الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 648الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, على نقد الهوامل والشوامل

Share

لم يدهشني شئ قط ما أدهشني نقد كتاب " الهوامل والشوامل " للأستاذ الجليل عبد السلام محمد هارون . وما سررت بشيء قط ما سررت به ، فقد أكب الأستاذ عليه إكباب الحريص حتى بلغ الغاية ، وحتي تركي حائرا بين تقديري لفضله وشكري لإحسانه . وهو أهل الفضل والإحسان إن شاء الله . وقد بدا لي أن أسكت عن هذا النقد الضخم ، فقد نظرت فيه كأنى غريب عن الكتاب وكأني لم اشترك في نشره . ولولا آخر كلمة قالها الأستاذ : " لم يعد النقد الأدبي كما كان بالأمس تجريحا وتشهيرا بالمنقود ، بل آن أن نصطنع الجد فيما يمس أقدار الأدباء وكرامتهم العلمية ، فإن المثار أمر يعرض للأدباء جميعا ، لا يرتاب في ذلك إلا مغتر ، أو ذاهب العقل ، أو متهافت النفس " وهذا كلام حسن معجب ، حملني علي أن أنصف الكتاب المنقود ، فإن له من القدر والكرامة ما للأدباء الذين تولوا نشره .

ذكر الأستاذ في كلمته ثمانية وثلاثين مأخذا ، وأحببت أن أصنفها حتي لا تضيع الفائدة التي ابتغاها أستاذنا في تصحيح النص المنشور .

بيد أني وجدت من هذا العدد الضخم أيضا ثمانية مآخذ تمحضت للخطأ المطبعي بلاشك . يدل عليها أدنى النظر ، والإطالة بتكرارها عنت على القارئ وإضاعة لوفته وهي رقم ١٦ ، ٢٣ ، ٢٦ ، ٢٨ ، ٣٢ ، ٣٣ ، ٣٤ ، ٣٥  وأحد عشر مأخذا هي رقم ٧ ، ٨ ، ١٣ ، ٢٤  وهما شئ واحد في الحقيقة ) ، ١٤ ، ٢٢ ، ٢٥ ، ٢٧ ، ٣١ ، ٣٦ ، ٣٧  وهي - إن شئت - مآخذ حق وإن كان لبعضها وجه واسع في التأويل .

ووجدت ستة مآخذ عجل إليها الأستاذ واقترح تصحيحها وكان الخطأ في غير ما عجل إليه ، وكان الصواب في غير ما اقترح ، وهي :

٣-٥:٢٤ " والأصوات المستكرهة التى ليس لها قبول في النفس كثيرة ، ولاعناية للناس بها فتؤلف . وإنما تجدها مفردة بالاتفاق كصرير الباب ، وصوت الصقر إذا جرده الصقار ، وما أشبههما ، فإن النفس تتغير من هذه فتقشعر ، وربما قام له شعر البدن ، وحدث بالنفس منه دوار حتي ينكر الإنسان حاله ، وهو معروف بين " . نقلنا هذه الجملة بتمامها وإن كان الأستاذ قد اختصرها في مقاله عند : " كصرير الباب " .

اقترح الأستاذ أن يكون صوابها " فتؤلف" ومسكوبه ثم يرد مثل هذا قط ، والعبارة ليست من تأليف الأصوات المستكرهة أو إفرادها في شئ ولامعنى لأن تكون الأصوات المستكرهة مؤلفة أو مفردة باتفاق أو بغير اتفاق ! وصواب العبارة " وإنما تجدها مقززة بالاتفاق . . فإن النفس تتغير من هذه فتقشعر ، وهكذا يستقيم الكلام ويعتدل ما أعوج منه يقول مسكوبه : إن الألفاظ المستكرهة بعيدة عن أن تجد من الدواعي ما يجعل بعض النفوس تألفها ، بل هي مقززة باتفاق الناس جميعا فلذلك يستحيل على النفوس أن تألفها كما يألف الإنسان أحيانا شيئا يكرهه .

