فى شهر إبريل سنة ١٩٤٣ أخرج الدكتور شوقى ضيف كتابه الأول عن " الفن ومذاهبه فى الشعر العربى " يصف فيه تطور المذاهب الفنية فى الشعر العربى منذ أقدم عصوره حتى اليوم .
وفي شهر إبريل سنة ١٩٤٦ ، بعد ثلاثة أعوام كاملة يخرج لنا كتابه الثانى عن " الفن ومذاهبه فى النثر العربى " يصف فيه تطور المذاهب الفنية فى النثر العربى فى مختلف أطواره ومراحله منذ أقدم عصوره حتى اليوم . وهو يهج فى هذا الكتاب نفس منهجة فى سابقه ، وبنيهي إلى نفس الغاية من أن النثر العربى - كالشعر العربى - مر بثلاثة مذاهب فنية واضحة هى الصنعة والتصنيع والتصنع
والدكتور شوقى ضيف بهذا يتم جانبي اللوحة التى يرسمها للأدب العربى فى مختلف عصوره واقائمه ، فالكتابان يؤلفان خطين متوازيين فى تاريخ الأدب العربى تاريخاً شاملاً دقيقا .
أما أنه تاريخ شامل فهذا يتجلى فى تتبعه المراحل التى مر بها الأدب العربى منذ العصر الجاهلى حتى العصر الحديث ، وهو بأبى إلا أن يتبع هذا الأدب فى الغرب العربى كما تتبعه في الشرق العربي ، فيدرسه في الاندلس وفي مصر . هكذا فعل فى كتابه الجديد ، وهكذا فعل فى طبعته الثانية من كتابه الأول ، حيث أضاف فصلا عن المذاهب الفنية فى الشعر المصرى ، ولعل فى هذا مثلا لزوع الدكتور شوقى إلى الكمال فى أعماله .
وأما أنه تأريخ دقيق فهذا ماتحاول تجليته فى هذه الكلمة :
أول ما يلفت النظر من هذه الدقة العلمية تلك المراجع الكثيرة التى اعتمد عليها الاستاذ المؤلف فى جمع مادته ، وفى بحث الظروف التى أنشئت فيها هذه المادة ، وفى فهم الأجواء التى أحاطت بهذا الإنشاء . وهو بهذا يعد لنفسه مُتَكاً صالحاً يهيء له أن يصدر أحكامه فى صدق وأمانة ونظرة فى هذه المراجع التى تحتشد فى أسفل صفحات الكتاب تشعرنا بذلك المجهود الشاق المنتج الذى بذله الأستاذ المؤلف فى بحثه ، حتى كاد الا يترك مرجعاً من المراجع الرئيسية فى الأدب العربى وما يتصل به من
دراسات متشعبة ، بل إن الأمر ليتعدى هذا إلى دراسات المستشرقين للأدب العربى والحياة العربية ، بل إنه ايتعدى هذا إلى شئ أهم منه هو تلك المخطوطات التى بعثها الباحث من مراقدها فى دور الكتب وخزائنها ليراجع ما فيها وينتفع به . وليس الرجوع إلى المخطوطات بالأمر الهـــــين القليل الخطر ، فإنما هى مجموعة من الصعوبات لا يدركها إلا من اصطدم بـها ، وليس من شك في أن تلك المـــــــادة الخـــــــــــامة التى يعثر عليها الباحث فى تلك المخطوطات محتاج إلى جهد كبير من التحقيق ، وتستلزم مقداراً ليس بالقليل من الذكاء وسعة الاطلاع ، حتى يستطيع الباحث أن ينتفع بها ، وليس من شك في أن الانتفاع عما في هذه
المخطوطات لا يقف عند تعديل الأحكام التى يصدرها الباحث أو توكيد النتائج التى يصل إليها ، وليس هذا بالشئ القليل الخطر ، وإنما هو بتجاوز هذا إلى إتاحة الفرصة لإثارة أبحاث جديدة وإصدار أحكام جديدة ، وأمثلة هذا واضحة فى الكتاب الذى نحن بصدده فى أبحاث المؤلف فى الحصكفى وابن الشخباء وغيرهما . وإنها لبراعة تستحق التسجيل أن يستطيع الباحث هذا الانتفاع الواسع بكل تلك المراجع المختلفة منذ أقدم عصور الكتاب العربى إلى أحدث ما أخرجته المطبعة العربية من أمثال " ظهر الإسلام " الذى صدر منذ قليل ولعل فى هذا التسجيل ما يهوٌن على الأستاذ المؤلف مجهوده الشاق الذى بذله فى زياراته الــــــكثيرة لدار الكتب ومكتبة الجامعة .
