الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 646الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب، نشر وتحقيق، الأستاذين هنري لاووست وسامي الدهان، الجزء الأول - ٣٠٠ صفحة من القطع الكبير - المعهد الفرنسي بدمشق - ١٩٥١

Share

هذا كتاب يقوم على نشره وتحقيقه مستشرق وعربي هما : الأستاذ هنري لاووست والدكتور سامي الدهان ، وكل منهما يؤدي فيه خبرته ومعرفته ، وكأنما يتحد فيه الجهد الشرقي والجهد الغربي . والكتاب كما هو واضح من عنوانه تذييل على كتاب آخر هو طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ، وقد حوي هذا الجزء ٩٧ ترجمة من سنة ٤٦٠ ه إلى سنة ٥٤٠ ه .

ولا شك أننا نرحب بهذا العمل ، وفي رأينا أن من خير ما يهدي إلى مكتبتنا الحديثة الكتاب القديم يقوم علي بعثه ووضع فهارسه من خبروا هذه المهنة ، مهنة النشر ، ونقول المهنة لأن النشر في حقيقته مهنة تحتاج معرفة شاملة وثقافة واسعة بفن الإخراج وفن التحقيق ، حتى تتم الحياة للكتاب الذي يراد نشره وبعثه .

وكل من عاني صعوبة بالنشر للنصوص المخطوطة يرحب بل يثني على كل عمل جديد يضيف أثرا من آثارنا القديمة إلى مكتبتنا الحديثة ، لما يعلم من الصعوبات الكثيرة التي يعانيها الناشر ، وهي صعوبات تضنيه وتقتل وقته ، ومع ذلك يضطلع بها راضيا مرضيا ، سعيدا بنصيبه من حياته وما نصب نفسه له من إحياء مخطوط ، وإخراجه من الظلمات إلى النور .

وكم يكون طريفا أن يصف لنا الناشر المختص حياته بين رفوف المكاتب ينقب ويبحث عن ضالته ، ثم يصف لنا ما كابده في هذا السبيل وما عاناه . فكتاب ينشره ناشر

هو ثمرة لأبحاث وجهود متواصلة يأخذ بعضها برقاب بعض وكأنها حلقات متسلسلة ، وكم من حلقات تذهب عبثا ، وكم من أوقات تضيع سدي .

فكتاب يضطلع بإخراجه ناشر معناه أنه عاشر طوائف كثيرة من الكتب وأصحابها ، وما زال يحاول أن يصطفي له كتابا ، وما زال يتعرف على الكتب ، وما زال يختار وينتخب . ينظر في النسخ . وينظر في المؤلف وقيمته ، وينظر في أهمية الكتاب .

ثم ما يزال حين ينتخب كتابا معينا يطلب نسخه المختلفة في المكاتب المبثونة في الشرق والغرب ، وقد تواتية الفرصة ليحصل على إحدي النسخ الجيدة ، ثم لا تواتيه في نسخ ثانية وثالثة ، فيلبث ويتأني حتى يحصل على أمنيته .

وهو بعد ذلك وبعد حصوله على النسخ يحاول أن يرجعها إلى أصول . همه أن يجنسها ، فالكتاب كأنه شجرة والنسخ كأنها فروعها ، وكل فرع تنتظم فيه مجموعة ، وقد تكون النسخ كثيرة والفروع متعددة ، ولكنها جميعها تحوي أغلاطا مختلفة وتريد تقويما ، فيضطر إلى الرجوع إلى مصادر أخري يتخذها منارات تكشف له الطريق .

وهذا العمل لا يستطيعه إلا من صبر نفسه على الامتحان : امتحان النصوص وامتحان كلماتها وعباراتها ، فكل لفظة تمر به يعرضها على الشك ، وكل لفظة يشك فيها يعرضها على مقاييس الامتحان ، وما أشق النص

وأصعبه حين تضطرب ألفاظه ، فتتحول عباراته أو كثير منها إلى ما يشبه المسائل الحسابية الصعبة التى تريد حلولا ، وما يزال الناشر يعرض الحلول ، حتى إذا عثر على حل ممكن فرح به كما يفرح الطفل باللعبة تهدي إليه .

