الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 660 الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, في موكب الشمس

Share

"في موكب الشمس" سفر تاريخي نفيس للدكتور أحمد بدوي قد يحسن، قبل الكلام على وقعه في نفس الكاتب وإن لم يكن من علماء التاريخ، تذكير بعض القراء بآراء سديدة مما كتب العلماء والأدباء الغربيون في هذا العلم.

قرَّروا أن التاريخ من أهم أقسام الأدب، وأن الثقافة السامية في أمة هي شعورها بدوام ذاتها شعورًا كسبته بدرس ماضيها؛ وأن كل قرن يتناول التاريخ ليجدده ويحييه ويقابل الأزمنة الخالية بالوقت الحاضر.

وقال لاكور - جاييه (١): "كثيرًا ما زعموا أن التاريخ يعيد نفسه... وليس صحيحًا أن الحوادث تعود خلال الأحقاب تبعًا لقوانين طبيعية لا تتغير... فهل يجب أن يستنتج من ذلك أنه يكفي تحليل أحوال الزمن الحاضر

وحوادثه لإعداد المستقبل، وأن القرون الفائتة لا يمكن أن تُتَّخذ أمثلة بما أن القرون المستقبلة ان تشبهها؟... بلى إذا لم يكن غرضنا سوى وصف نظم سياسية أو أنماط من الحياة ماتت؛ ومن دون شك، كذلك، إذا كان أملنا أن نستخلص من هذه الأبحاث (كتابه) حقائق مطلقة قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان؛ وبكلمة واحدة: إذا نسينا أن ما يجب فهمه هو أننا نستخلص رد أفعال بشرية لا فعل عجل آلات. إن معرفة الحوادث لا بد منها للمؤرخ، لكنها ليست سوى موضع بداية يستطيع منه أن يباشر تحليلها(١)، وفي ذلك عِظم دوره، فإن أبحاثه ليست مجرد شيء

فني، لأن الحوادث وإن كان من شأنها ألَّا تتماثل وتتحد أبدًا، وكانت نتائجها تختلف دائمًا على التقريب، ليوجد مع ذلك بعض الثبات في البواعث البشرية، وهذا يكفي أيضًا ليكون التاريخ جديرًا بأن يؤدي دروسًا وإيحاءات".

وقريب من معني ذلك الثبات في البواعث البشرية قول اندريه سيجفريد (١): "في أعماق نفسية الشعوب شيء من الثبات يوجد أثره دائمًا" في حياتها وتاريخها.

يضاف إلي ما تقدم ذكره من أقوال نبغاء الغربيين أيضًا: إن كتب التاريخ كثيرة شتى، منها ما عرض الحوادث عرضًا مجردًا بلا وضع خاص سوى ترتيب وقوعها الزمني، وهذه هي الكثرة الكبيرة التي مردُّها إلى مذهب المحدِّثين أمثال هردوت؛ ومنها ما أريد فيه الاستعانة بالمنطق والفلسفة على شرح حقيقة عظيمة عالية، ناتجة من صورة الحوادث البشرية تحت النظرة العامة والتعميم، وهذا هو أحدث المذاهب...

والتاريخ على ما فهمه قدماء الكتاب، أدب وأخلاق، وهذه الصفة أفضل من وصفه بالعلم؛ فعند الماهرين في اللغة اليونانية أن هردوت، مثلًا، وهو المكنى بأبي التاريخ، محدِّث فاتن، صادق اللهجة، لكنه ثاقب النظر في ملاحظاته، عادل دقيق في أحكامه، مسلٍّ معلم، ولا شيء أكثر تنوعًا من حديثه، وهذا المذهب يعظِّم البطل منفردًا، ويرى

أفعاله صادرة من تلقاء نفسه بلا مؤثر خارجي ويحمِّله تبعاتها؛ فلا يعنيه بل لا يخطر له ما يحدث مستقلًّا عن الفرد بقوة الأشياء وقوة الأفكار. وليس للمؤرخين اللاتينيين غير منهج اليونانيين. ومؤرخو العرب مُجَمِّعُونَ بلا نقد، ومترجمون مُسَايرون، يدوِّنون الحوادث الثابتة والقصص الخالية من الأهمية بلا تمييز، ولهم في كتابة التاريخ منهجان: "إما أن يسردوا السنين وما وقع فيها من الحوادث في أي مكان، مسندة من غير اتصال ولا رابطة... وإما أن يسوقوا الحوادث باعتبار الأمم والدول"(١).