ولون آخر من ألوان الدقة العلمية التى تتجلى فى أبحاث الــــــكتاب هو هذا الصبر على البحث ، وهذه الوقفات الطويلة الدقيقة أمام مصادره ، وهذا الاتزان والأعتدال فى أحكامه ، وإنها حقاً لسمات العلماء . فليست المسألة عند الدكتور شوقى يسيرة ، وإنما هو يأخذ نفسه بضروب من القسوة العلمية التى لا ترحم باحثاً مخلصاً ىي بحثه ، وبالألوان من الجهد العقلى الممتاز ، حتى جاء كتابه لم يفرط
فيه من شئ ، وهو لا ينسى انه مؤرخ عليه أن يستخلص نتائجه واحكامه من المادة التى وضعها أمامه ، فما من سبيل إلى تحيز لنتيجة بعينها ، وما من سبيل إلى تطرف لحــــكم بذاته ، وإنما عليه أن يمضى مع مقدماته حتى تسلمه إلى نتائجها . انظر إليه يناقش فكرة نشأة الكتابة التاريخية عند العرب ومدى تأثرها بالعناصر الأجنبية ، وكيف بنهيى فى ذلك إلى نتيجة ينتفع بـها فى بحثه للــــكتابة السياسية الرسمية ، ثم كيف ينتفع بهذا وبذاك فى مناقشة من يزعمون أن العرب استعاروا كتابتهم الفنية من الفرس ومن يذهبون إلى أن العرب عرفوا الكتابة الفنية منذ العصر الجاهلى ، وكيف يضع أمامك كلا الرأيين المتطرفين ومصادرهما ثم كيف ينتهى إىي رأى معتدل متــُـــزن ، أو إلى " مرحلة وسطى بين الرأيين " كما يقول ( ص ٣٥ وما بعدها ) .
وبحق ما يقوله المؤلف فى تمهيده من أن غايته الأساسية منذ الخطوات الاولى فى بحثه أن يضع " أمام القارئ الصور الدقيقة للنثر العربى فى مختلف أطواره ومراحله " محتفظاً لها بخصائصها ، فلم يعتمد على " حكاية إحساسه وشعوره إزاء نماذجها " ولم يعتمد فى مسألة على " الفروض والأوهام ، وإنما على النصوص الحسية نفسها " .
والاستاذ المؤلف فى كتابه بنٌاء ماهر خبير بفنه ، فهو قد وضع لنفسه منذ بحثه الاول فى الشعر منهجاً بقيم عليه صرحه الركين ، فقد رأى أن الشعر العربى مر بثلاثة مذاهب فنية هى الصنعة والتصنيع والتصنع ، ورفض فكرة الطبع التى تشيع فى النقد العربى ، ثم رأى ان هذه المذاهب الثلاثة مر بهــــا التثر العربى أيضاً ، فأقام على أساسها بحثه الجديد . غاية ما فى الأمر أنه لاحظ أن الصنعة والتصنيع فى الشعر يلتقيان فجمعهما معاً فى القسم الأول من بحثه ، وأفرد القسم الثانى للتصنع ، ولاحظ أن التصنيع والتصنع
يلتقيان فى النثر فجمعهما معاً فى القسم الثانى من بحثــه ، بينما أفرد القسم الأول لصنعة . ومضى المؤلف برفع القواعد من صرحه الركين فلا يضع لبنة حتى يهيء لها مستقراً تطمئن فيه . فهو يرسم أولاً صورة عنصر الذي يدرسه ، صورة غالية من الفضول ، تجمع عناصرها من المادة التى ببحثها ، ثم يضع الخطوط الرئيسية للثر فى هذا العصر، ثم يأخذ فى دراستها دراسة هادئه رقيقة ، ثم يتابع هذه الدراسة عند أشهر من يمثلها ، موضحاً المذاهب الفنية التى اتبعوها وخصائصها . هكذا منهج الدكتور شوقى فى بحثه ، شأنه فى ذلك شأن البناء الباهر ، كما قلت ، أو شأن المصور البارع يعطي للوحته أولا ما يسمونه (Back groung) ثم يصور عليها ما يشاء بألوانه وأصباغه .
