد أسنت ، وأن البحيرة قد طفحت بالأعشاب والطحالب ، وأنه لا بد من تجديدها بإدخالها إلى نهر متدفق ، أو إدخال نهر متدفق عليها . وسرعان ما امتدت أيدى أدبائنا ومثقفينا المحدثين إلى النهر الغربى ، نهر الحضارة الأوربية ، فجاء النهر يتهادى ، وأقبلت عليه البحيرة نريد أن تجدد مياهها ، وأن تزيل ركودها .

ولم تلبث الطحالب والأعشاب أن توارت ، بل اختفت وماتت ، ومع ذلك فلا تزال بقية ، ولا يزال النهر يلم ببعضها ، وبعد عنه بعض آخر فلا يلمسه إلا لمسا خفيفا ، بل لا يكاد يلمسه في بعض الأحيان ؛ وأكبر الظن أن هذه النظرة هي التى جعلت الدكتور الفاضل زكي نجيب محمود يقول في مقدمة هذا الكتاب " فمن الغرب تمنيت لو أشرق على بلادى شعاع من نور - من الغرب الذى شاءت إرداة الله أن يكون في عصرنا مبث المدنية ومنارها ، فيه ينتج العلم والفلسفة والأدب والفن ، وتنشأ النظم الاجتماعية والسياسية ، وبين أهله تقوم الثورات التى تحطم أسوار القديم لتنبت في الأرض نباتا جديدا . أليست المدنية الإنسانية

تغمر العالم موجة في إثر موجة ، والموجات تارة يكون مسراها من هنا إلى هناك وطورا من هناك إلى هنا ؟ خرافة أن يقال فى الحضارة البشرية : شرق وغرب وشمال وجنوب .

والصدق أن يقال : إنسان العصر وحضارته أينما كان الإنسان على وجه الأرض وأيا ما كانت حضارته . إننى في ساعات حلمى ، حين أحلم لبلادى باليوم الذي اشتهيه لها ، فإنما أصورها لنفسي وقد كتبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون ، وارتدينا من الثياب ما يرتدون ، وأكلنا كما يأكلون ، لنفكر كما يفكرون ، وننظر إلى الدنيا بمثل ما ينظرون " .

وهذا الإيمان بالغرب هو الذى أملى على الدكتور زكى نجيب عنوان كتابه صادقا ، فهو يريد لنا وللشرق أن نتناول بأيدينا أقباسا من الغرب نضئ بها دنيانا ، ونكسح بها هذا الظلام المطبق الذى يغمر حياتنا العقلية ، أو قل يغمر حياة بعضنا دون بعض . وهو يرسل كلمته مدوية مزلزلة ، قد آمن بها في أعماقه ، وطبقها على صورة عقله .

ولا ريب فى أنه من خير الأمثلة التي تجعلنا نؤمن معه بالدعوة إلى الغرب لا للاندماج فيه ونسيان شخصياتنا الوطنية والدينية ، ولكن للانتفاع بثقافاته ودراساته وتأملاته وما سوى في عالم القصة والشعر والمقالة ، وما ابتدع فى عوالم الفن من تمثيل وموسيقى وتصوير .

ونقول إنه من خير الأمثلة لأنه يرينا فى هذا الكتاب " شروق من الغرب " أن كتابة المقالة ليست ألفاظا تصاغ ، وإنما هى معان تتجمع من هنا وهناك ، وتتجمع معها التقاطات ولفتات للمرئيات فى الواقع المحسوس وواقع الفكر والتأمل ، التقاطات والتفاتات تعرض علينا كل ما يصوره من جميع أطرافه ، وقد دأب أثناء ذلك عقل مثقف من طراز ممتاز على التحليل والتبسيط والتركيب والتعقيد . عقل اطلع على كثير من جوانب الفكر الفلسفي الأوربي في القديم والحديث ، وكثير من القصص وكثير من المقالات ، واستوعب ذلك كله ، فإذا هو يصبح في الطليعة من كتاب المقالة عندنا ، المقالة الجديدة التى نريدها ، ونريد لها أن تخرج من الحيز المحدود حيز اللفظ والصياغة إلى حيز الفكر والتحليل ، بل حيز الواقع المحسوس .

