الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 628الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, مسرح المجتمع، تاليف توفيق الحكيم، ٧٨ صفحة من القطع الكبير - ١٩٥٠ - مكتبة الآداب

Share

عرفت توفيق الحكيم ثلاثة أنواع من المعرفة : الأولى روحه أو أدبه مما قرأت له ؟ فأعجبت بهذا اللون من الأدب الذي يعرضه . وسنحت الفرصة أن ألتقي به في مكانه المختار الذي كان يختلف إليه بشارع قصر النيل فعرفت شخصه وهيأته . ثم كانت للمعرفة الثالثة في هذه السنوات الأخيرة بندوة الثقافة . فرأيت فيه محمدثا بارعا يأخذ بألباب المجلس ويعد زهرة أدبية رشيقة لها طابعها الفريد في جملة الحاضرين

والتقيت به قبل صدور كتابه الأخير فأخبرني أنه سوف يصدر قريبا ، ويود أن يهدي إلي نسخة منه لأنني

أهديت إليه كثيرا من مؤلفاتي ، ولم يهد إلي بعد شيئا . وافترقا علي هذا الوعد ، ولكن الشواغل صرفتني عن الوفاء بالزيارة ، ولم تعد صحتي تسمح بالتخلص من الدار والاختلاف إلى الأصدقاء ، وقد اكون قد تحرجت من لقائه . ولكن يشاء القدر أن أزور الناشر يوما ، فإذا هو يهدي إلي

نسخة " مجلدة ، من كتاب " مسرح المجتمع " لتوفيق الحكيم ، فقلت في بالى : هذا قضاء محتوم ) وفضل من الله عميم .

وانصرفت بالكتاب وهو ضخم الحجم لأنه يحوي بين دفتيه ثمانمائة صفحة من الورق الجيد ، وهو لهذا السبب بلغت النظر ، ومررت بدار أحد أقربائي قبل العودة إلي داري ، فسألتني ربة البيت : ما هذا الذي تحمل ؟ قلت لها : هذه تمثيليات توفيق الحكيم ، ولعلك قرأت بعضها في الصحف . قالت : لا والله لم اقرأ له شيئا ، إذ ليس عندي فراغ من الوقت . قلت لها : هاهو الكتاب

انظري فيه ، فهذا فن جديد طريف . وما إن شرعت تقرا التمثيلية الأولى " بين يوم وليلة " حتى استغرقت استغراقا كاملا في القراءة ، وانصرفت عن تحيتي والترحيب بي . فلما فرغت من قراءتها ، استأذنتها في اصطحاب الكتاب بضعة أيام ريثما أكتب عنه ، ثم أعيرها إياه لتتزود من هذا الفن

الذي اعجبت به واشتاقت له .

قالت السيدة التي اطلعت على تمثيلية توفيق الحكيم لأول مرة ، ولم تتأثر في حكمها برأي سابق ، أو هوى ، أو معرفة بأصول الأدب وأسرار النقد : " والله ان هذا الكاتب ليصف الواقع وصفا صارقا ، كأنه يحكي ما يجول في أنفسنا " . وهذه شهادة " محايد " على أدب الحكيم وقديما قيل : لم كان المتنبي أشعر الشعراء ؟ فقال أحدهم : لأنه يحكي خواطر الناس .

ومغزي تمثيلية " بين يوم وليلة " ما يتصف به الكثيرون من النفاق والتلون وطلب المنافع تقربا من ذوي السلطان فإذا ولي السلطان عنهم أشاح الناس عنهم بوجوههم . وتنكروا لهم ، هي قصة مدير مكتب أحد الوزراء ، انصرف عن الوزير عند استقالة الوزارة وبسط فيه لسانه . واستعد لاستقبال الوزير الجديد ، ولكن الله خيب ظنه فعاد الوزير القديم . وسرعان ما انقلب مدير المكتب فليس ثوب النفاق . وذهب إلى بيت الوزير يعرض عليه الأوراق ، بعد أن أرسل خطاباته مع الساعي . فانظر إلي الحوار بين الوزير

