حدثتك عن الجزء الأول من قصة الحضارة الذي نقله صديقنا الدكتور زكي نجيب محمود ، ولعلك تذكر أنه يتعلق بوجه الإجمال بمعني الحضارة وكيف نشأت في صورتها الأولى . نعي ظهور اللغة والكتابة والفن والتفكير والدين وما إلى ذلك من مقومات الحضارة.
ثم وعدتك أن أحدثك عن الأجزاء التالية عند ظهورها ، والحق لقد أنجز المترجمان نقل الثاني والثالث والرابع من هذه القصة التي وقع اختيار الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية على نقلها . وقامت لجنة التأليف بطبعها ونشرها . فأصابت الإدارة الاختيار . وأحسنت اللجنة النشر والطبع ، وأجاد الناقلان الترجمة .
وأحسب أني في غير حاجة أن اقدم لك الأستاذ محمد بدران مترجم هذا الجزء الثاني ، فهو من أئمة النقلة في العصر الحاضر ، وأكبر الظن أنك قد قرأت له الكثير مما توفر على ترجمته إلى اللغة العربية في شتي فنون التاريخ
والسياسة والأدب والاجتماع . وقد أكسبته طول صحبته للكتب دمائة خلق ورقة طبع وخفة لسان وحسن بيان
يحدثنا هذا الجزء عن حضارة ستة شعوب هم : السومريون ، والمصريون ، والبابليون ، والأشوريون ، واليهود ، والفرس . ويحدثنا كذلك من خليط من الأمم كالحبيثين والأرمن والفينيقيين وغيرهم .
وهو لا يعرض التاريخ السياسي لهذه الدول التي قامت في القديم ثم بادت واختفى ذكرها ، ولكنه يقص قصة حضارتهم . وقد فصل القول في الأصول الحضارية للمجتمعات في الحزء الأول الذي نقله الدكتور زكي نجيب محمود ، وهو يقسم هذه الأصول أربعة أقسام ، أو يردها إلى عناصر أربعة : العناصر الاقتصادية والسياسية والخلقية والعقلية فيتحدث في العناصر الاقتصادية عن أسس الصناعة والتنظيم الصناعي ، وفي العناصر السياسية عن أصول الحكومة
والدولة والقانون والأسرة ، وفي العناصر الخلقية عن الزواج والآداب الاجتماعية والدين ومصادره ومظاهره ومعبوداته ، وفي العقلية عن الآداب والعلوم والفنون .
وفي ضوء هذه الأصول ! أو هذه الخطة ، نجد تفصيل القول في حضارة السومريين التي بدأ بها الجزء الثاني من كتابه ؛ ولست أدري لماذا آثر المؤلف البدء بالسومريين الذين سكنوا الجزء الأدنى من الدجلة والفرات عند الخليج الفارسي ، وبدولة عيلام التي تقع في إيران من جهة نهر الدجلة ، ثم انتقل بعد ذلك إلى مصر . والسبب في ذلك اعتقاده أن حضارة السومرين أقدم من حضارة المصريين القدماء وترجيحه آراء بعض العلماء على رأي إليوت سميث الذي يذهب إلي أن حضارة سومر قد انتقلت إليها عن مصر ، ويؤيده برستد في ذلك ، ويضيف إلى ذلك أن " العجلات الفخارية " من ابتكار المصريين . أما أدلة العلماء الآخرين الذين يرجحون قدم الحضارة السومرية مثل ده مرجان ويبلي فيذهبون إلى أن الكتابة التصويرية التي كان المصريون يستخدمونها قبل عصر الأسر الحاكمة قد انتقلت إلي مصر من بلاد السومريين صناعة النحاس ، والهندسة المعمارية ، والأواني الفخارية ، وتماثيل بعض الآلهة ، وغير ذلك مما " لا يخطئ الإنسان في أنها من أصل أسيوي " ص ٤٤ .
