انتهيت الآن من قراءة ديوان لشاعر مصرى اسمه بيرم التونسى ، ولا أدرى متى ظهر هذا الديوان ، ولا أعرف صاحبه معرفة شخصية ؛ فكل علاقتى به أننى ترجمت له إلى الانجليزية مند أعوام قصتين ، وأرسلت له عدوى المجلة التى نشرتهما فردا إلى بعد أشهر لجهل مصلحة البريد بعنوانه .
وأذكر أننى لما قرأت قصتى التونسى ظننت لنفسى أن ما بهما من فن وجمال وأمانة جاء عن طريق الصدفة ، ولم يخطر ببالى عندئذ أن بمصر كاتبا يقارن بكتاب أوربا ، بل ويعتبر إذا قيس بمقاييس الفن الغربى من كتاب الدرجة الأولى ، ولكنى بعد قراءة ديوانه أعتقد الآن أن بيرم التونسى أديب شرقى يصل فى نبوغه إلى مستوى أى أديب أوربى شئت من الدرجة الأولى ، وأنه كشاعر لا يقل فى فنه عن شاعر الانجليز الحديث ( ت. س. البت ) ولا فى أمانته وجرأته وقوة تصويره عن الشاعر الفرنسى ( بودلير ) بل إنى أذهب إلى أكثر من هذا فأتنبأ بأنه سوف يأتى يوم يكون فيه مركز التونسى فى الأدب المصرى ( إذا قدر لهذا الأدب أن يستمر ) مركز « تشوسر » فى الأدب الانجليزى ؛ والحقيقة أن بين الشاعرين شبها كبيرا .
أنشر هذا الحكم وهذا التنبؤ ، وأشعر فى ذلك بكل الفخر والسرور الذى يشعر به الباحث الذى وفق إلى اكتشاف سعيد ، وأعلم أيضا أن حديثى هذا سوف يضحك أدباء مصر ؛ فالتونسى « زجال » كما سمعت ، ومنزلة الزجال فى بلدنا هذا من كتاب المجلات منزلة « الموالدى » و «العالمة » من عبد الوهاب والآنسة أم كلثوم ، أو إن شئت
فمنزلة النفير من ضابط البوليس ، ولكن أمرى إلى الله . وسوف أحاول فيما يلى أن أبرر حكمى هذا ، وأن أنقد ما تيسر من ديوان التونسى نقدا أبنيه على أصول الفن الغربية . وسوف أمهد لذلك بمقدمة لا مناص منها .
الشعر الغربى له ميزات يقرب أو يبعد بها من درجة الكمال على قدر اتصافه بها .
هذه الميزات يمكن إجمالها فيما يلى : ١- أن تتألف نبضات موسيقاه (rybthm) وبحره وأصوات كلماته بحيث تؤثر أكبر أثر ممكن فى القارئ لتعطيه أكبر قسط ممكن من تجربة الشاعر .
ليس من السهل أن أعطى أمثلة كاملة من الشعر العربى لتوضح للقارئ ما أجمله ، ولكنى سوف أحاول ذلك جهدى ، عالما أنه مهما كانت الفوارق بين الناس فالنبوغ الشعرى له صفات مشتركة بين كل شعراء الأرض .
١ - البيت العربى الآتى تتألف نبضات موسيقاه كما بينت بحيث تؤثر أكبر أثر ممكن :
نهارى نهار الناس حتى إذا بدا
لى الليل هزتنى إليك المضاجع
تحدث الوقفة فى الشعر العربى غالبا بين شطريه ؛ ومن الواضح هنا أنه لأجل أن نقرأ هذا البيت قراءة صحيحة يجب علينا أن نقف بعد « الناس » وأن نصل بين الشطرين وأن نقف بعد « ليل » وقفة قصيرة سوف تهمل البحث فيها هنا (١) .
هذا التقسيم لا يؤيده المعنى فقط ، بل وموسيقى البيت ،
فنهارى نهار الناس نبضها بطئ ، والبقية نبضها سريع .
