هذا كتاب من نوادر الكتب العربية وأكثرها شأنا ، أما موضوعه فلطيف ممتع ، وأما مؤلفه فعظيم جليل ، وقد كان المستشرق بيتروف Petrof الأستاذ في جامعة بطرسبرغ قد نشر هذا الكتاب عام ١٩١٤ ه . حققه عن نسخة وحيدة وجدها في خزانة جامعة ليدن ، وقدم له مقدمة مفيدة عن ابن حزم والحب ، وهي مقدمة لم ينظر إليها الأستاذ سعيد الأفغاني يوم أصدر كتابه عن ابن حزم ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ، للملك جاء ما كتبه عن ابن حزم والحب قليل العمق ضيق الحدود . ثم طبع هذا الكتاب طبعة ثانية بدمشق ، إذ نشرته مكتبة عرفة ، وقدم له الأستاذ الجليل محمد اليزم ، وقد حاول الناشر تصحيح ما فات المستشرق تصحيحه . على أنه كان أميناً ، إذ ذكر أنه نشر الكتاب على طبعة المستشرق ، بل إنه نقل فقرات من مقدمة الأستاذ بيتروف تتعلق بالمؤلف وبالكتاب جعلها في صدر الكتاب .
فلا شك أن بيتروف كان له فضل السبق في إخراج هذه الجوهرة الغالية وعرضها على الناس ، وكان له فضل السبق أيضا في تصحيح الكتاب على قدر ما استطاع .
واليوم تطلع علينا طبعة ثالثة لهذا الكتاب ، وقد كان الكتاب جديراً بطبعة جديدة ، لأن طبعة ليدن نادرة ، وقد يصعب اقتناؤها ، وطبعة دمشق نفدت أو كادت تنفد ، لذلك فإن إحياء الكتاب بطبعه عمل بشكر عليه من فكر فيه .
إلا أن كتاباً كهذا له شأنه وخطره ، كان ينبغي أن يعني به عناية كبرى ، فلقد نشرته مكتبة مصطفى محمد بتحقيق الأديب الشاعر الأستاذ الصيرفي ، وقدم له الأستاذ
الأبياري ، والأستاذان معروفان ، ويبدو أن هذه الطبعة الجديدة هي طبعة تجارية لا علمية ، وعلى هذا يبقى الفضل لبيتروف أيضاً .
وما دمت قد ذكرت أن هذه الطبيعة تجارية ، فليس لي ان اطلب من الأستاذ الصيرفي ما يطلب من ناشر الكتاب على نهج علمى بحث ، ولكني لا استطيع إلا أن أسأل الأستاذ عن الأصل الذي نشر الكتاب عنه ، أهو الأصل الموجود في ليدن ؟ وإذا كان ذلك كذلك أفلا يكون من تمام الأمانة الإشارة إليه ، وذكر الجهود التي بذلها ناشره ؟ إن من الصعب جدا ان نعيد طبع كتاب طبعه غيرنا وبذل فيه جهداً ، ثم نتناساه أو نتجاهله وننكر أن يكون قد سبقنا إلى طبعه .
ولقد وجدت تصحيحات مأخوذة عن طبعة دمشق ، أفيكون الاستاذ الصيرفي قد أخذها عن طبعة دمشق حقا . فلم يشر إلى ذلك ، أم أنه اهتدى إليها وحده ؟
وقد يلام الأستاذ الأبياري علي تشجيع نشرات بنهج كهذا ، وهو الذي ينشر تراث الاقدمين نشراً علمياً . ولو أن الكتاب كان غير طوق الحمامة لما ساق اللوم إليه أحد .
وقد جاء في مقدمة الأستاذ الأبياري أمور تحتاج إلى توضيح وتصحيح ؟ فقد قال : " . . فهو من أرومة مشرقية أول نازح منها إلى الأندلس ( خلف ) ، ولم تكن ليلة التي في غربي الأندلس والتي اتخذها الآباء موطنهم مقام خلف الأول فيما نظن ، ولا تسعفنا المصادر بشئ مجمل أو مفصل عن تلك الأيام في حياة الجد النازح ، ولا تكاد نفس من تنشئة ابن حزم وأبيه أبي عمر أحمد أن الأسرة
( البقية على الصفحة التالية )
كانت على إرث من علم وآخر من تباعة . ."
أما ظن الأستاذ الأبياري ، فلا يستند إلى دليل . أما المصادر فقد تحدثت بأمور مجملة عن حياة آباء ابن حزم واجداده . وهي مصادر غربية ليست عربية ؟ وما أدري إن كان الأستاذ الأبباري قصد بالمصادر العربية منها أم العربية والغربية معا ، فلقد فصل دوزى Dozy في كتابه : " تاريخ مسلمي الأندلس " (١) Histoire des Maiuimans Eepagne طرفاً من سيرة أجداده ، وذكر كيف كان حزم نفسه نصرانياً ثم أسلم ، ودوزي يحمل لصرانية أحد اجداد ابن حزم شأنًا . ويرى فيها سبباً من أسباب نبوغه وجرأته . في حين يجعل الأستاذ الأبياري أصله الفارسي البعيد سببأ في نقده الحر الجريء . . وهذا أمر جدير ببحث أكثر سعة ، وكذلك نجد من الأخبار عنهم في كتاب " أسبانية الإسلامية " للأستاذ ليفي بروفنسال
وفي مقالات اسين بلاسيوس عن ابن حزم .
وأمر آخر ورد في مقدمة الأستاذ الأبياري قوله : إن الدكتور طه حسين بك عقد مقالاً قايس فيه بين ابن حزم وبين " مشدال الإيطالى " وإن المقال نشر في الكاتب المصري ( المجلد الثاني العدد الخامس ) . وقد عجبت أن يكون الدكتور طه قال : إن ستندال كان إيطالياً ، فرجعت إلى مقال الدكتور طه حسين فوجدته يقول بعد أن يذكر ابن حزم : " . . وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي " ص ٥ . والأغلب أن هؤلاء وأولئك قد تشابهوا على الأستاذ الأبياري .
ولعل الأستاذين الصيرفي والأبياري يريان معي أنه آن لنا أن نبدأ بالابتعاد عن النشرات التجارية ، وجعل هذا التراث لعبة في أيدي الوراقين ، وانه آن لنا أن ننشر تراثنا بدقة وعناية وتمحيص لأن الخير كله لن يكون إلا في هذه الطريق .
( دمشق )