وقد تقدمت في القرن الثامن عشر حركة الدراسات التاريخية بفضل فولتير ومنتسكيو وجيبّون، على أنها لم تبلغ مداها إلا بعد التربية العلمية في القرن التاسع عشر الذي تصور المؤرخون فيه صورة التاريخ النهائية، وهي تمزج سياق الحديث بالعلم الواسع والتحليل النقدي للحوادث الجزئية والشرح التفصيلي، وتمزجه بتلك الفلسفة الصابرة على الاستنتاج التي يستخلص بصرها الثاقب أسباب الحوادث وبراهينها. وطاف هذا التجديد بأوربة كلها، إذ أرادت كل أمة أن تعيد تنظيم تاريخها. ولم تقف هذه الحاجة إلى الكمال عند المنهج، فتناولت العبارة ذاتها، حتى أصبح للأسلوب التاريخي كذلك قواعده وصفاته الخاصة التي تلائمه، وهي: الاختيار الحصيف للتفاصيل، ووضوح الحديث، وإشراق الوصف، وحرارة إنشاء خال من التصنع والرونق المبهرج، لكنه إنشاء يجعل الأناقة في خدمة القوة، ويضع الصورة في العبارة الوجيزة، ويؤلف بين الدقة والحركة من بليغ إلي أبلغ حيث يوائم موضعه في سياق الحديث.

والحقيقة هي أول شرط في التاريخ. وهو كافٍ لجعل الحديث التاريخي شائقًا كأكمل المؤلفات الشعرية أو الروائية، ذلك بأن الحياة الإنسانية كلها تنبسط فيه بأكثر صورها تنوعًا وأشدها إطرابًا. لكن قليلون من الناس يستطيعون أن يُغلبوا الأمانة التامة في التحليل والحكم، ويغلبوا الضمير والعلم، كل التغليب، على هوى الآراء الخطيرة وغموض الشهادات المبتسرة، غير المحققة تحقيقًا كافيًا.

ألا أن العصر الذي نعيش فيه حقَّق تقدمًا بعيد المدى في متنوع المناهج لمراجعة التاريخ وبسطه وشرحه. ولم تحمل النفوس قط مثل شوقها الحديث إلى الرجوع في الرمان

مع سلسلة الحوادث، وإلى إدراك مواضع العلاقات التي تربط بينها، والتثبت في شأن التغيرات الكثيرة التي تقع في الحال الخلقية والفكرية عند الجماعات في مجرى الحوادث القاهر. والحق أن العصر جدد نوعين من أشرف رياضات العقل البشري، وهما: النقد والتاريخ، إذ كانا قبيل ذلك فنين فمزجهما بالحقيقة فجعلهما علمين. ولقد كان من كلف الغربيين بالتاريخ أن رقوه بما اقتبسوا من أساليب العلوم الأخرى المقاربة له، كالتاريخ الطبيعي وعلوم الاجتماع، وأدركوا خصوصًا أن العلوم جميعًا لا تستطيع أن تمثل لنا صورة كاملة من الحياة، وأن الفن وحده ينجح في ذلك بإضافة مسحته الخاصة به إلى ما يؤخذ ابتداءً من هذه العلوم.

وعلى أساتذة التاريخ أن يأتوا بالخيار المحكم بين ما يمضي وما يبقى، بين الكتب الصادرة عن الأهواء والآراء القطيرة وبين الصنع التي يتغلب فيها منهج التحليل ودراسة المصادر وروحُ النقد وتقديرُ التفاصيل واللهجةُ الصريحة، أي الكتب التي يسمو فيها التاريخ إلى مستوى العلم ومقامه الجليل(١).

