الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 665الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, مصر الخالدة، تأليف الأستاذ حسن بك جوهر

Share

لم يكن المؤرخ الشهير العلامة برستد مبالغا يوم قال : " إن المدقق في تاريخ العالم لا يرى مناصا من القول بأن مصر أم المدنيات والحضارات على الإطلاق " .

فقد قامت هذه الحضارات على ضفاف النيل الوادع الجميل منذ آلاف السنين ، فأشرقت شمسها على ظلام العالم البائد ، المكبل بوحشيته وهمجيته وانحطاطه ، فما أسرع " ما قيمتها اثينا ومشت على هدى منها روما ، وشع منها نور على العالم القديم  ( ١ ) .

في ذلك الوقت الذي قامت فيه هذه الحضارة الخالدة التي بهرت عالمنا هذا الحديث ، وبلغت من العمر سنين عدة من السنين ، لم تكن يونان يومئذ سوى تجمعات من القبائل المتبربرة بلغت من البؤس والوحشية مبلغا ضربت به الأمثال ، وقل مثل هذا في سائر ما عرف التاريخ من أناس في أرجاء المعمورة . في هذا الوقت كانت مصر ترفر مزهرة بمدنها الآهلة ، ومبانيها الرائعة ، وزراعاتها المبتكرة . وصناعاتها الفريدة ، وتجاراتها الواسعة ، وثقافاتها المتعددة . ومدنياتها الخالدة التى كانت وما تزال مهبط الأفئدة وبهر الأبصار ، وموضع الإعجاب والدهش في كل بقاع العالم وعن هذه المدنية العظيمة أخذت جميع المدنيات ، حتى إن كلية معبد ( رع ) الدينية بلغ عدد طلابها اثني عشر ألفا في عهد رمسيس الثالث من مصريين وأجانب كانوا ناقلي تلك الثقافات والمدنيات الرائعة إلى بلادهم فيما بعد . قال العلامة ماسبيرو في تاريخه عن هذه الكلية : " إنها هي التي أظهرت علم اللاهوت وعلوم الفلسفة في أقطار الدنيا ( ٢ )

ولقد كان للحياة الرافهة المستقرة ، وللعقيدة الدينية عند

قدماء المصريين أثرهما في إخراج علوم الطب والفلك والهندسة والحساب والحكمة وغيرها إلى حيز الوجود ، مع البلوغ في بعضها كالطب مبلغا عجز عن إدراك شأوه أطباء القرن العشرين بعد الميلاد ؛ كما أخرجت مصر هذه ألوانا أخرى من الفنون والآداب والشعر والموسيقي والرسم والنحت ما زالت مثلا عليا للفن الراقي الجميل الرائع ، يتأثر بها الفنانون في إنتاجهم إلى يومنا هذا ؛ وفي مدارسها أيضا تخرج الفن اليوناني والروماني ، وعن هذين أخذ العالم أجمع . فمصر إذا سيدة الأمم طرا ، وصاحبة الفضل والجميل على سائر المدنيات والحضارات ، لأنها بحسب عبارة ( برستد ) " أم المدنيات والحضارات " ولهذا كان تاريخها شغل العالم الشاغل منذ آلاف السنين إلي يومنا هذا ، فما زالت دول العالم المتحضر في أوربا وأمريكا تتسابق في بعث البعوث إلى مصر ، وإنشاء المعاهد الخاصة بتاريخ مصر وأمجاد مصر ، وإفراد المجلدات الضخام الخاصة بمصر ، وبرغم هذا كله فإنهم لم يعرفوا إلا القليل عن مصر ، ولهذا أيضا صارت مصر باثارها وتاريخها كعبة السياح الذين يفخرون بأنهم يوما من الأيام زاروا مصر ، وقبلة المتعطشين إلى معرفة شئ ولو يسير عن " أم المدنيات والحضارات " وبهذا صارت مصر القديمة مورد بركة وثروة جليلة لمصر الحديثة من الناحية الأدبية والناحية المادية كذلك ؛ فيا له من تراث خالد ذلك الذي خلقه لنا أجدادنا الفراعين .

( مصر الخالدة ) هذه التي أسلفنا بعض الحديث عنها هي موضوع الكتاب الأخير الذي أخرجه للناس هذه الأيام صديقنا الأستاذ حسن بك جوهر مراقب عام منطقة القاهرة الجنوبية التعليمية ، والأستاذ جوهر كما يعرفه الذين قرأوا

