مجموعة من الشعر الرمزى للأستاذ ألير أديب منشئ مجلة الأديب بيروت ملتزم الطبع والنشر دار المعارف بمصر . ص ١١٨ من القطع الصغير سنة ١٩٥٢
إذا صدقت نظرة المحدثين من علماء الأدب فى أن الشعر كان أول آثار الأدب الانسانى ، فان فى أسالته وجود الأوزان والقوافى . لأنه كما يقول هؤلاء العلماء ، متحدر من الرقص والموسيقي منذ رقصت الأمم البدائية وتفتت
وعلى ذلك فقد توارثت الشعر الأمم حاضرا عن غابر فى صورة منظومات خاضعة للوزن والقافية والمقاييس ، ومر خلال أدب الأمم أناس نفضوا عنهم ثقل هذه المقايبس فآثروا الحرية فى الشعر والانطلاق من قيوده . لقد أحبوا الخلاص من أصفاد الألفاظ ، فجاءوا بضرب من الكلام مموه الشعر المطلق ، وقد صنع هذا نفر فى أدب الغربيين ، وجاء سالفا ما صنعه بودلير فى قصائده المسكوبة نثرا . حتى كان عصرنا وأدبنا الحديث فهبت طائمة من المحدثين العرب تصنع هذا الصنع فى آثارها . تنطلق من أصفاد البحور العربية وموازين الفريض . وقد ضلت سبيلها ، فلا هي أحسنت المضى مع الأوائل ، ولا هي جاءت بمعجب جديد . فساء حكمى على هذه الطبقة وانصرفت عن قراءة آثارها . حتى أخذ الأستاذ ألبير أديب ، أحد بناة الأدب الحديث في لبنان يجري على هذا الغرار ، فأعاد إلي نفس الأمل وأصبحت إذا قرأت له شيئا أو بعض شئ فيما كان بطرحه مطارح هذا الكلام في التعبير عن خواطر نفسه وخوالجها ، أحس الراحة لما أقرا ، أو ينطلق فكرى وراء معانيه السائغة . وقد أخرجت له دار المعاوف بمصر بالأمس مجموعة من هذا الشعر الرمزى للطلق . فمضيت في قراءتها حتى أثبت عليها فإذا أنا تلقاء مسرح فنى يترامى علي الآذق ، وتتماوج
فيه تهاويل الحياة والموت والشعور والهواجس . ولا أشك فى أن كل كلمة من كلماته كانت تحمل التعبير المشبع الذى أراده صاحبها ، وههنا أجدنى فى حيرة من أمر النقد والإفاضة بما اشعر ، فنحن أحبينا الشعر الموزون الغنى الذى يصور البدائع وبعث روح الفن فى الوجود ويثير انماطا من التفكير الذى لا تصف فيه ، وقد ألفنا هذا الشعر الذى وصل إلينا مع مواريثنا العريقة فى تاريخ أدبنا العربي منذ امرىء القيس إلي شوقى . فإذا هتف شاد بشعر غير موزون ولا عليه قافية لم نطرب له ، وما وجدنا إلى اليوم المعنى الذى يجسر على الصيحة بتلاحين غير موزونة ، وفيم يصنع المعنى ذلك وليس له ما يستقر عليه من الأنغام بعد أن يفتقد الوزن والفافية ، وكيف يستطيع شاعر أن يقوله وقد تعطله عنصراء الأصيلان . ما أشبه هذا الشاعر : وذاك الغني يطير مقصوص الجناسين . كل ذلك مواريث وعادات صقل الزمن شاعرنا عليها وعودنا أن تأتى بالشعر وهو متدثر في بردين من الوزن والقافية . لكن هذا الميراث حين يبدو لنا عاريا يفزعنا منظره لأننا لم نألف نعربه فهو كالشجرة ، جمالها بورقها وأثمارها ، ولو أن هذه الآثار حين خلقت خلقت عارية فرعاء ، حتى ألفنا عربها وانطلاق غصونها ، لنبا الطرف عنها وهي كاسية مثمرة . كل ذلك أقوله لا لأدافع عن كتاب ظهر حديثا فى عالم الأدب . ولا لأصد عنه ما قد يكون من تيار الناقدين حين يثورون مستمسكين بميراث الوزن والقافية ؛ فليس فى جانب الرضاء عن هذا الشعر إلا القليل ممن
لا تعوق أذواقهم فروض البحور . لقد قرأت كتاب " بمن " فبدأ لي عمق فى ما أقرا وخيال وثاب نري اكان يسحرنا الشعراء كثيرا ينتميق الوزن وتزويق الغاقية وتسابيح الصناعة حتى كنا تتقهى ذلك الطعام من كثرة ما عليه من أقاويه وتوايل . لقد جاءنا الأستاذ ألبير أديب بشعر منشور كأنه أزاهير لا تضمنها طاقة . أو نكبات لا ينتظمها سلك على جيد ، وإنما يضمها صاحبها على براحيه متوهجة سابية . هنالك يصح أن يعطي الحكم الحق على القول وهو يبدو شعورا محضا وفكرا مجردا .
حين انتهيت من قراءة القطعة التى عنوانها أنغام والحان ، أخذت أفك الرموز التى نسجها عليها قائلها . فتراءى لى الشاعر الذى قصده وصوره . كذلك كانت تسبح روحي فى تهاليل ذلك الشاعر حين كنا تحت جنح مساء يقرأ لنا قصائده . وكنت مثل الأستاذ ألبير أديب يخشع قلبى لإنشاده . وكنت اتخيل عند تلك العثيات اللبنانية أنه أحد حفدة أبولون وقد تحدر إلى خطوط بيروت من صوب جبال الإغريق
لا أشك فى أن الأستاذ ألبير أديب قد تأثر حبا من الزمن فى أقواله هذه بمنظومات بيبر لوسيس ، وخاصة أغاني بيليتيس القبرصية . ففي أقوال بليبس وصديقنها منازيديكا تلاوين من هذه الرموز الحلوة المازحة التى يشرد الدهن وراءها بعيدا أو يغط وجوده فى بحار من الفكر والشعور والتصور . كما سيطر على الأستاذ أديب روح ميثولوجية منتوعة من الأدب اليونانى . ولقد بحثت فى المجموعة على تعبير يجئ موزونا فلم أجده . ولست استغرب نسق الأداء في إيراد العبارة تحت العبارة فى جملة أو كلمات أو كلمة ، ذلك لإمهال القارئ فى إضافة المعنى والتدبير ، أو لأن كل تعبير له اندفاعه الفنى عند قائله ولدى سامعه ولم يكن هذا متأثرا . ولو مضي الكلام بعضه إلى جانب بعض لجاء مقالا ولم يكتسب صفة الشعر الرمزى . وحيثما جولت فى هذه المجموعة الأخادة كانت تمر بخاطري مسارة من أقوال التوراة والإنجيل ، فإن الطوابع قد تتشابه
علي . وكم خاطر فى انشودة الأناشيد أو مزامير داود كنت أوتر أن يكتب لنا يمثل لغة ألبير أديب التى فيها دقة وصقل وصفاء .
أما اسم المجموعة فهو " لمن " ! وهذا اللفظ الوف الإجابات . إنه مثل صوت بين ألف جبل كل جبل يردد صداء ، فمن الهوى ؛ ولمن الشكوى ؟ وان يقال هذا الشعر ؟ ألمارفيه أم لمنكريه ، أم يروح مثل نغمات شريدة فى وادي الزمان ، تبكي فيها الأحلام . أو تضحك لها الأوهام .
