طبع بمطبعة مصر في نحو ٢٢٠ صفحة . وهو كاسمه موضوعات متنوعة ، بعضها أدبي كالكلام على المتنبي ، وجو الإصلاح ونحو ذلك . وبعضها علمي كتاريخ الكيمياء القديمة وتاريخ الطب عند العرب ، وكلها ظل لصاحبه ، إذ مزج العلم بالأدب ، والأدب بالعلم . ولعل أروع هذه المقالات مقالة عنوانها " أقدم رسالة علمية " وصف فيها فلاحا مصر لم يتجاوز العشرين من عمره . كان منذ نيف وخمسة آلاف سنة ، حينما كان فرعون مصر يبني أهرام الجيزة ، ويعمل في بنائها آلاف من الناس ، وفي كل يوم ، يخر من بين هؤلاء العمال كثير ، منهم صرعي أو جرحي . وعهد إلي هذا الفلاح أن يعنى بأمرهم . فكان يدرس كل حالة يراها ، أما رجال الدين فكانوا يعالجونهم بالتعاويذ ، وأما العوام فكانوا يرون أن الجن لبستهم ، وأما هذا الفلاح فكان بضع يده على المخ ليعلم إن كان ينبض أو لا ينبض ، وفيه أمل أو ليس فيه أمل ، ويعالج كل حالة بما يناسبها ، ومن طول ما مارس من التجارب ، أصبح طيباً ماهراً ، لأتخيب فراسته ، فهذا قابل للشفاء . وهذا سائر إلي الفناء
وقد دون تجاربه هذه كلها في رسالة ، لعب بها التاريخ زمنا طويلا ، يخفيها ويبديها ، حتي عثرت في الأيام الأخيرة جمعية أمريكية للأثار على نسخة ناقصة من هذه الرسالة ، وضعت في قبر قديم من قبور قدماء المصريين . لعلهم حسبوها تعويذة ، أو كتاب الموت ، ثم وجهت هذه الجمعية عنايتها بها وترجمتها من لغة قدماء المصريين إلى اللغة الإنجليزية . وعنيت بترجمتها عناية كبيرة . وكان كل من قرأها أعجب بها إعجاباً بالغاً ، وعجب كيف يصل فلاح جاهل إلي مثل ما وصل إليه .
لقد ظل العالم قرونا طويلة يسير في طبه ومعالجته على قول أبقراط اليوناني وطبه الذي يعني بالفلسفة اكثر
من العمل ، وسار على نمطه ابن سينا والرازي وغيرهما من الأطباء إلى أن رأي الطب الحديث كثيراً من الفشل في هذه الطريقة ، واهتدي إلى أن أحسن علاج هو الاعتماد على الطب العملي الذي سار عليه هذا الفلاح المصري . ولم يهتدوا إلي هذه الطريقة إلاً في الحرب العالمية الأولى ، فغيروا عقليتهم . وغيروا علاجهم .
ولنقص علي القاريء نوع العلاج العملي الذي وضعت له هذه الرسالة ، فيقول هذا الفلاح مثلا :
إذا فحصت رجلا عنده جرح في رأسه ، نافذ إلي عظم جمجمته دون قطع ، فيجب أن تضع يدك عليه ، فإذا وجدت جمجمته سليمة دون نفاذ أو شق أو كسر فيجب أن تقول : إنه رجل عنده جرح في رأسه ، وجرحه ليس له شفتان . وليس به شق ، وتقول إنه مرض سأعالجه ، ويجب أن تربط عليه لحما طريا في اليوم الأول ، وتعالجه بعد ذلك بالدهن والعسل والكتان كل يوم ، حتى يبرأ .
وهكذا يصف في بساطة كل حال وعلاجها ، ويشرح هذه الحالات حتى يبلغ إلى ما يضيف على أربعين حالة في مثل هذا الوضوح وهذا العلاج العملي . وقد أصبحت هذه الرسالة محوراً للطب الجراحي الحديث ؛ ومن أجل هذا الطبيب وأمثاله شهرت مصر بالطب ، كما وصفها هيرودوت وكم في الروايا من خبايا . فلعل كثيرا من العلوم الرياضية والفلسفية سيكشف عنها التاريخ ، فيعلم أن مصر كان لها الحظ الأوفي في ذلك كله .
والكتاب كله على هذا النمط مع التنوع ، ينقلك من المتنبي إلى ترجمة علي باشا إبراهيم ، إلى الكلام في محنة خلق القرآن . وما يقابلها عند المسيحيين ، إلى تاريخ العلوم عند العرب ، وهكذا ،