ثم أضاف المؤلف بعد ذلك فقال : " ولا غضاضة على مصر في أن تعترف بالسبق لبلاد سومر ذلك أنه مهما تكن الأصول التي استمدتها مصر من أرض دجلة والفرات ، فإن هذه الأصول سرعان ما تمت وأينعت وأثمرت حضارة مصرية خالصة فذة ، هي بلا ريب من أغني الثقافات المعروفة في التاريخ وأعلاها شأنا وأعظمها قوة " ص ٤٥ .
أقول ليس الأمر أمر عضاضة أو تفاخر ، ولكننا ننظر إلي نشأة الحضارة نظرا علميا مجردا من شوائب الهوى والعصبية للوطن أو الجنس . فمن العسير أن تحكم حكما جازما بسبق حضارة على اخري فمجرد التشابه في المظاهر الحضارية ، ولك أن تقول إن أي واحدة من الدولتين أسبق أو أقدم ، ولك أن تقول إن إحداهما أخذت عن الأخرى ، ما دامت الأدلة لا ترتفع إلي مرتبة اليقين . ومع ذلك فإني أحسب أن المؤلف لم يطلع على نتائج الا كتشافات التي قام بإعلانها
مصطفى عامر بك عن حفرياته في المعادي، وعن حفرياته في عين شمس ، لأن هذه الأخيرة لم تعلن إلا هذا العام فقط ، كما قرأنا في الصحف . وعندي أن هذه الاكتشافات إذا أخذت سبيلها إلى أنظار العلماء ومراجعهم سوف تكون عاملا مرجحا في الفصل في قضية أى الحضارتين أقدم ، المصرية أم السومرية ، وعندئذ تكون الكلمة كلمة العلم والحق ، ولا غضاضة على الغربين أن يعترفوا بعد ذلك بأن مصر كانت مهد الحضارات ومعلم الشعوب ، وواضعة أساس كثير من العلوم والفنون
وقد استقي المؤلف معلوماته التي ذكرها عن الحضارة المصرية ، عن علماء الآثار المصرية الذين كتبوا في ذلك ، واراؤهم متضاربة ، وبعضها قديمة تنسخها الدراسات الحديثة ، ولهذا السبب يجد القارئ المصري المطلع على تاريخ بلاده القديمة شيئا من الخطأ في الأحكام العامة التي يصدرها المؤلف ؛ تضرب على سبيل المثال قوله عند التعليم : " وقد وصلت إلينا كراسات من عهد الدولة الحديثة ، وفيها اصلاح المدرسين لأخطاء التلاميذ يزين هوامشها . وهذه الأخطاء تبلغ من الكثرة حدا يجد فيه تلميذ اليوم كثيرا من المساوى . وكان الإملاء ونقل النصوص أهم طرق التعليم ، وكانت هذه الدروس تكتب على الشقف أو على رقائق من حجر الجير . وكان أكثر ما يعلم هو الموضوعات التجارية ، وذلك لأن المصريين كانوا أول الأقوام النفعيين وأعظم استمساكا
بالنظرية النفعية..."
والذي أعرفه . بقدر اطلاعي المتواضع في تاريخ مصر القديمة ، أن علومهم وفنونهم وآدابهم نشأت عن الزراعة لا عن التجارة وان الحضارة المصرية وما تحويه من دين وعلم وفن وادب إنما اتخذت مظهرها في الزمن القديم ، بل إلى العصر الحاضر ، من اشتغال معظم أهلها بالزراعة وفلاحة الأرض ، ولو كان المصريون تجارا لاصطبغت حضارتهم صبغة أخرى تختلف تمام الاختلاف عن هذا اللون الذي نعرفه بل المشهور ان التجار هم الشعوب المجاورة كالفينقيين أو أهل جزر البحر الأبيض وغيرهم مما نشاهده حتى اليوم . وقد نشأ الحساب والهندسة في مصر لمساحة الأراضى الزراعية والاشتغال بضبط مياه النيل وتوزيع المحاصيل ، لذلك كان من
الغريب أن يوصف المصريون بالمذهب النفعى ، أو النظرية النفعية ؛ والأرجح أنهم تقلبوا في مذهبين فلسفيين : الواقعي والمثالي ، وذلك مشاهد من فنونهم ، فهي مثالية تعبر عن مثل عليا دينية يؤمنون بها أشد الإيمان ، وتبتعد عن محاكاة الطبيعة ، وذلك في أغلب عصورهم ، أو قل إنها رمزية ، ثم أصبح الفن واقعيا حين حاول التخلص من سلطان الدين والتقاليد ، وآثر محاكاة الطبيعة.