١٢ - ٦٠ : ٣ " فإنهم رضي الله عنهم ما أسفوا ولا بخلوا" ، اقترح الأستاذ أن يجعلها وما أشفوا" أي ما نقصوا "  والصواب عندنا " أسفوا " من الإسفاف ، مجاز من قولهم أسف الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه ، ومنه حديث على " ولكنى أسففت إذ أسفوا " .

١٥-٨٤ : ٥ " وما حد الظلم أولا فإن المتكلمين ينفكون في هذه الواضع كثيرا " جاء في الحاشية : "استعمل ينفك هنا في موضع انطلق وأفاض" وأراد الناقد أن

يفسرها بمعنى يختلفون ، وتلمس لذلك أقوالا اعتسفها من كتب التفسير ، والصواب : " يتفككون أي يضطربون ، قال الزمخشري : " وفي مشيه وكلامه تفكك : أي اضطراب . كالشئ ينفك بعضه من بعض ، وفلان متفكك إذا لم يتماسك من حمق " وصدق ، فهذا هو صوابها .

١٩-١٢٧ : ٦ " إن النفس تري عند غيبة المرئيات ما تراه في حضورها ، وذلك بحصول صورها في الحاس المشترك ، وهذه حال يجدها الإنسان من نفسه ضرورة لا يمكنه أن يدفعني عنها " واقترح الأستاذ أن يقحم " واوا " وان يستدعي لفظا لتكون العبارة " وضرورة لا يمكنه أن يستغني عنها " والعبارة كما جاءت في المخطوط والمطبوع لا يستقيم بها الكلام كما رأي الأستاذ ، واقتراحه يزيد الكلام بعدا عن الاستقامة ؛ ويلوي وجهه عما أراد مسكوبه إذ قال على أثر ما نقلناه : " وإلا فمن أين لنا صورة بغداد وخراسان ، والبلاد التي شاهدناها مرة ، ثم منازلنا بها وصور أصدقائنا فيها ، وجميع ما تتذكره منذ الصبا لولا حصول هذه الصورة في الحاس المشترك " . وهذا الاستفهام : " وإلا فمن أين . . الخ " يدل على أن مسكوبه في مقام حجاج يرد قولا على أبي حيان ؛ فصواب العبارة بلا ريب : " وهذه حال يجدها الإنسان من نفسه ضرورة لا يمكنك أن تدفعي عنها وإلا فمن أين . . الخ ." وهذا بين غاية البيان ، وفي بقية جواب مسكوبه ما يدل على أنه قد ضاق صدره بلدد أبي حيان وجداله .

٢١-١٦٠ :٨ " فإذا تباعد المزاج حتى يكون منه الفيار والدور والجعل والدباب نفر منه الإنسان وتكرهه" وحرص الأستاذ حرصا على أن يكون صوابها : " والنــبار : يعني القراد ، وليس كذلك ، بل هي : " الفار "كما في المخطوط . قال أبو عثمان الجاحظ في كتاب "الحيوان" الذي تولي شره الأستاذ الناقد ٥ / ٢٥٦ : " وبين الفار وبين طباع كثير من الناس منافرة ، حتى إن بعضهم لو وطئ على ثعبان أو رمي بتعبان - لكان الذي يدخله من المكروه والوحشة والفزع أيسر مما يدخله فمن القارة لو رمي بها أو وطئ عليها" .

وهذا هو الصواب المتعين إن شاء الله ! أليس كذلك ؟ !

٣٠-٣٠٥ : ٥ " فإنما يدرك المبصر بآلة ذات طبقات ورطوبات وقصبة مجوفة ذاتية من بطن الدماغ " واقترح أن يكون صوابها " دانية" وقد أصاب فيما اقترح " إلا أن " قصبة " خطأ والصواب . " عصبة"

فهذه المآخذ الستة التي لم يوفق الأستاذ فيما اقترح من تصويب خمسة منها وسقط علينا أن نقيدها في قائمة الخطأ والصواب التي ذكرها الأستاذ في نقده كالضيق بها والمستنكر لها حين ذكرها !