تلك خلاصة كافية من آراء الغربيين المعاصرين في علوم التاريخ ومناهجه وأساليبه، وليست بالطبع كل ما هنالك. بل لها شروح وفروع وفنون. وهذه الآراء أصول و"من أحرز الأصول اكتفى بها عن الفصول، وإن أصاب الفصل، بعد إحراز الأصل، فهو أفضل" كما قال ابن المقفع.

فإذا وعى قارئٌ هذه الأصول قبل أن يطالع أي كتاب في التاريخ، كان أقدر على ثقفه والاستنارة به، والتمتع منه، وتقديره تقديرًا لا وكس فيه ولا شطط. ويجمل به، بعد ذلك، أن يُقبل على مطالعة الكتاب بسلامة طوية وحسن نية، متناسيًا كل رأي قد يكون سمعه بشأنه، متهيئًا لفهمه على أحسن وجه بالنسبة إلى مقاصد صاحبه ومراميه، راغبًا في الإفادة والمتعة منه، ثم يكون له ما شاء من رأي في وقع

الصنيع ومن حكم في قيمته. بيد أن علماء التاريخ هم الأقدرون الأحقُّون بالتنبيه على الأخطاء التاريخية التي قد تقع في كتاب لأحدهم بسبب سهو "مثلًا" من المؤلف عن مرجع لو اعتبره لما أخطأ، أو بسبب خطأ في قراءة أثر أو وثيقة، أو لعَجَلَة في التحليل والحكم أو في تعميمه، إلى أشياء هذه الأمور التي يكون لكلام أولى العلم فيها اعتبار وقبول أو تفنيد من بعضهم.

أما بعد، فكتاب الدكتور بدوي جزءان، وثالث ملحق بالثاني فيه الصور والرسوم المتعلقة بالنص (الطبعة الأولى للجميع). وقد شغل نص الكتاب في جزأيه ١٢١٠ صفحة كبيرة، غير صفحات الفهارس والمراجع والملحق.

"في موكب الشمس" عنوان علمي أدبي بديع، له جلالة، وله دلالة قريبة بارعة على الكتاب: لأن الشمس أصل في المتقدات والمعبودات الفرعونية، واسمها (رع) كثيرًا ما يُقرن بأسماء ملوك الفراعنة، ولذا خاطبها شوقي في قصيدته على أخناتون بقوله:

قفي يا أخت يوشع خبرينا

أحاديث القرون الغابرين

بل العنوان، في الجزء الأول، إهداء هو طرفة: "إلى ذكرى محتني في همبرج، فهي التي ألهمتني تلك الأحاديث".

منهج الكتاب:

ولهذا الجزء مقدمة، هي تحفة نفيسة تحوي:

١- "قصة الكتاب" تشرح كيف تبتعث من وعيه الباطن ومخيلته فكرة الكتاب، وتصف وثنية الفراعنة وأصل معتقداتهم في الشمس، وتهيئ الفكر لفهم الكتاب.

٢- "قصة التاريخ المصري" وهي عرض لنشأته ونموه بعد أن بدأ الإغريق يفدون على مصر ومنذ جاءها هيردوت وكتب كتابه عنها.

٣- "نظرة عابرة" عامة الJقطت صورة مصغرة Gتاريخ مصر من عهد الملك مينا إلي أن ولي عليها محمد علي الكبير مؤسس البيت العلوي المحيد، وهي ليتعرف القارئ

معالم التاريخ الكبرى في هذه القرون الطويلة، ويهتدي بها كما يهتدي السائح بأول جولة في مدينة كبرى لم يزرها من قبل.