ويقول المؤلف ص ١٢٩ من الهياكل المصرية القديمة : "ولعل في هذه الصروح إفراطا في الأعمدة وتقاربها بعضها من بعض لاتقاء حر الشمس اللافح ، ولعل فيها بعيدا عن التناسب هو من خصائص الشرق الأقصي وافتقارا إلى الوحدة ، وهياما همجيا بالضخامة كهيام أهل هذه الأيام نقول : هذا الحكم على فن بناء المعابد بجانب الصواب ويدل على جهل بالأصول التي اعتمد عليها المهندسون في البناء . فقد كان المصريون أبرع الناس في معرفة أثر الطبيعة في تنقية الإنسان ، ودرسوا نظام الضوء وتوزيعه ، وأقاموا العمد بحيث تقيد الضوء تقييدا خاصا يبعث في النفس الرهبة والروعة والجلال ، فلا يملك رواد المعابد إلا الخضوع والانقياد.
وقد تنبه المترجم الفاضل لتحامل المؤلف على مصر الحديثة حين قال : " واليوم يوجد مكان يسمي مصر . ولكن المصريين ليسوا سادته ؛ فلقد حطمتهم الفتوح من زمن بعيد ، واندمجوا عن طريق اللغة والزواج في الفاتحين العرب قال المترجم في تعليقه "اثرنا أن نقل هذا الجزء كما كتبه المؤلف حرصا منا علي الأمانة في النقل . وإن كنا لا نوافقه على الكثير منه ، ورغبة في أن يعرف المصريون كل ما يقال عنهم ، حقا كان ذلك أو باطلا . . إلى آخر تعليق الناقل .
وبعد ، فلا تفض هذه الملاحظات من قيمة الكتاب ، ولكل مؤلف رأيه الذي يعتقد أنه الصواب . وقد طال بنا الحديث عن مصر ، حتى لا يتسع المكان للحديث عن بابل وأشور واليهود .
وهناك بعض ملاحظات يسيرة عن الترجمة . في ص ١٤٨ ، عند الكلام عن صلة الفن بالدين . قال المؤلف :
" لقد كان الدين يقدم للفنانين الحوافز والأفكار ، ويوحي إليهم بروائع فنهم ، ولكنه فرض عليهم من العرف والقيود ما شده إلى الكنيسة بأقوى الروابط ، وقول المؤلف " الكنيسة" خطأ ، لأن هذا البناء خاص بالمسيحين ، وكان يحسن أن ينبه المترجم عليه في الهامش ، أو يستبدل المعبد بها
وفي ص ١١٩ ، عند الكلام عن الإله نحوت ، إله الحكمة : " وكان اليونان يعظمون تحوت ، ويسمونه هرميز " . نقول وقد عرف العرب هذا الإله ، ولكنهم رسموه بالسين فقالوا : "هرمس" وهذا هو المشهور قال القفطي في (أخبار الحكماء) : " اختلف الحكماء في مولده ونشأته وعمن أخذ العلم قبل النبوة ، فقالت فرقة : ولد بمصر، وسموه بهرمس الهرامسة ، ومولده منف . وقالوا : هو باليونانية " إرميس " وعرب بهرمس ومعنى إرميس عطارد . .