بقيت واحدة هي رقم ١٨-١٢٠ : " وفي مثل للعامة فلان مقدد العرس " كتابة عن البخيل . قال الأستاذ "إن العبارة تنطق بالتحريف" ولا ندري كيف نطقت له بالتحريف فهو من أمثال العامة أولا ، وهو قديم جدا ثانيا كيف يتاح لنا نحن المحدثين أن نزعم لأنفسنا علم لغة العامة قديما ولم تأتنا في كتاب ، فمن التحكم أن نقطع بتحريف شئ لا علم لنا به ؟ هذا على أن معنى العرس في اللغة ، هي : امرأة الرجل ، والتقديد في اللغة أيضا : تمليح اللحم وتجفيفه في الشمس ، كأن العامة أرادوا أن البخيل يقتر على امرأته حتى يجف عودها وتصير كاللحم القديد ، وما كان له هذا المخرج في اللغة فلا يقال عنه إنه ناطق بالتحريف .

وهناك مأخذان آخران ، متشابهان ، وهما رقم (١) فاتحة النقد و ٣٨ خاتمة النقد . الأول ص ٧ وهذه الألفاظ الخمسة " وكانت في الأصل : " الخمس " والثاني ص ٣٤٢ " لأن هذه الأشياء الأربعة " وكانت في الأصل : " الأربعة الأشياء " فمعدل فيما عن الأصل ، والعدول عن الأصل في ذاته لا يوجب أن يكون الأصل خطأ ، وقد عدل في الأولى عن الأصل لأن مسكوبه درج على عكس العدد مع المعدود إذا تأخر المعدود من الثلاثة إلى التسعة في أكثر من ثلاثين موضعا منها : ص ١٥٩،١٠٣،٨٢، ١٦٨ ، ٢٥٠،١٨٨،١٧١ ،٢٥٧ . وهذا وحده دليل على أن مسكوبه لم يكن يستعمل تلك القاعدة العزيزة التى أهداها إلينا الأستاذ من باب العدد في حاشبة الصبان على الأشموني !

وبقيت عشرة مآخذ كلها صواب ، ولكن الأستاذ أبي إلا أن يوسع على نفسه ، فتبحيح ماشاء حتى بعدها أخطاء !

(٢) ٧:٢٢ " مثال ذلك مزمار فيه ثقب متى أطلق الإنسان فيه الفن وخرق موضعا بإصبع إصبع اختلفت الأصوات في السمع حسب قربه وبعده " قال الأستاذ : " وإن في العبارة نقصا ، والوجه موضعا موضعا ، ولو صح هذا لكانت عربية العبارة تقتضي أن يقول " بحسب قرب الموضع وبعده " أو " بحسب قربها وحدها "، وهذا بين ما لم نستنكره شاذ النحو من باب الضمائر، والأصل هو الصواب .

( ٤) ٢٤ - " حتى إنك لا تجد على أديمها إلا متلقنا إلى فانها حزينا ، أو هائما علي حاضرها مفتونا ، أو متمنيا لها في المستقبل معني " قال الأستاذ : " في هذه العبارة أخطاء وإعمال ضبط يؤدي إلي لبس " .

أراد أن يكون سواب " فانيها " فاتنها " وهي قراءة جائزة في العربية كما يقول أصحاب القراءات ، إلا أن الأولى صحيحة المعنى مطابقة للأصل الواضح ، فهم يقولون مثلا قد كان فيما فنى من عمري ، أو ما فنى من أيامي ، يريدون مضي وفات ، وهو مجاز كثير .

وأما قوله : إن المزاوجة تقتضي أن يكون الصواب " أو متيما بها في الستقبل معني" فهو رأي لو كان له قران ، ولم نجد أحدا يقول : فلان متيم بالدنيا في المستقبل ، فهو كلام عندئذ ملفق ، وأخشى أن يكون لا معنى له ، وسياقة حديث أبي حيان يدل على أنه أراد أن كل إنسان يتمنى أن تكون له الدنيا في المستقبل ، ويعينه هذا التمنى الطويل لشئ ، لا يدري أيكون أم لا يكون .