وقد يكون النص واضح القراءة جميل الخط . ولكن لدى الامتحان يتبين الناشر أن الكاتب ليس مثقفا ، بل لعله شبه أمي ، فهو ينقل ، وهو يخطئ كثيرا في نقله رغم خطه الواضح الجميل . ويري الناشر أن العبارات لا تطرد ، وان كلمات بها تقف حجر عثرة في طريقه ، فما يزال يتأني لها ، وما يزال يحاول ان يستخدم خبرته ، وما يزال يمتحن النص وما يزال يتحسس مواضع الخطأ فيه كما يتحس الطبيب موضع العلة في المريض .

وصعوبات النشر من هذه الناحية كثيرة ، وما يعانيه أي ناشر في عمله شئ أبعد من أن نحيط بوصفه ؛ ولذلك كنت أقدر كل عمل في هذا الصدد ، وأحترم ما أداه الناشر من جهود وما بذله من عناء .

وهذا الكتاب الجديد الذي تعاون في إخراجه وبعثه الناشران الفاصلان الأستاذان هنري لاووست وسامي الدهان واضح الدلالة على عنايتهما وانهما حاولا كل ما استطاعا من عمل في بعثه ، فقد رجعا فيه إلى نسخ مختلفة وهي نسخ كانت متعبة ، وذلك لم يكتفيا بها ، بل ذهبا يضعان عليها رصدا من كتب الحديث وكتب التاريخ والتراجم ، مثل المنتظم والشذرات والأنساب للسمعاني . وفي كل ترجمة يتعقبان صاحبها في المراجع المختلفة ويذكران ذلك في هوامش الكتاب .

وأمام هذا العمل نجد مقدمة واسعة عن ابن حنبل وتلامذته وكتب الطبقات الخاصة بالحنابلة . ثم نجد حديثا مفصلا عن ابن رجب البغدادي مؤلف الكتاب وثقافته . حتى إذا استوفيا ذلك حدثنا عن الذيل ونسخه . وقد نشراه عن ثلاث نسخ ، اثنتان منها محفوظتان في دار الكتب الظاهرية بدمشق ، والثالثة محفوظة في مكتبة كوبرولى باستانبول .

ومن يتصفح هذا الكتاب يحس أنه لا يحوي تراجم للحنابلة فحسب ، فهو قبل كل شئ يحوي آراء من يترجم

لهم في مسائل الفقه والتشريع الإسلامي ، وليس ذلك فقط ، فهو يحوى أيضا آراءهم في مسائل الاعتقاد .

ومن هنا تاتي أهمية الكتاب ، إذ يعطينا خطوطا مهمة في المذهب الحنبلي ومناقشات طريفة في فروعه على مر السنين ، كما يعطينا أيضا آراء الحنابلة في المسائل الكلامية وما رسب في بيئتهم من محاربتها . وكلنا نعرف قصة خلق القرآن وما عاني فيها ابن حنبل لعصر المأمون ، وهي في حقيقتها قصة المعتزلة وأهل الآثار والسنة .

وقد أصبح من أهم معتقدات الحنابلة التمسك بالأحاديث النبوية وعدم الجري وراء الآراء الاعتزالية وما يتفرع منها ويتشعب ، حتى الآراء الأشعرية نجدها تناقش في هذا الكتاب ، ونجدهم غير راضين عنها ، وبالمثل الآراء الصوفية .

والكتاب لهذا كتاب جدير بالنشر ، ولا شك في أن الناشرين يستحقان منا كل ثناء لما بذلا فيه من جهد ، وما اضطلعا به من خدمة هذا الجانب في تاريخ المسلمين الديني والعقلي .

اشترك في نشرتنا البريدية