يلي ذلك سبعة فصول، أولها في "مصادر التاريخ المصري" وأولها كتاب هردوت "وإن كان قد آذى مصر كثيرًا". وقد فند المؤلف ملاحظاته الخاطئة على المصريين. وممن يعد ما كتبوا من المصادر "مانيتون الذي عاش في سمنود ونُسب إليها، ولعله وُلد فيها، ويميل ما كتبه إلى العلم والتاريخ إذا قيس بذلك الذي صدر عن هردوت، ومن مصادر تلك العصور العتيقة "الطبيعة المصرية والنيل" لأنه الأساس في كل شيء؛ ثم الألواح مثل "لوح الملك نعرمر" (خالق الوحدة التاريخية المصرية)؛ و"أوراق البردي"، وهي من مصادر التاريخ الكبرى، ثم المداون (جمع مدونة)، كمدونة أو "بردية تورين" من مدن إيطاليا، وهي سند من الأسناد التاريخية الكبرى؛ وهناك مصادر أخرى "ادخرتْها الأيام في بلاد مثل كريت وفلسطين وسورية وبلاد النهرين وما وراء ذلك، وبلاد النوبة والسودان، وهلم جرا"؛ وأيضًا "التراث الذي خلفه من زار مصر أو أقام بها من كتاب العصر القديم" مثل هكتيوس الملطي واسترابون وبلوتارخ الذي "رأي في عشرة المصريين ما يرضيه ويحبب إليه الإقامة في مصر"؛ وأخيرًا "الأساطير المصرية إذ (ليست كلها من نسج الخيال، وإنما هي صورة منمقة من الماضي البعيد فيها أشكاله وألوانه، ومنها أسطورة "إيزيس وأوزريس")، وقد ألمَّ المؤلف ببعض ما تصور من ألوان الحياة المصرية التي قامت حول بطلها.

والفصل الثاني من الجزء الأول، يصور "فجر التاريخ"؛ والثالث في "عصر الأسرات الأولى"؛ والرابع في "العقائد الدينية وغموضها في نظر أصحاب التاريخ الحديث في البعث"، "وفي الطبيعة المصرية ما يدفع الناس إلى التفكير في البعث"؛ والفصل الخامس في الدولة القديمة: عصر بناء الأهرام، من الأسرة الثالثة إلي آخر السادسة؛ والفصل السادس في سقوط الدولة القديمة؛ والسابع على الدولة القديمة في وعي الزمن، وفيه الهرم وأبو الهول.

أما الجزء الثاني من الكتاب فله مقدمة هي تتمة ما في الجزء الأول من المقدمة، وتتضمن بيان عشرة مقاصد:

"رجعة إلى وادي يمين" وهو "ذلك الوادي الذي

قدَّر المؤلف أن يراه في الحلم وأن يصفه كما جاء في مقدمة الجزء الأول؛ "حلم مروع" رأي فيه أوزيريس وحاوره، "وجوب الإيمان بالله". "خلافة الله على الأرض"، "العلم والتعليم"، "العظمة والعظماء"، "الدستور والحياة النيابية"، "الدين"، "الجامعات" "الخاتمة"، وفي آخرها يخاطب أوزيريس:

"قلت: حديثك أنساني ما جئت من أجله. قال: حلمك المروع تريد أن أفتيك فيه! قلت: هو ذاك. قال: الرؤي رؤاكم، والحياة حياتكم، ولن تنفع الأحياء فتيا الموتى؛ ثم التمسوا من وراء ذلك ما تشتهون، أو اتقوا ما تكرهون، وحسبك ما سمحت من حديث. أسأل الله أن يوفقك ويهدي قومك إلى فهمه وتصديقه، وأملى... أن يري قومك في سيرة الزمن لدينا بعض ما ينفع أمثالكم من الحكمة والموعظة الحسنة. قلت: وهلا أوصيتنا بعد ذلك بشيء؟ قال: أوصيكم بالصدق في النية والقول والعمل".

يلي المقدمةَ عشرون فصلًا تحوي التاريخ المصري من أيام الأسرتين السابعة والثامنة إلى رمسيس الثالث، وتنتهي بنظرة عامة في أحوال مصر أيام الرعامسة.

(للبحث بقية)

اشترك في نشرتنا البريدية