أما إهمال ضبط " معني " فالوضع غير ملتبس هنا بواحد المعاني كما يتوهم ، ومثل هذا الإهمال لو التمسناه في كتاب كالحيوان مثلا ٣ / ١٢٠ لراينا ثمية هذين البيتين :

إذا يجف تراها بلتها ديم

                     من كوكب يزل بالمساء سجام              

لم يرعها أحد واربتها زمنا

                       فأو من الأرض محفوف بأعلام

ضبطت فيما ألفاظ لا تحتاج إلى ضبط أصلا . وبقيت " بزل " و " اربتها " بلا ضبط ولا شرح ولا تعليق مع

أن ناشر الكتاب صحح ويرعنها " مرتين ، الأولى في آخر الجزء والأخري في الاستدراكات في آخر الجزء السابع ، ثم لم يعرض له أن يضبط هذين الحرفين فأين هذان مع خفاء معناهما من الأخرى وهي واضحة المعنى غير ملتبسة .

(٥) ٢٦ "وقد عرض لك فيها عارض من العجب ، وسامح من النية ، فخطرت خطران الفحل . ومشيت العرضنة . ومررت في خيلائك ، ومضيت على غلواتك ، حتى أشفقت أن تعثر في فضل خطايك" ، أراد الأستاذ أن يكون الصواب : " في فضل خطامك" لما جاء من ذكر الفحل والعرضنة ، وهذا وهم شديد ، فإن "خطرت" ، التي أسند فيها الفعل إلي أبي حيان ليست من معي خطران الفحل بذنبه من النشاط ، بل العبارة دالة على التشبيه وإن اتفق اللفظ ، كما يقال طغي الرجل طغبان السيل ، قطغيان الرجل من غير جنس طغيان السيل . ومعنى خطرت : اختلت وتبخترت في كلامك ، ثم انقطع التشبيه عند قوله " العرضنة " وعطف " ومررت في خيلائك " على " فخطرت" هذه بهذا المغني ، ومضي في كلامه الاول عن العجب والنية والحيلاء والغلواء ، فلا معنى للذكر الخطام بعد.

ولكن لعل كلمة "الخطاب "في أشكلت على الناقد ، فصرفه هذا إلي تخيل التصحيف فيها فجعلها "خطامك" وإنما أراد مسكوبة بالخطاب : المحاورة والمجادلة والحجاج الذي استغرق في سؤال أبي حيان اكثر من ثلاثين سطرا ، هي بعض ما رواه لنا مسكوبه ، كما صرح بذلك في آخر السؤال ، والخطاب بهذا المعنى هو الذي فسر به كثير من المفسرين قوله تعالى : (واتيناه الحكمة وفصل الخطاب) وقوله : ( وعزني في الخطاب ) .

(٦) ٣٣ - ١٧ وجرؤ مقدمه " أحب أن تكون (مقدمه) بضم الميم مصدرا ميميا من " أقدم " . ولكن قالت العرب : " قدم فلان على الأمر : إذا أقدم عليه" ومصدرها ال الميمي " مقدم " بفتح الميم بلا شك .

(٩) ٤٧ (لم حمق الشاب إذا تشايخ وأخذ نفسه بالزماتة والمتانة" ، وتمني الأستاذ أن يكون صوابها :

"والمتألة"  لأن المتأنة ليست من صفات الشيوخ ، ولو أرادها فقال مصرحا : متانة الخلق ؛ فليس من المألوف أن يقال : شيخ ذو متانة ، وإنما يقال : ذو تأله : أي ذو تنسك وعبادة ، وهي من أخص خصائص الشيوخ "! هكذا قال!! . ويقول قدامة الكاتب في (جواهر الألفاظ) في باب " الرزانة والوقار وجميل الصفات" :" ما أحلمه وأوقره وأقوي متانته " . وأظنها هاهنا بينة لا تصلح لأن تكون " ما أقوي تألهه " !!! .

والمتانة كما يقول أصحاب اللغة : الشدة والقوة والاقتدار ومن البين أن أبا حيان أراد بالمتانة هنا : إظهار القوة والجلد ، والركانة والتمكن ووقار النفس والجوارح . ولذلك أعقب هذه الجملة المنقولة بقوله : " واثر الجد . واقشعر من الهزل ، ونبا عن الخني ، وسدد طرفه في مشيه . وجمع عطفه في قعوده ، وشقق في لفظه وحدق في لحظه" وهذه صفات الجلد الركين لا صفات الناسك المتألة .