هذا النبض البطئ يمليه علينا أصوات الكلمات أى الأربع مدات ، نهارى نهار الناس . ثم صوت النون والهاء المتكررين وهمس السين ، وكل هذه السواكن من الحروف الشبيهة بالحركات . فهى منها بمثابة الصدى من الصوت .
هذا ( أو الكثير منه بحيث يعم قصيدة بأكملها ) هو ما أقصده من توافق النبض وأصوات الكلمات ، إذ لو استبدلنا هنا « نهار نهار الناس » ب « يومى كيوم القوم » أى لو أتلفنا التوافق بين صوت الكلمات ونبضها ، لما تأثر القارئ أكبر أثر ممكن ، ولما تحملت هذه المجموعة من الأصوات أكبر قسط ممكن من الشعور الذى استعد الشاعر منه تجربته ، وهو ملل مادية النهار وسأم طوله وشعوره ببطء من الزمن .
بقية البيت : « حتى إذا بدا لى الليل هزتنى إليك المضاجع » سريعة النبض تجبر قراءتها قراءة صحيحة على أن تقصر الحركات الطوال ما أمكن وهى أربع ، مع أن كلماته أكثر من ضعف كلمات « نهارى نهار الناس » ثم إن مقاطع هذا الجزء من البيت يغلب عليها أن تكون مفتوحة ؛
إ - ذا ، - ب - دا - ى - م - ضا - ع (١) وحروفه يغلب فيها المتفجر :
ب ، د ، إ ، ت ، ك ، ض وهكذا ، وهذه المجموعة من الأصوات إذا لم يعترض سبيلها حركات طوال ساعدت على سرعة الكلام .
هذا النبض السريع وهذه الأصوات التى تتآلف معه تؤثر فى القارئ تأثيرا لاشعوريا ، وتصدر عن الشاعر عادة بغير قصد أو تفكير ، إذ لو تعمد الشاعر والقارئ رصدها
وتحليلها لما أمكن أن يعطى الأول الثانى أكبر قسط من تجربته ، والشعور وراء تجربة الشاعر هنا هو اللهفة للقاء محبوبته ، والشوق إليها عند تذكر لياليه معها ، وهذه اللهفة تحملها إلى القارئ موسيقى البيت فتزيد من أثر خياله وتسهل تصوره .
ولعل القارئ يدرك لنفسه بعد ذلك القيمة الفنية لطول البحر الذى استعمله الشاعر ، وضرورة هذا الطول لتمثيل الملل واللهفة متقاربين هكذا متقابلين ، إذ لو قصر البيت لما أمكن الوقف على نصف أحد شطريه ، وإذا أنهى الشاعر النبض البطئ بين الشطرين لقلل من أثر الفصل بين الجزء البطئ والجزء السريع تطابقه مع الوقف العادى فى البيت .
ب - يتضح بسهولة فى نصف البيت المشهور : (( مكر مفر مقبل مدبر معا ))
إذا حللت أصواته إلى مقاطع ، كيف أن أصوات الكلمات وخواص مقاطعها يمكن أن يستعملها الشاعر الموهوب فى أداء المعنى . ففى الشطر المذكور تسعة مقاطع مقفلة(١) ؛ ومن صفات هذه المقاطع القوة ، خصوصا إذا كانت قصيرة مخطوفة كما هى الحال هنا ؛ ثم إن المقاطع المفتوحة وعددها خمسة : ثلاث ميمات وبا آن ، لها نظام هندسى بديع يلاحظه القارئ عند النطق أو النظر ؛ وهذا النظام هو الذى يعطى البيت سهولة نطقه وازدياد نبضه ، ويسهل من النطق بالمقاطع المقفلة ، فتجمع الأصوات بين السرعة والقوة اللتين يؤديهما معنى البيت .
لاحظ هنا كيف أن نظام ترتيب المقاطع المفتوحة فى ( مكر مفر ) يختلف عنه فى « مقبل مدبر » بما يشعر بحركة الذهاب والاياب . ولاحظ كيف أن المقاطع المقفلة رن - - رن - لن - رن - عن . لها رنين متردد كوقع حوافر الخيل ، وكيف أنها تحضر ذهن السامع تحضيرا
لطيفا لبقية البيت : كجملود صخر . . . . الخ .
