الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666الرجوع إلى "الثقافة"

نقد, من شعراء الثقافة :, الحيرة, في ديوان " ظلال حائرة ،

Share

. . إن قلت إن هذا الديوان الذي أكتب عنه اليوم . . هذه الكلمة اليسيرة التى لا تتواءم مع جلال قدسيته . . لم تشهد له نظيرا المكتبة العربية والشعر العربى منذ زمن بعيد ، . لم أكن فى هذا مغاليا أو مدعيا . . ولو قلت إن صاحب " ظلال حائرة " لم تجبله يد الفنان الأعظم إلا من الشعر وللشعر . . لم أكن واهما أو متجوزا ، بل يشهد معى فى هذا كل من شاهده أو تعرف به . . فهو قصيدة موهومة حائرة . . تسعى على الأرض ومع الناس من غير وعى منها ، أو إدراك . . وإنما تسير لأنها قد ألقى بها إلى هذا الكون وقيل لها سيرى فى قافلة الحياة . . حتى إذا دعيت . . صعدت إلى نايها الأول الذي أرسلها للوجود . .

فصاحب هذا الديوان شاعر فى تفكيره وتخيله وإحساسه وشروده . . وفى حياته الفوضوية التى لاحدود لها ولاقيود ولا أقانيم . . وفى أعصابه وقوته التى تراها فيخيل إليك أنها أعصاب عملاق من عمالقة الجن . أو مصارع من مصارعى الثيران فى أوربا . . حتى إذا دنوت منه . . لمست فى أعصابه ضعف الشعراء ورقة عواطفهم . . ورأيته إنسانا تذيبه نظرات الألم الدامعة فيجود بكل ما معه من دراهم قليلة من غير وعى أو شعور . فإذا ما ثاب إلى رشده وأدركه الجوع . . ندم قليلا على اندفاعه . . ثم صبر وانتظر الغيب الذي لا يحرمه والذي أسعده بكثير من عشاق فنه ومريديه . . ولست أنسى يوما . . وقد التقيت به فى شارع من شوارع القاهرة يقطعه فى ذهول . . وكأنه لا يمشى على الأرض . حتى إذا نبهته من غفوته وذهوله إلى . . قادنى إلى مقهى متواضع قريب وأخذ يسمعنى بصوته الشاعرى قصيدته " سمراء " وهو فى نشوة عجيبة دونها نشوة المخمور فلما فرغ منها دفع ثمن الطلبات

وواصل سيره . . ولم أكن أدرك أن هذين القرشين هما كل ما معه فى جيبه . . فقد قابلنى بعد يومين تقريبا وقال : ألم تعلم بأنى لبثت هذه الليلة جائعا ، فلم أطعم زادا . . فقلت له : لمه ؟ فقال : لأنى دفعت كل ما معى فى المقهى . . وخرجت وليس معى شئ . . فقضيت ليلتى من غير عشاء . .

هذا هو العديسى صاحب الديوان الذى نتكلم عنه . . والذى لم يكتب عنه أحد لأنه ديوان شاعر عاش لنفسه وخاصته . . ولم ينتم إلى من يأخذ بيده إلى طريق الشهرة التي ينفر - والحمد له - هو منها نفاره من الجرب وقد شاء حظه أن يكتب عنه كاتب مغمور مثله . . قرأ الديوان كثيرا وأعاد قراءته فكان يجد فيه كلما أعاده لذة وحلاوة تزداد بكثرة تكراره وقراءته . . فهو شعر صادق التصوير صادق الفن . لا يلمس قلب القارئ . . دون أن يعلق به ويستحوذ عليه وينقله معه إلى أجوائه الفسيحة السامية . . والشعر لا تتوفر له هذه الخاصية . . إلا إذا كان شعرا صادقا يترجم ترجمة صحيحة عن إحساسات صاحبه وعواطفه . . ونستطيع أن نقول إن مقياس الجودة : هو قوة تأثير الشعر فى قارئه . . فإذا كان يترك فى نفس القارئ أو السامع أثرا وجدانيا وهزة نفسية عميقة وحلاوة تدركها الروح الشاعرة والقلب المرهف الحساس . . فهو الشعر الصادق فى فنه ونسجه وترجمته عن إحساسات صاحبه . . وهو الشعر الذى نحبذه ونقدره ونضعه فى قمة الفنون . .

و " ديوان ظلال حائرة " هو ترجمة صادقة لكل ما تنبض به إحساسات صاحبه . . حتى لو تيسر لفن التصوير أن يرتقى فيستطيع تصوير خلجات النفس واهتزازات الاعماق وإظهارها للعين . . لما استطاع أن يصور أكثر مما

صورة الشاعر بقلمه . . والشاعر يجعل مقياس الصدق الفنى هو المقياس المعتبر الذى يجب أن يؤخذ به . . ويختبر الشعر الردىء من الجيد . لهذا تراه يقول فى مقدمته عن شعره : " . . ويكفينى أن أقول إنه شعر يمضى محلقا بك في سماواته دون أن تحس معه أنك فقدت جزءا من إنسانيتك فهو لا ينطلق بك فى وادى التيه . . على شراع مجروح الرؤى حالم الألوان كما يقولون . . ولكنه يلمس جناحيك السماء . . وأنت . . أنت . . فى أحاسيسك الواعية وإدراكاتك البصيرة . . وهو . . هو . . فى نسجه العربى وفطرته الصادقة . . وعندى أن شرط الصدق فى الفن - هو روح الفنان . . ولا أذكر أبدا أن كلمة قد تساقطت من قلمى ولم يكن لها فى خلجات نفسى صدى وفى أحاسيس روحى رنين . . والله يشهد أنه جهد أعصاب احترقت فى معبد الحياة . . بما فيها من خير وشر وحيرة ويقين . . " .