ومدير مكتبه ، وكيف يمعن المدير في الكذب . الوزير : أهلا بمدير مكتبنا المخلص ) بنبرة تهكم (

مدير المكتب : دائما يا معالي الوزير الوزير : طبعا . .  دائما وفي كل وقت . حتى بعد الاستقالة

مدير المكتب : هل عند معاليك شك في إخلاصي ؟

الوزير : ) متهكما ( أبدا حاشا لله وهل هناك إخلاص أشد من أن تدخل بيتي بعد استقالتي وتودعني ذلك الوراع المؤثر . . دون أن تخاف أو تهرب .

مدير المكتب : أودع معاليك ؟ لماذا ؟ ... لا يا معالي

الوزير . . انى لم أرد أن أجيئك مودعا ، لأني كنت عميق الإيمان بك وبعودتك في الوزارة الجديدة . . الخ

يقول توفيق الحكيم في مقدمة الكتاب : " إن التمثيلية ذات الفصل الواحد كان لها فضل في تصوير المجتمع في أوضاعه العديدة المختلفة . . فقد استخدمها لهذه الغاية

مولير ودي موسبه وماربقو وتشيخوف . . إلخ فالعمل على إقرارها أيضا في الأدب العربي لما يمكن لهذا الأدب العريق في أساليب أدائه ، وينوع له في وسائل تعبيره . .  أقول : التمثيلية التي تصور المجتمع قديمة ، وهي على التحديد بونانية ، وقد مرت بدورين : الأول يمثله أرستوفان ، ولا نود أن نعرض لخصائص فنه . والدور الثاني يمثله ميناندر وفيلومون ، وتسمى " كوميديا العادات أو الأخلاق . وكان ذلك بعد وقوع أثينا في أيدي المقدونيين ، وابتعاد المسرح عن السياسة ، والانصراف إلى تصوير الأخلاق والعادات ، وكانت تمثيليات ميناندر هي النموذج الذي احتذي باوتوس وتيرنس في روما مثاله بعد ذلك . جملة القول أن أصول التمثيليات يوناني ثم انحدر إلي الآداب الحديثة بعد أن تطور في أسلوبه وموضوعه وطريقته بما يلائم كل عصر ويتفق مع مزاج كل شعب .

والتمثيلية دخيلة على الأدب العربي ، ولم ينقلها العرب في عصر الترجمة مع ما نقلوا من فلسفة اليونان وعلومها ، ولذلك كان توفيق الحكيم صادقا في قوله إنه يريد أن يعمل على إقرار هذا الضرب من الأدب في لساننا . ولن يستقر هذا اللون الجديد إلا إذا تعدد الأدباء الذين يؤلفون بهذه الطريقة ، وإلا إذا مثلت هذه المسرحيات على المسرح حتى تصبح قطعة من الحياة ويتلقاها الجمهور متحركة ناطقة تدب الروح في أوصالها ، ولكن المسرح المصري مع الأسف الشديد لا يزال طارئا على الحضارة الشرقية لم يلقي التأييد من الجمهور والذيوع والانتشار

ومع ذلك فلا يوجد عندنا في مصر بل في الشرق العربي كله إلا توفيق واحد ، هو توفيق الحكيم . وهذا دليل الأصالة . وآية على صدق الفن وشخصية الفنان ، ونحن لا نود أن يظهر اديب أو أدباء يقلدون توفيق الحكيم لأن المحاكاة مفسدة للفن الحق . وحتى لو شاء أحد أن يحاكي أسلوب الحكيم وطريقته ما استطاع إلى ذلك سبيلا ؛ وعلة ذلك أن التمثيلية كلى لا يتجزأ ، في موضوعها وفكرتها وطريقة عرضها وأسلوب حوارها ، وهذه الوحدة الفنية تصدر قبل كل شئ عن الأديب وتنبع من وحي نفسه . وقيل إن عين الأديب أو الفنان نافذة يطل منها على ميدان الحقيقة

وعين توفيق تري المجتمع المصري من زاوية خاصة علي خلاف ما تراه أعين الناس . الحق أنه من الغريب أن تقع العين على الظواهر الاجتماعية فلا تلتفت إليها ، ولا تدركها ، فإذا بالفنان يرى في هذه الظواهر ما لا يراه غيره ، وذلك لطول ألفتهم لها .