والدكتور شوقى إلى جانب هذه " العلمية " التى تصبغ بحثه بألوانـها العميقة ، فنًان مبدع مزج بـهذه الألوان العميقة الواناً زاهية مشرقة يستمد أصباغها من مزاجه الفنى المرهف . فهو مؤرخ عليه ان يلزم هذه " العلمية " ولكنه مؤرخ للفن ، عليه أن يعتمد على الذوق الحساس والمزاج الفنى الذواق فى تحليل اللوحات التى يدرسها إلى الألوان والأصباغ التى عملت فى تأليفها .
ويستخدم المؤلف الفنان فى هذه الناحيـــــــة عنصرين أساسين : هما الألوان والألحان فالقطعة الأدبية عنده ، أحياناً ، لوحة تممتها ريشة رسام ، وعليه أن يدرس كيف مزج هذا الرسام أصباغه ، وكيف استخدم بعد هذا الوانه ، ومن أر زاوية نظر إلى ، نموذجه ، وكيف وزع على لوحته الطل والنور ، وهى عنده ، أحياناً أخرى ، قطعة موسيقية الفتها فيثارة موسيقار وعليه أن يردها إلى أنغامها الاولى ، وكيف استخدمها صاحبها فى تأليف ألحاله ، وما الآلات الوسيقية التى تعاونت على عزف مقطوعته وكيف وزع عليها ألحانه .
هكذا يمضى المؤلف الفنان فى تحليل نماذج بحثه ، وهو يستخدم هذين العنصرين ببراعة وإلحاح ، نقل القارئ إلى مهرجان للفن بلوانه ورنانه .
وهو من أجل هذا يطاوع اللغة اصطلحاته التى يصف بـــها المذاهب الفنية وخصائصها ، هذه اللغة التي "لما تمرن على طرق التعبير فى المذاهب الى نفس صناعة الفنون" كما يقول فى تمهيده لكتابه الأول
ولعل مما يتصل بهذا ، وإن يكن من لون آخر ، ولع المؤلف بأن يشتق طائفة من ألفاظه التى يفسر بـها النماذج التى يدرسها من هذه النماذج نفسها ، فهذا عمر بن الخطاب يقول في يوم السقيقة " كنت زوٌرت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم " بمعنى حتٌبرت ، فيتخذ المؤلف من مصدر هذا الفعل اصطلاحاً يفسر به النماذج التي يوردها لعمر . ( ص ٢١ وما بعدها ) .
وثمة شئ آخر يشيع فى أثناء البحث فيضي عليه ظلالا محببة إلى النفس ، هو ذلك التواضع الذي هو من أخص سمات الدكتور شوقى فى كل أعماله . وهذا التواضع هو الذى يعملنا هى أن نعترف له بفضله فى محله بقدر ما يحاول هو أن يواريه وراء أستاره .
وإذا كان هناك شئ تأخذه على هذا البحث فإنما هو الإيجاز فى بعض مواضعه ، حتى ليخيل للقارئ كأن المؤلف يطوى أشياء عنه ، مما جعل بعض أحكامه أشبه شيء بالمحطات الخاطفة ، ولقد كان فى طبيعة الموضوع ما يساعده على النمـــــــط والسعة ، ولكن لعل فى ظروف الطباعة هذه الأيام ما يفسر لما هذا ، او أمل الدكتور شوقى يطوى هذه الأشياء الآن ليظهرها فى أبحاث مقبلة بصورة مفصلة ، وإنه لفاعل إن شاء الله .