كتبه ، لاسيما كتابه عن ( الحبشة )  ، ( في ربوع السودان ) وأيضا ( أقاصيصه ) الممتعة ؛ أديب سلس التفكير سلس التعبير قيل أن يكون مؤرخا ، وهو إلى جانب هذا عالم غزير المادة واسع الأفق ، دقيق النظر ، جم التواضع ؛ ولقد قدم بإخراجه كتاب ( مصر الحالدة ) هذا الإخراج للفن الجميل - خير هدية يمكن أن تقدم إلى القارئ العربي والمكتبة العربية ، إذ وفق في معالجة هذا الموضوع الخطير إلى حد استحق معه كل ثناء وتقدير ، ولعل ميزة هذا الكتاب التي انفرد بها ، أن مؤلفه حاول جهده أن يكون صورة واضحة المعالم للحضارة المصرية القديمة من حيث هي ، ومن حيث نظرة الأمم إليها ؛ فهو لم يضيع وقته ولا وقت قارئه في تفاصيل المعارك الحربية ، واختلاف المؤرخين في تعليلها ، شأن أكثر الذين كتبوا عن مصر القديمة ؛ وإنما هو يمر بك سريعا خلال هذه الحريات ، فلا تحس سوى لمسات خاطفة قد تقتصر على ذكر نتيجة المعركة وما يستتبع ذلك من موت أسرة وقيام أخرى ، أو بعبارة أخرى ، موت حضارة وقيام حضارة ، فالحضارة بمقوماتها من ثقافة وفن وعمارة وصناعة وزراعة واقتصاد وفلسفة ودين وأخلاق وعادات وما إلى ذلك ، هي كل ما يعنيه المؤلف بكتابه هذا ؛ وهو يعرض عليك هذا كله عرضا قصصيا جميلا أخاذا ، ينقلك عبر الزمن آلاف السنين ، فلا تحس إلا أنك تسمع وترى وتحيا في هذه الحياة الفرعونية المجيدة . ثم يأبى المؤلف إلا أن يعرض عليك مقدار فهم الأمم وحيرتهم في تعليل هذه الحضارة الخالدة ، فيسبح بك مع مؤرخي العالم القديم والحديث حيث تشاهد اليونان والرومان وبعض الغربيين ينسبونها إلى العظمة المستكنة في مصر ؛ ولكنك لا تلبث أن ترى مؤرخي العرب القدامي كابن إياس والبغدادي لا يرونها أفعالا إنسانية ، وإنما هي في نظرهم شيء خارق وفوق حدود الطاقة البشرية ، لهذا تراهم ينسبون هذه الحضارة إلى فعل السحر والجان !!.

وفي الكتابة تجديد من ناحية البحث العلمي والموازنات التاريخية ، والأسلوب الأدبي الممتع والتنسيق الجميل ، وهو يضم بين دفتيه عدداً من اللوحات الفنية المنقولة عن أصولها

القديمة بلغت غاية الروعة والجمال وكتلك التي للراقصات بين يدي فرعون ، والتي للعذراء مريم مع المسيح عليه السلام ، وغيرها من لوحات رائعة لا تكاد تخلو منها صفحة من الكتاب ، وإن كنت أؤاخذ الأستاذ الفاضل في أنه ترك بعضها مجهول النسب ، وحبذا لو تدارك هذا في الطبعة القادمة فنسب كل لوحة إلى الجهة التي عنها أخذ ، فليس كل القراء درسوا الآثار القديمة لدرجة يسهل عليهم معرفة أصول هذه اللوحات . وكنت أود كذلك لو أن المؤلف ترك نفسه السمحة على سجيتها فأعفاها من إيراد بضعة ألفاظ قد يعسر فهمها أو تبدو نشازاً في أسلوبه الواضح الهادئ ، مثل الظران ص ١٠ والطوطمية ص ٢١ والنجم والشجر ص ٩ وهد الحيل في صفحة ١٤١ ، فهو وإن كان عربيا إلا أن كثرة استعمال السوقة له تجعله مبتذلا . ولكم غبطت الأستاذ على لغته السليمة وإبراده تراكيب فصيحة تفيد المشتغلين بالترجمة الأدبية إلي العربية من اللغات الأجنبية ، لأن أكثر الكتاب حتى الآن يعتبرونها أساليب أجنبية ، كقوله في صفحة ١٢٠ " فلما مثل ( ددي ) الساحر بين يدي الملك قال له : ( أين كنت تكون ) ولم لم أرك قبل اليوم " ، فالتعبير ( أين كنت تكون ) يوهم بالأجنبية ، ولكن الأستاذ جوهر يؤكد عربيته الأصيلة وتساعده ذاكرته القوية فيرينا التعبير برمته في كتاب ( كليلة ودمنة ) ص ٥١ طبعة المعارف . إلى آخر هذه الاستعمالات المفيدة التي جعلت من الكتاب غرضا أدبيا بجانب أغراضه التاريخية .

وقصاري القول أن الصديق الفاضل وفق في بعث الحياة المصرية القديمة والحضارة المصرية القديمة بكل معانيها والوانها - صحيحة تدب فيها الحياة خلال دفتي هذا الكتاب القيم . وإننا لنهني صديقنا الأستاذ جوهر على هذا الجهد الموفق ، ونشكره على أن أتاح لنا فرصة التمتع بقراءته بإهدائه إيانا إحدي نسخه . كما نشكره على إتاحته للقارئ العربي فرصة معرفة جانب - طالما حرم معرفته - من أهم جوانب تاريخ مصر الخالدة .

اشترك في نشرتنا البريدية