والمفتاح الذي نعرف به سر فن توفيق الحكيم هو طريقة إدراكه للظواهر الخلقية والاجتماعية ، وهذه الطريقة هي العارفة أو المقابلة بين الشخصيات بحيث يقع بينها تباين شديد وتقابل عظيم تلحظ معه الفرق بينهما ؛ وقد عمد إلي هذه الطريقة في عودة الروح . وفي بعض تمثيلياته المنشورة في هذا الكتاب ؛ ففي تمثيلية " لو عاد الشباب ، يجده يعيد شيخا بلغ الثمانين شابا في الخامسة والعشرين ، وها موضع التقابل والمفارقة ، لشخص هو هو . ولكنه أصبح يتحدث بعقل شيخ يجرب عرك الحياة . . ولكن قلبه عاد شابا . وكذلك جسمه .

وبستتبع هذا التقابل في الشخصية الواحدة أو الشخصيات المختلفة ، أن يبث فيها الحياة ، ويجري على لسانها الحوار وهذه براعة أو هبة أصبحت عند توفيق الحكيم بمنزلة الطبع لعلول ممارسته هذا الضرب من الكتابة ، حتى أصبح يجري قلبه سهلا يسيرا ، لا افتعال فيه ، ولا تحس معه بغرابة .

وننتقل إلي سر ثالث يمتاز به ، فن الحكيم ، هو عنصر المفاجأة المستمر من أول التمثيلية إلى آخرها . فقد درجنا في الأدب العربي أن نقرأ الأقاصيص أو الحكايات للرتبة التي تبدأ بداية منطقية تطابق الواقع المالوف في الحياة ، فتحس وأنت تقرأ الحكاية " أنك تعرف نهايتها . وتستطيع أن تتنبا بما سوف يقصه عليك القصاص ، ولكنك لا تستطيع إذا بدأت تقرا تمثيلية من تمثيليات الحكيم ، أن تعرف ماذا يأتي بعد ذلك ولا كيف نتطور الحوادث . ولا كيف يجيب المسئول ، وهذه هي العلة في اللذة التي تحسها عند قراءة تمثيلياته . والشوق الذي يدفعك إلى الاستمرار في القراءة دون انقطاع

وينشأ عن هذا كله اعي التقابل الغريب بين الشخصيات والتصارع بينها واختلافها في سلوكها وحديثها عن المالوف المتعارف عنصر جديد هو عنصر الفكاهة . ولذلك كانت

هذه التمثيليات أقرب إلي الكوميديا اليونانية التي حدثتك عنها في أول هذا الكلام في تمثيلية ) بين يوم وليلة ( يذهب خطيب ابنة الوزير إلي بيته بعد أن فتح الخطاب الذي كان أرسله طلب فيه تحديد موعد الزواج ، وغير هذا الموعد حين علم بسقوط الوزارة ، فلما عاد الوزير إلي الوزارة ذهب يحتال في أخذ الخطاب ، ونادث الخطيبة كلبها " بوبي فهم الخطيب يريد انتهاز هذه الفرصة للخروج ، فقال له الوزير : إنها تنادي بوبي فقال الخطيب وما في ذلك ؟ أنا بوبي

وسر آخر في فن الحكيم أنه ينفذ إلي صميم الروح المصرية في استعمال العبارات حتي الدارجة منها ، وفي معرفة الأخلاق والتقاليد وفي الوقوع على المكينة البارعة ، وفي معرفة اللغة التي تطابق كل شخصية ويليق أن يتحدث بها ، مما يجعلك تحس بواقعية هذا الفن وعدم افتعاله وانه قريب من قلبك .

وبعد فإنا نود أن نري بعض التمثيليات على مسرح الأوبرا قريبا لأن هذا مكانها

اشترك في نشرتنا البريدية