والواقع المحسوس عند الدكتور زكى نجيب محمود ليس إلا واقع نفسه ، يقول فى مقدمته لهذه المقالات الطريفة : " هذه صفحات كتبتها - إلا قليلا جدا منها - في الأعوام الثلاثة ١٩٥٠،١٩٤٩،١٩٤٨ وهى سنوات عصفت فيها العواصف بنفسى ، وتجهم الأفق أمام عينى ، ورأيت خريف عمرى يتساقط أمامى على الأرض أوراقا صفراء يابسة كنت أسمع لها خشخشة كأنها حشرجة المحتضر . ونظرت فإذا بقيتى - بعد جهاد طويل - حطبة جافة من ساق وفروع . تعرت عن الورق والزهر والثمر ، تعوى في ثناياها الريح عواء الأمعاء الجائعة ، وليس علي مرمى البصر منها إلا الباب . فخلخلت التراب حول الفروع والساق ، وحملتها تجاه الغرب إلى طرف ناء من الصحراء ، حتى إذا ما أغمضت الشمس جفنيها من غروب أشعلت النار في بقيتى - وبقيتى حطبة يابسة - فتراءت من بعد أمام عينى العشواءين ، كأنما هى الشمس قد عادت إلى الشروق ، لترسل من حر أنفاسها شعاعا جديدا قبل أن تعود إلي مهدها في ظلام الغيب " . هى صفحات واقعة فى هذه السنوات الثلاث إذا عرضت فى صور أو مقالات متتابعة ، وكأنها جميعها تؤلف منظرا واحدا من التشاؤم والكآبة . ولكن لا نظن حقا أنه إنما يصور حطبة جافة ، بل هي شجرة يانعة قد ارتوت من الثقافة الغربية ، وأينعت وازدهرت ثم أثمرت ، لا ثمرا متشائما حزينا ، بل ثمرا عقليا رصينا . فهو قائم على نفسه يحللها ويحلل صدى المرئيات والمقروءات فيها ؛ وما يلبث ذلك كله أن يسيل أشعة من الفكر الحر الطليق حتى من عقال تشاؤمه وكآبته . إذ نراه يضحك من الكآبة والتشاؤم ويسخر منهما ومن قسمة الحظوظ سخرية ترسم الابتسامة على شفتيك حينا ، وتدفعك إلى الحنو والشفقة حينا آخر .

وأنت لا تقرأ المقالة الأولى من هذا الكتاب حتى تجده قد اجتذبك إليه ، بل قد خدعك عن وقتك وجعلك تتشبث به وبأفكاره ، تريد أن ترى آخر ما عنده من سخرية بالحياة والأوضاع ، سخرية رشيقة إن صح هذا التعبير ، فهى سخرية العقل الواعى ، الحالم حينا ، ولكنه حلم زاه بالفكر .

وكل مقالة تشبه لوحة كاملة غنية بخطوط الفكر وألوان التحليل ، حتى في أبسط المناظر . وكأن الكاتب قد أخذ نفسه بمذهب معين في كتابته ، فهو لا يكتب عبارة حبا للفظة أو صيغة ، وإنما يكتب حبا فى إبراز المعانى ، ترهاتها وجليلها ، مستمدا فى ذلك من قدرة بديعة على الصياغة

وإن قيمة هذا الكتاب في أنه يخطو بالمقالة خطوة جديدة نحو العناية بالفكرة ، وأن تكون نسيجا عقليا قبل أن تكون نسيجا لفظيا ، وأن يكون حشوها الواقع المحسوس ، وأن تذوب فى هذا الواقع ذوبانا ، فإذا هي فصل حقيقى من قصة حياة الكاتب ، وحياة أمته فى العصر الذى يعيش فيه قد ملأه بتحليله وتأملاته وإن لأهنئ الدكتور زكى نجيب محمود بهذه الفصول الخصبة الممتعة التى تمثل لنا لحظات حية من ذهنه وعقله وبصره ووعيه

اشترك في نشرتنا البريدية