وإذا كان لكل شاعر سمة يتسم بها شعره أو لون مخصوص تصطبغ به عواطفه . . فالسمة الغالبة على شاعرنا هذا هى الحيرة . . الحيرة المغلفة بضباب الشك . . التى تجعل الكون كله فى نظر الشاعر لغزا غامضا وسرا عميقا . . تجرى الأجيال المتعاقبة وراء حله ، ولكنها ترجع منهوكة القوى مصفرة اليدين . .

فالحياة كلها فى نظر الشاعر " قصيدة حائرة . . من الشعر الإلاهى . وما أنا وأنت إلا أنغام انطلقت من مزهر الخلود . . ولا تزال تسعى جاهدة فى حنين . . مندفعة فى شوق إلى أن تصل إلى معرفة حقيقتها وإدراك سرها . . وما عرفت الحقيقة طريقا أقرب فى الوصول إليها من الحيرة . . وما عرف الإيمان سبيلا أجدى فى بلوغ مراميه من الشك ، والحقيقة بنت الحيرة . . والشك بدء اليقين . . " لهذا أطلق الشاعر على ديوانه " ظلال حائرة " لأن الحيرة هي سمته الأصيلة التى تتجلى فيه واضحة . . وللشاعر قصيدة بهذا الاسم . .بدؤها بقوله :

حيران أضرب فى الظلام بلا هداية

أفاق ليس لخطوتى فى الأرض غاية

قد جئت فى هذا الوجود ولست أعـ

ـرف ما المصير ولست أدرى ما البداية

ومضيت يرفعنى الحنين إلى اكتشا

ف المشهد المجهول فى هذى الروايه

موت وميلاد وأسرار . . ترد

العقل منتكسا وتملأه . حمايه

ثم يمضى الشاعر فى حيرته مهوما متألما . يحدق فى السماء لعله ينفتح له باب الغيب المغلق فى دنياه فيطلع على ما يجهل . . ولكنه يعود من رحلته الطويلة فى مجاهل الفكر والتأمل باليأس والقنوط فيستسلم لحيرته وبأسه . . ويدعو الحاصد الذى يلف بمنجله الدامى أرواح البشر ليقطف غرسة عمره . . فلعله تنكشف له حقيقة ما يجهله فى العالم الثانى بيد الموت ؛

يا حسيرتى أأظل عمرى تائها

وأعيش كالأعمى وقد ضلت عصابه

إنى سئمت العيش أين منيتى

فلقد يبين الموت . . أسرار الروايه

. . وكأن هذه الحيرة قد تملكت قلبه وعقله وكل جارحة فيه . . فهو لا يرى شيئا إلا ويدرك أن وراء سره الظاهر سرا خفيا . . فالجمال والحسن سر عميق لا يدركه أبناء الفناء وعبيد الحفر .

ولكن سرك فوق النهى    وهيهات يدرى مداك البشر

وهيهات يدرك كنه الخلو   د وليد الفناء . . وعبد الخفر

وتقسيم الأرزاق بين الناس فى هذه الحياة - سر تسوقه الحظوظ وتوزعه الأقدار ، وإلا فلماذا يغتنى الجاهل ويجوع الفيلسوف .

وما نحن في الأيام إلا قصيدة       ترتلها الأقدار شهدا وعلقما

فهذا سعيد يقطر المزن . .حظه     وذاك شقى يقطع العمر ناقما

تصاريف أقدار وأحكام قادر         فسيان أن ترضى وأن تتألما

وحبيبته سمراء التى تعرف بها فى حلقة من حلقات الذكر التى تقام فى مولد السيدة سكينة . . سر غامض وأعماق بعيدة . وهو لا يعشق فيها إلا هذا الغموض . . الذى يبحث لاستجلائه الصوفية بأذكارهم وتهاويمهم . .

سمراء يا نجوى صباباتى وأحلامى وشعرى

يا من لعبت بخاطرى وشغلت بالأوهام فكرى

وتركتنى حيران أضرب فى الوجود ولست أدرى

إنى عرفتك فى الهوى وجهلت فى حبك أمرى

وعشقت فيك التائه المجهول من أسرار عمرى

وفى قصيدته " فلسفات " يكشف لنا عن سر حيرته وشكوكه . . فالعلم والبحث والمعرفة هى التى خلقت فيه هذه الروح القلقة الحائرة المتطلعة إلى اكتناه المجهول . . وود

من صميم قلبه . . لو خلق جاهلا فطريا يعتصم بدينه عن الزلل ويرضى بالقليل من العيش . .

كل شئ فى عرف عقلى بعلا           ث وبحث وحكمة ومعانى

فشعاع الصباح سر خفى                ونجوم السماء والفرقدان

ومياه البحار والريح والغيم           ودنيا الهواء . . والنيران

وخلود الأرواح والموت والبعـ         ث وحشر العباد للميزان

كل هذا وغير هذا كثير                 فيه للعقل مبحث الحيران

ثم يقول :

ليتنى كنت جاهلا فطريا         هازئا بالعلوم والعرفان

تلفح الشمس سحنتى وأغنى     بين تلك الحقول والغيطان

يشرق الفجر حول زرعى ودارى   فأصلى . . للواحد الديان

هذه هى الحيرة التى جعلت الشاعر يطلق على ديوانه . . " ظلال حائرة " وحسبى هذه الكلمة اليسيرة عن هذا الديوان الكبير الذى لم تشهد له المكتبة العربية والشعر العربى نظيرا منذ زمن بعيد . .

( كلية اللغة العربية )

اشترك في نشرتنا البريدية