(١٠) ٥٦ "هيهات هيهات ! اشتد اللغط ، وكثر الغلط ، ورجع كل إلى الشطط ، وفات الله الفهم والفاهم والوهم والواهم " .

وعرض له عارض في تصويب العبارة ، لكي يعد فيها أربعة أخطاء ، فجعلها : " وفات والله الفهم الفاهم ، والوهم الواهم " .

وهذا تحريف للنص ، وتحريف للمعنى .

كان من حق أبي حيان على الناقد أن يأخذ بأول كلامه منذ قال في ص ٥٥ "وعلى ذكر الله تعالى : بم يحيط العلم من المشار إليه باختلاف الإشارات والعبارات ؟ ... فإن كان منعوتا ينبعث فقد حصره الناعت بالنعت ، وإن كان غير منعوت فقد استباحه الجهل ، وزاحمه المقدوم ، ولابد من الإثبات إذا استحال النفى ، وإذا وقف الإثبات والنفي على المثبت النافي - فقد سبق إذا كل إثبات ونفي ؛ فإن كان سابقا كل هذه الألفاظ ، وجميع هذه الأغراض ، فما نصيب العارف ؛ وما يقية ما ظفر به الموحد ؛ هيات هيات . . الخ .

وبديهي أن الضمير في قوله : "سبق ، فإن كان سابقا " لله تباركت وتقدست أسماؤه وليس بين " سبق " و " فات " في المعنى كبير فرق ، وأراد أبو حيان بهما جميعا نفى إدراك الخلق لله تعالي والإحاطة به ، وإن جاء بلفظ مثبت غير منفي ، فهو إذا مشتق من قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) تأول قول الله ( لا تدركه ) فجعله سبق وفات الألفاظ . أي لا تدركه الألماط ولا تحيط به . وفات الفهم والفاهم والوهم والواهم ، أي لا يدركه سبحانه جل جلاله فهم ولا فاهم ، ولا وهم ولا واهم ، وهو كقول على رضوان الله عليه : لا تقع الأوهام له على صفة ، وقوله ايضا : " امتنع على عين البصير فلا عين من لم يره تنكره ، ولا قلب من أثبته ببصره ، سبق في العلو ، ولا شئ أعلى منه " .

١١-١٦:٥٩ " المقدمات التى قدمت له ومـهدت لأجله" أراد الأستاذ أن يجعلها قدمت ومهدت " بالبناء للمعلوم . وضبطها بالبناء للمجهول صواب كما نص عليه صاحب اللسان وغيره ، يعنون أنها تقدم بين يدي الكلام كالفاتحة له .

١٧-٤٤ " المساويء " قال الأستاذ " الصواب " المساوي " بالتخفيف " كأنه إلزام ، والتخفيف ليس لازما ، وإن كان كثر استعمالهم له مخففا .

٢٠-١٤٣ " ثم سار الحصيف المتمكن واللبيب المبرز يشاور فيأتي بالفلق والداهية حتى يدع الشعر مشفوقا والغيث مرهوفا ، فإذا انفرد بشأنه وانتصر لنفسه ، وتعقب غاية منافعه عاد كسراب بقيعة لا يحلى ولا يمر" وجعل صواب العبارة " حتى يدع السر مشقوقا والمغيب مرموقا ، فإذا انفرد بشأنه ، وانتصب لنفسه" الخ .

وسياق الكلام يدل على أن أبا حيان لم يرد المعنى الذي ارتآء الأستاذ في استشفاف المغيب ، ومعرفة العواقب المستورة ، ولو أراده لذهب الكلام يضرب بعضه في وجوه بعض ، على أن فيه أيضا كلمة تحرسه من سئ التحريف ، وهي قوله : " وتعقب غاية منافعه" فهي صريحة الدلالة على معنى التصرف في طلب المنافع واكتسابها من وجوهها بالحيلة والتأني

والرفق . فمعني قول أبي حيان : إن هذا اللبيب الخصيف يأتي مستشيره بما يذهل من حسن احتياله ورفقه حتى يشق له الشعرة وهي لا تشق ، ويبغض إليه العبث وهو غير بغيض . يرد أن يسيل لمستثيره الصعب وإن استحال كاستحالة شق الشعرة ، ويكره إليه الشئ الذي يعجبه إعجابا يعميه عما فيه من المضرة ، قرب أمر حسبه الرجل خيرا وهو شر ، ومجلبة للتلف .