قارن هذا العنف وهذه القوة فى بيت امرئ القيس ب(سكون ووحشة وظلمة وليل بلا آخر) تدرك لنفسك كيف أن عبقرية الشاعر تدفعه إلى اختيار أصوات وموسيقى تهيئ أذن القارئ ، وتساعده على الشعور معه بشعوره ، فالعبارة الثانية بها من المقاطع ما بالأولى .
(٢) أن تكون لغة الشعر أبعد ما يمكن أن تكون عن لغة المعنويات ، وأقرب ما يمكن أن تكون من لغة الحسيات .
فمثلا العبارة الآتية : (( يجب على الفنان أن يستمر فى فنه ، ويحتمل الفقر وإعمال الناس ، رغم أن بيئته ميتة الحس لا تقدر فنه ولا تكافئه عليه ماديا )) هذه العبارة مصوغة فى لغة أقرب ما تكون من المعنويات ، والأبيات الآتية التى تؤدى نفس المعنى هى أقرب ما تكون من لغة الحسيات :
يا ريس الفن يا سارح بأرغولك طالب من الله (١)
إن شفت بين القبور أطرش يناديلك أجرك على الله
زمر على بلوتك واجمع ملاهيلك وتوب إلى الله
بعبارة أخرى : لغة الشعر لغة رمزية كلغة الأحلام ، فهى تثير فى المخيلة صورا ، وهذه الصور هى رموز المعنى .
(٣) لا يجب أن تستعمل معانى الشعر لمجرد الأخبار ، بل للتأثير العاطفى ، أى أنه يجب أن يكون اعتماد الشاعر على قيمة شعره الأخبارية أقل اعتماد ممكن ، مثلا :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها مخفى على الناس تعلم
هذا البيت يعتمد لأكبر حد على قيمته الأخبارية ، فهو يوصف بالصدق أو الكذب ، لهذا كان مجرد نظم ، ليس فيه من الشعر إلا موسيقاه ، وقيمته من هذه الناحية هى قيمة أى بيت من الألفية مثل :
وتخلف الفاه إذا المفاجأة كإن تجد إذا لنا مكافأة
ولكن البيتين :
تضحك الضبع لقتلى هذيل
وترى الذئب لها يستهل
وعناق الطير تغدو بطانا تتخطاهم فما تستقل
لا يعتمدان على قيمتهما الأخبارية ، فهما لا يحتملان الوصف بالصدق أو الكذب ، كأن تقول مثلا : « إن قتلى هذيل دفنوا فى أرض ليس بها ذئاب وضبع ولا جوارح من طبر ، فالشاعر إذا كاذب .
(٤) يتصل بميزة الحسية المذكورة خاصة الإيحاء (suggestivenees) ؛ فلغة الشعر تكون فى أكمل حالاتها عند ما نوحى عباراتها وكلماتها أكبر إيحاء ممكن ، وهذا الإيحاء يجب أن ينسجم وتجربة الشاعر وجو القصيدة ومحتوياتها ؛ فمثلا (١) فى الأبيات المقتبسة من التونسى : )) طالب من الله (( نذكرنا عن طريق تداعى المعانى (( بشحاذ )) يستجدى ، و (( أجرك على الله )) تذكرنا ب (( روح الله يحنن عليك )) ، ثم (( توب إلى الله )) نذكر برجل ينهى عن المنكر ( كما قال صديق ) وتذكرنى أنا بامرأة تتجر بصفاتها وجمالها ؛ وهذه الصورة تقوى فى نفسى وجه الشبه بينها وبين الفنان الذى يتجر بفنه ، أو ينتظر مكافأة عليه .
ومن الواضح للقارئ أن ما تثيره الشطرات المذكورة مما أبنته من صور ومعان ، ينسجم مع تجربة الشاعر وجو القصيدة ومحتوياتها ، ويقوى من أثر لغتها فى نفس القارئ .
باب الإيحاء هذا واسع ، وأسبابه ونتائجه متعددة ، وهو من لحمة الشعر الغربى وسداه ، ولكن المجال لا يتسع لبحثه هنا .
(له بقية)

