تأليف الدكتور محمد كامل حسين مدير جامعة إبراهيم - مطبعة مصر - ص ٢٢٠ من القطع الوسط
عرفت أدب الطبيب محمد كامل حسين فى مقاله الذى خبره بالكاتب المصرى منذ بضع سنوات عن الشاعر المنفى ، فعحبت يومئذ لجراح العظام كيف لم تصرفه هذه الجراحة الدقيقة القاسية عن تحليل الشعر والغوص على معانيه .
وليس هذا بمستغرب ولا مستكثر على عالم جمع الله فيه العالم ، وهل كان الطب إلا دنيا بعيدة الأغوار مترامية الأطراف لا يدرك كنها إلا الأطباء الذين راح العرى يعجب لشأنهم فى الإدراك والتشريح
وما يضير الأدب إذا شاركنا فيه العلماء ، فإنهم يدخلون عليه بصائرهم الواعية ويرونه بأعين قد لا يراه بمثلها ، وكم من عالم كانت له مشاركة فى الشعر والأدب فأبدع فيما عجز الأدباء عنه وهم بمنأى عن العلم ونظراته ومقايبسه ، وينبغى لنا معشر الأدباء أن نتقبل أدب العلماء فقد يكون فى آثارهم وآرائهم تسديد لفنوننا الضالة وتقويم لمناهجنا المموجة وعلى هذا الغرار ترى فى آداب الأمم المعاصرة علماء إذا خرجوا من مختبراتهم ودور تجاربهم مكدودين مضجرين من طول النظر والتحليل فى أعماقهم ، طوفوا تحت ظلال المساء فى دور التمثيل وندوات الفن فشاقتهم الموسيقى وعزهم القصيد أو التصوير .
وهذه ظاهرة جديدة فى شرقنا العربى ، فقد طرينا لخفقات الجوندول جاد بها مهندس مصرى شاعر ، ونطرب اليوم لطبيب العظام فى كتابه الجديد ، إذ يغزو مملكتنا ويتجح فيها مخلا مكانته كأديب موهوب .
لقد كتب مؤلف " متنوعات " صفحات عن المتنى حلل فيها خصائصه النفسية تحليلا علميا ، وعلل بواعث تعقيده فى شعره تعليلا منهجيا ، فأبو الطيب عند الطبيب الجامعى ذو حرص مادى ظهر أثره فى بعض قصيده ، فإذا راقت الشاعر فكرة ولو كانت غثة تافهة أخذ يكررها
وبعيدها ويخلق لنفسه صعوبات في صوغها وأدائها لكي يخادع نفسه في قدرته على التخلص من ورطات الوجود .
وخالف الطبيب ما أجمع عليه نقاد الشعر الذين أشادوا بشجاعة المتنبى وعلو همته . إذ انه رأي النجاح الذى أدركه أبو الطيب قليلا إذا قيس بآماله وطموحه ، وليس هذا فى رأيه طعنا فى المنفى وشعره ، لأن فيه صفات كامنة غير ما دل عليه ظاهر قوله . وقد استطاع المؤلف أن يستعين بعلم النفس التحليلى . فكان موضوعه هذا تجربة موفقة من تجارب هذا العلم فى الأدب ، وهو إذ يقوم به لا يخرج على علمه وطبه . ولم يصنع صنع المفتونين بذكر المنهج والخوض فى دراساته ، فإذا تناول أحدهم أثرا أدبيا بالنقد أرسل فيه معوله هداما زاعما أنه أدخل فى نقده علم النفس ففتح فيه فتحا جديدا .
على أن الدكتور محمد كامل حسين جاء بجديد فى تحليل هذا الشعر الذى وضعه على المشرحة لا ليجهز عليه بل ليعالج ضعفه ويتبين أسبابه ، ولو تغيرت دورة الزمن فكان أبو الطيب معاصرا بمصر الطبيب المؤلف فخف إليه مداويا مواسيا إذ أدركته البرداء فخفف عنه زوراتها الثقال ، بل ليدل مجرى شعره بمصر حين لقى الخيبة عند كافور .
ولست من رأى المؤلف فى أن خير شعر المتنبى ما قاله بمصر ، فإن جودة سيفيانه وصور الحرب لديه أبقى وأروع ولقد تجلى الطبيب على أبى الطيب حين جرده من الرفق والإبداع ، وقال إن شعره عقلى محض ينقصه الشعور الإنسانى الرقيق والصور الحسية التى كان فيها أبو الطيب شاعرا بفكره لا بحسه وخياله .
وفي مقال الطبيب عن أستاذه الجراح العالمي الدكتور على إبراهيم خطات الصلة الوثن التى ربطت بين طبيبين أحدثنا في مصر آثارا مرمو موقة ؛ وإن مجلس التلميذ أول عهده بأستاذه
منذ ربع قرن ممتلئا إعجابا وتقديرا ، ومجلسه الأخير وهو على سرير الموت مشهد رائع فاجع ، صور فيه المؤلف شعوره فى المجلسين ؛ والذى طار بفكرى وأنا أقرأ هذا الموضوع مشهد سقراط وهو على فراش الموت وقد أخذ يحدث تلاميذه وفيهم أفلاطون حديثا كان درسه الأخير ؟ فليت المؤلف تبسط فى مثل ذلك مع أستاذه الذى أطبق عينيه على دنيا مصر وهو آمن مطمئن بأنه خلف فيها أنداده . ولقد استطاع الطبيب محمد كامل حسين أن يصور على إبراهيم فى مواهبه ومزاياه ، وفى الجراحة التى رآها صورة من نفسه ، وحسيه أن جعل الطب فى مصر مصريا أعد له وسائل الإتقان ولم يجد المؤلف وصفا لهذا الجراح أكثر دلالة عليه من أنه كان بناء ، شيد كثيرا وأقام كثيرا فى الطب والعلم والاجتماع ، وكان من رأيه أن يبدأ كل شئ صغيرا ثم ينمو ويترك للتطور الطبيعى ، فكان يكره الطفرة ولا يحب الهدم والتفويض .
وعلة العلل في شرقنا العربي أن كل شئ عندنا يبدأ كبيرا أو متعددا ثم يصغر أو يموت ضئيلا عليلا .
وهنالك فى " متنوعات " موضوعات علمية كتاريخ الطب عند العرب والكيمياء القديمة ، تناولها المؤلف بتفصيل مستحب ، وتحليل قائم على تتبع ذاتى وملاءمة روحية . وخير ما يستطيع أهل الفكر والتأليف أن يعالجوه من الموضوعات ما كان لصيقا بميلهم وطباعهم ، فإنهم يمحصونه ويمارسونه بإتفان وسداد ، ولو ان العلماء انصرفوا إلى مثل هذا لأفادوا الجمهور ، فما من شيء أعدى على العلم من أن يتصدى له غير أهله .
وإذا شاء الناقد أن يحلل هذا الكتاب فإنه يراه جامعا صفتين هما العلم والأدب ، فإذا جال المؤلف فى نطاق الأول فتكلم على القرآن والقصة والمتنى والحرمان ، لم يكن ذلك فى التمكن والتعمق دون جولته فى الثانى ، كل ذلك فى أداء محكم ، ولغة قويمة وتحليل شائق .
أما العنوان فلم يحأ المؤلف باختباره وقد حياء " متنوعات ، زهادة منه في التكلف . ولكن طابق هذا الأسم خواء خير منه لووان أدل عليه وأغرى بما تضمنه الكتاب
( القاهرة )
