من طبيعة المرأة أن تتزين وتتجمل ، ولو اننا صعدنا فى تاريخ الجمال إلى المرأة الأولى التى وصفها الفن والخيال لوجدنا أن بنت حوا الأولى كانت نسعى بين الرياض فتقطف ما يروقها من الأزاهير لتحلى به جيدها ورأسها ، وإذا استدللنا بما يستدل به علماء الاجتماع من الشاهدات المحسوسة المعاصرة التي تعكس صور الغابرين والبائدين من أمم الأرض لرأينا النساء في جزائر هونولولو وهوابى والمارتينيك يتزين بعقود من الزهر والرياحين او بتيجان مصنوعة من الورد تكمل هاماتهن الرشيقة .
فلما انتهت المرأة القديمة من زينة شعرها وجيدها تلفتت إلى زينة جسمها وقوامها فعنيت بجلبابها وثوبها ، ومر الثوب خلال العصور مندرجاً من شبه ملاءة للف إلى ديباجة تقص ، وكانت لذوى الفنون مشاركة فى تجميل الثياب النسائية ، حتى أسست فى القرن العشرين دور فى العواصم الكبرى لإيداع الأفانين فى أشكال الأزياء ووشيها
وزخرفتها ، واختصت طائفة من المصورين والمصورات بوضع النماذج التى تساير روح العصر وتستحيب للذوق الحديث، وتهدهد مطالب المرأة فى التزين والتجمل ، كما وضعت من أجل ذلك المسابقات الفنية وجوائزها الغالية لمن يبتكر أبدع الأزياء للمواسم والفصول .
على أن لكل من لبوس الصيف والشتاء طابعاً خاصاً ، كما أن الحضارة الحاضرة وإن تكن عقدت ثياب المرأة وعددتها ، فإنها رفعتها إلى أقق الجمال المثالى ، فلكل حال لبوس ، وألوان محتومة ، ولضروب الحفلات الدبلوماسية والاجتماعية أزياء خاصة ، فينبغى للمرأة التى يتاح لها ذلك أن تعنى به عناية الطبقات الأخرى بلبوسها وأزيائها ، وقد بلغ من شغف المرأة بجمال الثوب وشوقها إلى كل جديد منه أن راحت تطلب المزيد من ابتكار المصورين والخياطين .
وكان لمصر فى نهضتها الحديثة التى انبسطت آفاقها الثقافية وتعددت مظاهرها أن تأخذ بنصيبها من التعليم
الفنى النسائى . وهل كان أجدى على الفتاة الشرقية الحديثة من هذه الدراسة التى تلازمها فى حياتها وتشغل فراغها وحاجتها بصنع يديها وابتكار مواهبها .
إن تعاليم المدرسة الممزوجة بالرموز الكيميائية والمعادلات الرياضية وحشد أسماء الأصقاع التالية فى أذهان الفتيات من الدراسة العلمية المقيدة ، غير أن أكثرها لا يلبث أن يطويه البيت وما فيه من زواج وأمومة . فإن لم تكن الفتاة قد ألت بفنون ضرورية من التدبير المنزلى والخياطة والتفصيل صفرت يدها من كل شئ وصارت عاطلاً وثقلاً على نفسها والمجتمع ؛ فما كل فتاة بمترقة ولا مبطرة حتى تستغنى عن الإلمام بالفنون التى تستجيب لطبيعتها ، وتقضى حاجتها وحاجة أهلها .
والكتاب الذى حفزنى لهذه الكلمة هو " فن التفصيل " فقد كانت صفحاته تبعث فى خاطرى كما ازددت فى تقلبها والاطلاع عليها هواجس وأفكاراً تلازم المرأة فيما خلقت له من التجمل والتفنن فى اللبوس .
وراح يتزاحم فى خيالى مشهد كثير من النساء على اختلاف بيئاتهن ومكانتهن كن بنواقعن على الخياطات مثقلات أو تحمل لهن لفائف من القماش بين ثمين وخفيف . وكانت الخياطة البارعة تستبد بهن فتنشط بالأجر ثم تخلف الميعاد .
أفليس جديراً بالمرأة العربية الحديثة وقد أقبلت على كل جديد فى مظاهرها . وعنيت الأزياء الفنية أوفى عناية ، أن تكون ملمة بفن التفصيل واقفة على كل تغير أو تطور فيه . وهل من ضير عليها إذا اهتمت به ومارسته طالبة فى مدرستها أو زوجاً وأماً فى بيتها ، ثم علمته لبناتها ، لتدفع عن نفسها وأسرتها كل شطط ، بل تكون قد وضعت لبنة فى الاقتصاد المنزلى إذا ضمت إلى لبنة ثانية من الفكر والتدبير . قام البيت الحديث على أساس الوعى والكفاية والإخلاص .
ومؤلفة الكتاب من الرعيل الأول فى التعليم النسائى بمصر ، وقد سبقت هى وزميلاتها إلى وضع القواعد الراسخة لأصول الحياة المنزلية الصحيحة ؛ فتزودون من ثقافة الغرب فى بعثات رسمية كانت المدرسة الأولى التى تجنى مصر اليوم خبرانها . ولقد عرفت المربية الفضلى السيدة إقبال حجازى
مؤلفة الكتاب دؤوباً على تتبع كل جديد فى فنها متمرسة به مدرسة له فى أكبر معهد نسائى ؛ فهى إذ تؤلف بموضوعه لا تكون قد صنعت إلا خير ما ينبغى أن يصنع بعد الرأس والرانة الطويلة والذوق السليم .
وليس هذا الكتاب واحد تجاربها ومنتوجها ؛ فإن لها غيره وفيه أصول الغسيل والكى على أحدث الأساليب وأقومها .
وهى إذ تقدم كتابها إلى المعاهد والبيوت وتجعله مرجعاً لكل فتاة تحب أن تلبس من صنع يديها وذوقها واقتصادها إنما تقدم الدينار المضروب الذى لا زيف فيه ؛ فقد شاع فى السوق وبين أيدى الطالبات كتب أشبه بالدراهم الزائفة ممسوحة الملسم تجارية الغايات .
فللمؤلفة الجليلة وزميلتها الفاضلة الشكر على إهدائهما إلى هذا الكتاب الذى أرجو أن يتاح تناوله لكل فتاة وسيدة بيت ، وأن يعم نفعه لا فى مصر فحسب بل فى البلاد العربية كلها ؛ فإن فنيانها بحاجة ماسة إلى مثله وإلى توجيه فنى صحيح فى الدراسات النسوية .
( القاهرة )