أما " انتصر لنفسه " فهي صحيحة فصيحة لاتعاب ، والانتصار والاستنصار طلب النصر .

٢٩ - ص ٢٩٠ المسمى " بانيران " وليس فيما كتبناه خطأ إلا أن الباء لم تخرج خارج القوس كما أراد الأستاذ : " أنيران " .

قلت : إني لم أسر بشيء قط ما سررت بهذا النقد ، فهذه الكلمة تأويل سروري . أما دهشتي فلها أسرار أخر ، فإني ظللت التمس في هذا النقد مأخذا واحدا يردع ما عراني حين قرأت في البيان والتبيين ٤ / ٧٣ "اعلم أن جماع الخير كله الحياء ، فعليك به . فتواضع في نفسك ، وانخدع في مالك ، واعلم أن السكوت عن الأمر الذي يعنيك خير من الكلام ، فإذا اضطررت إليه فتحر الصدق والإيجاز ، تسلم إن شاء الله تعالى " وما أبلغها من عظة ! وقد شرح الناشر قوله انخدع في مالك " شرحا عجأ ، إذ يقول : " الانخداع : الدخول ، يقال انخدع الضب : إذا شم ريح الإنسان فدخل في جحره" .!!

أجل ، ولكي لم أجد في ذلك النقد الضخم ما يردني ، وحسبى أن أروي للقارىء انه قيل لعرابة الأوسى : " بم سدت قومك ؟ فقال : بأربع : أنخدع لهم من مالي ، وأدل لهم في عرضي ، ولا أحقر صغيرهم . ولا أحسد رفيعهم . ولله دره ، ما أعلمه يخلق الأشراف والسادة ، ويقول الفرزدق :

لا خير في خب من توجي فواضله

                            فاستمطروا من قريش كل منخدع

كأن فيه إذا حاولته بلها

                            عن ماله . وهو وافي العقل والورع

أما ما بلغ بى غاية الدهشة ، فهو أني رأيت الأستاذ استفتح نقده بالحض على التمسك بآداب النقد ، والنهي عن مخالفتها إلى ما لا يليق بالنقاد ، ثم ختم كلامه أيضا جظة أخرى تحرضهم إلى السمو بالنقد عن مبتذل الهجاء . وهذا ليس يدهش في ذات نفسه . بل المدهش أن يكتب لغير مناسبة ظاهرة ! ناقد يدعو الدكتور أحمد أمين بك إلى نقد كتاب تولي نشره ، فلا يقصر كلامه على نقد الكتاب ، بل يبدأ كلامه ويختمه بعظات يؤدب بها جمهرة النقاد أدبا يدعوهم إلى اتباعه " منذ اليوم" أو كما قال .

وثانية : أخطاء مطبعية يكاد السطر والسطران والثلاثة ، والأربعة إن شئت ، يكفي بعضها في الإحاطة بها ، ورد ما طار من صوابها ، فإذا هي لا يكفيها أحيانا أقل من ثلاثين سطرا شاكية السلاح لكي ترد" سكثجينا " إلى "سكنجسينا " ياء ساقطة ؛ لم أر قط أعجب من ياء ساقطة تحتاج إلى كل هذا المدد ، وكل هذا المداد ، وكل هذا الصبر على تسطير الكلام !.

وثالثة : دروس في الصرف والنحو ، ولكنها تأتي في غير موضع حاجة إلى عزيز النحو وشارده !.

ورابعة اخري : أحد عشر مأخذا يرجى لبعضها وجوه من التأويل فيما وسع الله علينا من اللغة ، فتظل تتضخم وتطول حتى تبلغ ثمانية وثلاثين مأخذا في سبع صفحات ، في ثلاثة عشر عمودا من أعمدة الثقافة ! .

لم ؟ ثم لم ؟ لست أدري . إنه لعجيب ، بل فوق العجيب ، بل فوق كل عجيب !

اشترك في نشرتنا البريدية